بين التصعيد والردع.. رضائي يلوح بكسر الحصار ويعيد الجدل حول العقيدة النووية الإيرانية

تشهد الساحة الإيرانية منذ أسابيع تصاعدا ملحوظا في الخطاب السياسي والعسكري، بالتزامن مع استمرار التوترات في الخليج العربي، وتزايد الحديث عن الحصار البحري، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وإمكانية مراجعة الفتوى التي تحرم امتلاك السلاح النووي. وفي قلب هذا الجدل، جاءت تصريحات محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري وعضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، لتكشف حجم التحول في الخطاب الإيراني الرسمي وشبه الرسمي تجاه قضايا الردع، والعلاقات الدولية، وموازين القوى في المنطقة.

تصريحات رضائي لم تقتصر على التهديدات العسكرية أو التحذير من تداعيات الحصار البحري، بل امتدت لتشمل قراءة استراتيجية للصراع مع الولايات المتحدة، وتوصيفا لما اعتبره أفولا أمريكيا، إلى جانب فتح الباب، ولو بشكل غير مباشر، أمام إعادة النقاش حول العقيدة النووية الإيرانية في ظل ما تصفه طهران بالتهديد الوجودي الذي تواجهه.

رضائي… أمريكا في موقع الضعف وإيران فرضت معادلات جديدة

خلال لقاء تلفزيوني، الأحد 17 مايو/ آيار 2026، قدم رضائي رؤية تقوم على أن إيران استطاعت، من خلال الصمود والمواجهة، أن تفرض معادلات جديدة على الساحة الدولية، وأن الولايات المتحدة لم تعد الطرف الأقوى كما كانت في العقود الماضية، واعتبر أن زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الصين جرت في ظروف صعبة بالنسبة لواشنطن، موضحا أن ترامب كان يسعى للظهور من موقع القوة، لكنه اضطر للذهاب إلى بكين وهو في موقع أضعف بسبب تداعيات المواجهة مع إيران.

Image

ورأى رضائي أن حديث الرئيس الصيني عن تراجع الولايات المتحدة يعكس إدراكا دوليا بأن واشنطن تواجه أزمة استراتيجية، معتبرا أن صمود الشعب الإيراني كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الصين إلى التعامل مع أمريكا بهذه اللغة. وذهب أبعد من ذلك عندما قال إن إيران لم تعد مجرد طرف إقليمي، بل أصبحت لاعبا مؤثرا في صياغة التوازنات الدولية.

وفي إطار هذا التصعيد، وجه رضائي تحذيرات مباشرة إلى الولايات المتحدة بشأن استمرار الحصار البحري والتحركات العسكرية في الخليج العربي، مؤكدا أن إيران تعتبر الحصار البحري إعلان حرب، وأن القوات المسلحة الإيرانية لن تتحمله إلى ما لا نهاية. كما استخدم لغة شديدة الحدة عندما أوصى الجيش الأمريكي بالانسحاب قبل أن يتحول بحر عمان إلى مقبرة لسفنه الحربية.

هذه التصريحات عكست تصعيدا واضحا في الخطاب الإيراني، خاصة مع ربط رضائي بين الحصار البحري وبين حق إيران في الرد العسكري، كما حاول تقديم صورة مفادها أن طهران لا تخوض فقط معركة دفاع عن مصالحها، بل معركة لمنع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، معتبرا أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج يستهدف في النهاية الصين، وليس إيران وحدها.

Image

وفي جانب آخر من حديثه، ركز رضائي على العلاقات الإيرانية الصينية، مؤكدا أن بكين لا تنظر إلى مضيق هرمز من زاوية عسكرية، بل من زاوية الحفاظ على حركة التجارة والطاقة. وقال إن المضيق مفتوح للتجارة لكنه مغلق أمام الحشود العسكرية وإثارة الفوضى، في إشارة إلى رفض إيران تحويل الخليج إلى منصة ضغط أمريكية ضد الصين.

وفيما يتعلق بالملف النووي، أكد محسن رضائي أن إيران ما تزال ملتزمة رسميا بفتوى المرشد الإيراني التي تحرم امتلاك واستخدام السلاح النووي، مشيرا إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية نفسها أقرت بعدم وجود أدلة على سعي طهران لصنع قنبلة نووية، وأضاف إن إيران تعمل ضمن معاهدة عدم الانتشار النووي وتحت رقابة دولية كاملة، مضيفا أن فتوى القيادة بشأن حرمة السلاح النووي ما تزال قائمة.

Image

لكن رضائي أبدى تشككا في إصرار الغرب على منع إيران حتى من امتلاك المعرفة النووية السلمية، معتبرا أن الضغوط الأمريكية قد تتوسع لاحقا لتشمل البرنامج الصاروخي الإيراني أيضا. كما شدد على أن بلاده ستقوم بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها، الأمر الذي يتماشى مع تصريحات المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، الأخيرة بشأن تجهيز إيران بكل أدوات القوة الضرورية لمواجهة التهديدات، فيما تأتي تصريحات رضائي وسط تصاعد النقاش داخل إيران حول إمكانية مراجعة العقيدة الدفاعية إذا تعرضت البلاد لما تصفه طهران بالتهديد الوجودي.

كما تناول رضائي الوضع الاقتصادي الداخلي، معترفا بوجود أزمات اقتصادية وتضخم وارتفاع في الأسعار، لكنه حاول ربط هذه الأزمات بالحرب والضغوط الخارجية، معتبرا أن جزءا كبيرا من التضخم ناتج عن تبعات الحرب والحصار، بينما يعود الجزء الآخر إلى الاحتكار والفساد والاستغلال، ومشددا على أن الحكومة بدأت خطوات لمعالجة هذه الملفات.

ولم تخل تصريحاته من رسائل إقليمية، خاصة تجاه الإمارات العربية المتحدة، حيث اتهم أبو ظبي بالوقوف إلى جانب إسرائيل، محذرا من الانخراط فيما وصفه بمخططات نتنياهو لجر المنطقة إلى الحرب. ومع ذلك، أشار إلى أن إيران لم تغلق باب الصداقة مع الإمارات، لكن “صبرها الاستراتيجي له حدود.

الحصار البحري.. تهديد للاقتصاد الإيراني ومصدر قلق اجتماعي

على وقع حديث رضائي عن الحصار البحري، فبالتوازي مع التصعيد السياسي والعسكري، تتزايد المخاوف داخل إيران من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للحصار البحري والتوترات المتصاعدة في الخليج العربي، ويؤكد اقتصاديون وخبراء إيرانيون أن استمرار القيود على الملاحة في مضيق هرمز والخليج قد يؤدي إلى أضرار عميقة تطال الاقتصاد الإيراني والبنية الاجتماعية للبلاد.

الاقتصادي الإيراني محمد مهدي بهكيش وصف الحصار البحري بأنه تحد خطير للتجارة الإيرانية، مشيرا إلى أن نحو 80 بالمئة من تجارة البلاد تتم عبر الموانئ الجنوبية والخليج العربي. وبالتالي فإن أي اضطراب في هذه المنطقة يعني عمليا شللا في حركة الصادرات والواردات، وارتفاعا في تكاليف النقل والتأمين، وتراجعا في قدرة إيران على الحصول على السلع الأساسية والتكنولوجيا والمواد الصناعية.

Image

ويرى بهكيش أن القيود المفروضة على الملاحة قد تمنح إيران مكاسب سياسية أو ردعية على المدى القصير، لكنها على المدى البعيد ستؤدي إلى نتائج عكسية، من بينها تعزيز الوجود العسكري الأمريكي والغربي في الخليج، وتحويل المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة، كما حذر من أن استمرار التوتر قد يدفع قوى أوروبية أيضا إلى إرسال قطع بحرية إلى المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.

وتتجاوز آثار الحصار الجانب التجاري إلى البعد الاجتماعي والمعيشي. فارتفاع أسعار النفط عالميا، وتراجع الصادرات الإيرانية، وصعوبة وصول السلع والمواد الخام، كلها عوامل تؤدي إلى زيادة التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. كما أن الصناعات الإيرانية التي تعتمد على استيراد المواد الأولية أو التكنولوجيا الأجنبية ستكون من أكثر القطاعات تضررا.

ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن فكرة “الاكتفاء الذاتي” التي يعاد طرحها داخل إيران في أوقات الأزمات قد لا تكون حلا واقعيا في ظل الحصار والعزلة الاقتصادية. فإيران، رغم امتلاكها موارد ضخمة، ما تزال بحاجة إلى الأسواق العالمية والاستثمارات الأجنبية والتكنولوجيا الحديثة للحفاظ على نشاطها الصناعي والاقتصادي.

Image

كما تواجه إيران مشكلة إضافية تتعلق بضعف البدائل اللوجستية. فالمنافذ البرية مع باكستان وتركيا وتركمانستان لا تمتلك حتى الآن القدرة الكافية لتعويض الموانئ الجنوبية. وحتى ميناء جابهار، الذي كان ينظر إليه كمشروع استراتيجي بديل، لم يحقق حتى الآن الطفرة المطلوبة بسبب نقص الاستثمارات والبنية التحتية.

وتحذر تقارير اقتصادية إيرانية من أن استمرار الأزمة قد يفرض على الحكومة تقليص الواردات إلى الحد الأدنى، والتركيز فقط على السلع الأساسية، وهو ما قد ينعكس على مستوى المعيشة ويزيد من الضغوط الاجتماعية. كما أن إعادة إعمار المنشآت المتضررة من الحرب أو العقوبات تحتاج إلى استثمارات ضخمة لا تستطيع الحكومة الإيرانية توفيرها بسهولة في ظل الظروف الحالية.

وفي هذا السياق، يربط كثير من الخبراء بين مستقبل الاقتصاد الإيراني وبين قدرة طهران على إعادة بناء علاقاتها التجارية مع العالم، خاصة مع دول الخليج والدول الغربية والاقتصادات الكبرى. فالعزلة الطويلة، بحسب هؤلاء، لن تؤدي فقط إلى إبطاء التنمية، بل قد تفقد إيران موقعها الاقتصادي في المنطقة لمصلحة منافسين إقليميين.

فتوى السلاح النووي.. بين الثبات الفقهي وضغوط الواقع السياسي

على أن أحد أبرز تعليقات القائد السابق في الحرس الثوري كان بخصوص العقيدة النووية الإيرانية، والتي تعد واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في إيران خلال الفترة الأخيرة، حيث يثار الجدل حول إمكانية تغيير الفتوى التي تحرم امتلاك أو استخدام السلاح النووي. فمنذ سنوات، تعتمد طهران على فتوى المرشد الإيراني السابق، علي خامنئي، باعتبارها أساسا دينيا وأخلاقيا لرفض إنتاج السلاح النووي، وقد تم تسجيل هذه الفتوى رسميا في الأمم المتحدة ضمن رسالة إيرانية حول نزع السلاح النووي.

غير أن تصاعد التهديدات الإقليمية والدولية، والحرب الأخيرة، دفع بعض السياسيين والنواب الإيرانيين إلى إعادة طرح السؤال، هل يمكن تعديل هذه الفتوى إذا تغيرت الظروف؟

هذا الجدل تعزز بعد تصريحات كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية السابق الذي لقى مصرعه خلال الحرب الأخيرة، والذي قال إن إيران تملك القدرة التقنية على إنتاج قنبلة نووية، لكن القرار السياسي لم يتخذ بسبب فتوى المرشد، وأضاف أن إيران قد تغير عقيدتها النووية إذا تعرضت لتهديد وجودي.

Image

كما أثارت تصريحات النائب حسنعلي أخلاقي أميري نقاشا واسعا عندما تحدث عن مفهوم الحكم الثانوي في الفقه الشيعي، موضحا أن الولي الفقيه يملك، من الناحية الفقهية، صلاحية تغيير بعض الأحكام إذا اقتضت مصلحة النظام ذلك، مستشهدا بتجربة تغيير الحكم الفقهي المتعلق بالشطرنج، الذي كان يعتبر محرما قبل أن يتم التعامل معه لاحقا باعتباره رياضة.

Image

ويرى المدافعون عن هذا الطرح أن الظروف الحالية تختلف جذريا عن السابق، وأن إسرائيل تمتلك ترسانة نووية، بينما تعجز المؤسسات الدولية عن كبح سياساتها العسكرية، وهو ما يفرض، بحسب رأيهم، إعادة النظر في مفهوم الردع الإيراني.

في المقابل، ما تزال شخصيات سياسية ودينية أخرى تؤكد أن فتوى تحريم السلاح النووي ما تزال قائمة ولم تتغير. ويستند هذا الفريق إلى تصريحات المرشد الإيراني الأخيرة التي شدد فيها على تجهيز إيران بكل ما يلزم للدفاع عن نفسها، من دون أن يعلن صراحة أي تغيير في الموقف من السلاح النووي، كما أن وزارة الخارجية الإيرانية واصلت التأكيد على رفض أسلحة الدمار الشامل، معتبرة أن الموقف الإيراني المعلن لا يزال قائما، رغم التصعيد السياسي والعسكري.

ومع ذلك، فإن مجرد فتح هذا النقاش علنا داخل البرلمان ووسائل الإعلام الإيرانية يعكس تحولا مهما في الخطاب السياسي الداخلي. فبعد سنوات كان الحديث فيها عن تعديل العقيدة النووية يعتبر من المحظورات السياسية، أصبح اليوم يطرح باعتباره خيارا قابلا للنقاش في حال تصاعد التهديدات.

يبدو أن إيران تحاول، من خلال هذا الجدل، توجيه رسائل متعددة إلى الخارج، مفادها أن استمرار الضغوط والعقوبات والتهديدات قد يدفعها إلى مراجعة بعض الثوابت التي التزمت بها سابقا. وفي الوقت نفسه، تحاول طهران الحفاظ على مساحة من الغموض الاستراتيجي، بحيث تبقي الباب مفتوحا أمام التصعيد أو التهدئة وفق تطورات المشهد الإقليمي والدولي.