- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 4 Views
كتب: الترجمان
في أعقاب موجة من الأمطار والثلوج الكثيفة التي غطت مساحات واسعة من إيران أبريل/نيسان 2026، بعد سنوات عجاف من الجفاف القاسي، لم ينحصر الجدل في أروقة مراكز الأرصاد الجوية فحسب، بل امتد ليتصدر منصات التواصل الاجتماعي والدوائر السياسية.
عادت إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول ما يُعرف بـ “سرقة السحب”، ولكن هذه المرة برداء عسكري تقني؛ حيث زعمت روايات واسعة الانتشار أن هطول الأمطار لم يكن مجرد ظاهرة طبيعية، بل كان نتيجة مباشرة لتدمير أنظمة رادارية وتكنولوجية تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، كانت مهمتها “منع” السحب من دخول الأجواء الإيرانية.
تلازم الحرب والمطر: ولادة “نظرية المؤامرة” الجديدة
يرى مهدي زارع، الأستاذ في المعهد الدولي لهندسة الزلازل، أن توقيت طرح هذه الادعاءات لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تلاقي أحداث سياسية وعسكرية كبرى مع تغيرات جوية مفاجئة. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تشهد توترات عسكرية وتبادلاً للضربات، بدأت السماء تمطر بغزارة غير معهودة، مما دفع البعض لربط الحدثين برابطة “السبب والنتيجة”.
انتشرت ادعاءات تشير إلى أن ضرب رادارات متطورة مثل منظومة “ثاد” (THAAD) ورادارات الإنذار المبكر (AN/FPS-132)، بالإضافة إلى استهداف مزعوم لمركز “سري” للتحكم بالطقس في الإمارات، هو ما “حرر” السحب الإيرانية من أسرها. ويضيف زارع أن هذه الرواية تحاول إقناع الجمهور بأن الجفاف الطويل لم يكن قدرا مناخيا، بل كان عملية “سرقة” منظمة توقفت بمجرد تدمير الأدوات التقنية للعدو، وهي فكرة رغم جاذبيتها العاطفية، إلا أنها تفتقر إلى أي أساس في فيزياء الغلاف الجوي.
وتذهب هذه النظرية أبعد من ذلك، حيث تدعي أن مراكز أبحاث بارزة في دول الجوار كانت تعمل كواجهة لعمليات عسكرية تستهدف عقيم السحب ومنع وصول الرطوبة إلى الهضبة الإيرانية. ومن الأمثلة التي ساقها المروجون لهذه الأفكار هو البرنامج البحثي لاستزراع السحب في الإمارات، والذي وُصف في الشائعات بأنه “مركز سري لتبديد الأمطار”.
غير أن الواقع العلمي يؤكد أن هذا المركز ليس سريا، بل هو برنامج بحثي علني قائم منذ تسعينيات القرن الماضي، واستمر في تحديث بياناته ونشر أبحاثه حتى في أوج الأزمات الإقليمية، مما يفند ادعاء تعرضه للتدمير أو استخدامه لأغراض هجومية مناخية تفوق القدرات البشرية الحالية.

علم استزراع السحب: إمكانيات محدودة وأوهام مطلقة
لفهم الفجوة بين الحقيقة والخيال، يجب توضيح ما تستطيع التكنولوجيا فعله حقا وما تعجز عنه؛ فعملية “استزراع السحب” (Cloud Seeding) التي تُستخدم في دول مثل إيران والإمارات والولايات المتحدة والصين، هي عملية محلية للغاية وتعتمد على وجود سحب “حبلى” بالأمطار بالفعل.
يوضح الخبراء أن هذه التقنية لا تخلق مطرا من العدم، بل هي مجرد “تحفيز بسيط” لسحابة موجودة عبر نثر مواد مثل يوديد الفضة أو أملاح خاصة لتشجيع الرذاذ على التحول إلى قطرات مطر.
وتؤكد الدراسات المنشورة في عام 2025 و2026 أن أقصى زيادة يمكن أن تحققها هذه العمليات تتراوح بين 5% إلى 7% في أفضل الظروف، وفي حالات استثنائية جداً قد تصل إلى 20%، وهي زيادة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تغير خريطة المناخ لدولة بمساحة إيران أو تنهي جفافا استمر لعقود.
بالإضافة إلى ذلك، فإن فكرة “توجيه” السحب أو منعها من عبور الحدود الدولية تقع بالكامل في نطاق الخيال العلمي؛ فالطاقة اللازمة للتحكم في حركة كتل هوائية ضخمة تغطي آلاف الكيلومترات المربعة تفوق قدرة القنابل النووية ومحطات الطاقة البشرية مجتمعة.
ويؤكد ميثم طولابي نجاد، خبير نماذج المناخ، أن الادعاءات التي تتحدث عن تغير درجات حرارة مدن كبرى مثل طهران بمقدار خمس درجات نتيجة تدخلات تقنية هي ادعاءات غير منطقية، لأن الغلاف الجوي نظام ديناميكي هائل لا يتأثر بموجات رادارية أو عمليات رش موضعية بهذا الشكل الجذري. إن القول بأن “الرادارات” كانت تصد السحب هو سوء فهم تقني عميق، إذ إن وظيفة الرادار هي الرصد وليس التأثير المادي على بخار الماء في طبقات الجو العليا.

لماذا نصدق “سرقة المطر”؟ التحليل النفسي والاجتماعي
إن قبول شريحة واسعة من الناس لنظريات المؤامرة المتعلقة بالمناخ يعود إلى أسباب نفسية عميقة تتعلق بالحاجة إلى الشعور بالسيطرة في مواجهة كوارث طبيعية مرعبة ومعقدة. فالجفاف ظاهرة بطيئة ومؤلمة ومجهولة الأسباب المباشرة للشخص العادي، بينما تقدم نظرية المؤامرة “عدوا بشريا ملموسا” يمكن فهمه وربما مواجهته.
يوضح مهدي زارع أن استبدال “الطبيعة العشوائية وغير المبالية” بـ “عدو حاقد ومخطط” يعطي نوعاً من الراحة النفسية الزائفة، حيث يصبح حل المشكلة بسيطاً في نظر المعتقدين بها: “أوقفوا الشرير، وسيعود المطر”. هذا التبسيط يغني الفرد عن مواجهة التحديات المعقدة والمرة المتمثلة في التغير المناخي العالمي الذي يتطلب تغييرات جذرية في السلوك البشري وإدارة الموارد.
علاوة على ذلك، تلعب ظاهرة “الأبوفينيا” (Apophenia) دورا كبيرا، وهي ميل العقل البشري لرؤية أنماط ذات معنى في بيانات عشوائية. فعندما يرى الشخص العادي مسارات الطائرات في السماء (التي هي مجرد تكثف بخار الماء من المحركات) تزامنا مع سنوات جافة، فإنه يربط بينهما فوراً كدليل على “رش مواد كيميائية”. هذه الروايات تستغل “ذرة من الحقيقة” (مثل وجود تقنية استزراع السحب فعلياً) لبناء جبل من الأوهام.
وفي مجتمعات تعاني من أزمات مياه حادة وتوترات سياسية، يصبح من السهل توجيه الغضب الشعبي نحو “الآخر” الذي يسرق الموارد، بدلا من محاسبة الذات على سوء إدارة المياه الجوفية التي استُنزفت بنسبة تزيد عن 77% في إيران.

جذور الادعاءات في التاريخ السياسي الإيراني
لم تكن التصريحات الحالية هي الأولى من نوعها، بل إن “سرقة السحب” كانت حاضرة في الخطاب السياسي الإيراني لسنوات طويلة. ففي عام 2008 أطلق سعيد جليلي، ادعاءات بأن إسرائيل “تعقم” سحب إيران، وتبعه في عام 2011 الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد الذي صرح علنا بأن الدول الغربية تستخدم تقنيات متطورة لتسبب الجفاف في بلاده.
هذه التصريحات من مسؤولين رفيعي المستوى منحت الشائعات صبغة رسمية، مما جعل من الصعب على العلماء لاحقا إقناع الجمهور بعكس ذلك. إن استخدام المناخ كأداة في الصراع السياسي ليس جديداً، لكنه في الحالة الإيرانية تحول إلى وسيلة للهروب من واقع الأزمة البيئية الخانقة.
ويرى الخبراء أن هذه الادعاءات تكتسب قوتها من مشروعات حقيقية يتم تحريف أهدافها، مثل مشروع “هارب” (HAARP) في ألاسكا، وهو مشروع لدراسة طبقة الأيونوسفر على ارتفاعات شاهقة جداً لا علاقة لها بتشكل الغيوم. ومع ذلك، يتم تصويره في الإعلام البديل كـ “سلاح جوي” فتاك.
إن هذا الخلط المتعمد بين الأبحاث العلمية المتقدمة وبين القدرات الأسطورية للتحكم في الطقس يؤدي إلى تضليل الرأي العام وإلهائه عن الأسباب الحقيقية للجفاف، مثل الاحتباس الحراري، وتغير مسارات “التيارات النفاثة” في الغلاف الجوي، وجفاف الأراضي الرطبة التي كانت تمد الجو بالرطوبة اللازمة لتكون السحب المحلية.

العلم يتحدث: التغير المناخي مقابل “آلات الطقس” الخيالية
في المقابل، يقدم علماء المناخ تفسيرات رصينة ومبنية على البيانات لظاهرة الأمطار الغزيرة الأخيرة. يوضح الخبراء أن ما شهدته المنطقة هو ما يُعرف بـ “السوط المناخي” (Climate Whiplash)، حيث تؤدي التغيرات المناخية إلى تطرف حاد في الطقس؛ فالهواء الأكثر دفئا لديه قدرة أكبر على حمل الرطوبة، وعندما تتوفر الظروف المناسبة، تفرغ هذه الرطوبة بشكل مفاجئ وعنيف في صورة سيول مدمرة.
كما أن الاحترار غير المسبوق في مياه البحر الأبيض المتوسط حوله إلى ما يشبه “خزان وقود للعواصف”، حيث تبخرت كميات هائلة من المياه واتجهت شرقاً نحو إيران وتركيا والعراق، مدفوعة بتغيرات في أنماط الرياح العالمية.
إن الحقيقة العلمية تشير إلى أن الجفاف الطويل كان نتيجة لارتفاع درجات الحرارة العالمية المنهجي، وليس بسبب رادارات معينة. وعندما هطلت الأمطار، كانت نتيجة لديناميكيات الغلاف الجوي الطبيعية التي تم التنبؤ بها قبل شهور من قبل مراكز الأرصاد العالمية.
إضافة إلى أن “المطر لا يخلق من عدم”، وأي تكنولوجيا بشرية، بما فيها تلك التي تمتلكها القوى العظمى، لا تملك القدرة على منع نظام جوي عملاق من التحرك. إن الركون إلى قصص “الآلات الشريرة” التي تتحكم في المطر ليس مجرد شبه علم، بل هو “تراجيديا” كما يصفها مهدي زارع، لأنها تستنزف الطاقة الشعبية والسياسية في معارك وهمية، بينما تظل الحلول الحقيقية لأزمة المياه ـ كإصلاح أنظمة الري وحماية الغطاء النباتي وتقليل انبعاثات الكربون ـ منسية ومهملة.

