تصريحات قاليباف حول عزل حكومة بزشكيان: ضغط التيار الأصولي أم فصل الحسابات السياسية عن الحكومة؟

Image

نشرت وكالة “خبر أونلاين” الأحد 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 تقريرا حول تصريحات محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، التي أدلى بها في الجلسة العلنية للبرلمان، حول حكومة الرئيس مسعود بزشكيان. 

ذكرت الوكالة أنه في الجلسة العلنية للبرلمان، المنعقدة الأحد 21 ديسمبر/كانون الأول 2025 وجّه محمد باقر قاليباف رسالة تحذيرية بلهجة حادّة، مؤكدا أن الأولوية الراهنة تتمثل في إعادة ترميم التشكيلة الوزارية من جانب الحكومة، ومشددا على أنه في حال عدم إجراء الإصلاحات الضرورية، سيكون البرلمان مضطرا إلى الشروع في إجراءات الاستجواب.

وأوضحت أن هذا الموقف لم يكن مجرد تنبيه برلماني تقليدي، بل حمل دلالات سياسية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وبالموقع الذي يسعى قاليباف إلى إعادة رسمه لنفسه داخل المعادلة السياسية الراهنة؛ وهي دلالات يمكن قراءتها بوصفها مؤشرا على مسار ابتعاد تدريجي عن الحكومة، ومحاولة لإعادة تعريف الدور والمسؤولية في المرحلة المقبلة.

تهديد أم إعلان براءة سياسية؟

تابعت الوكالة أنه يمكن، للوهلة الأولى، قراءة تصريحات محمد باقر قاليباف في إطار الصلاحيات الرقابية للبرلمان، غير أن لهجته التحذيرية، وإصراره اللافت على «اضطرار» المجلس إلى الدخول في مسار الاستجواب، تعكسان قبل كل شيء تحولا في الموقع السياسي لرئيس البرلمان إزاء الحكومة. 

وأضافت أن هذا الموقف يحمل دلالات واضحة على شروع قاليباف في سياسة تباعد تدريجي عن حكومة تشكّلت على أساس نوع من «الوفاق السياسي»؛ وفاق لم يكن متوقعا أن يتصدّع بهذه السرعة أو أن يتحول إلى خطوط تماس علنية بين الطرفين.

وأوضحت أنه يمكن اعتبار التلويح بالاستجواب من على منصة رئاسة البرلمان خطوة واعية تهدف إلى فصل نصيب قاليباف السياسي عن أداء حكومة الوفاق، في رسالة مزدوجة تفيد بإعادة التموضع وتغيير الاصطفاف السياسي. 

وبينت أنه في ظل تزايد الانتقادات الشعبية لبنية الحكم على خلفية الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، يسعى قاليباف إلى إعادة تعريف موقعه السياسي، والابتعاد عن تحمّل كلفة المصير المشترك مع الحكومة، مؤكدا أنه لم يعد في الموقع ذاته الذي كان عليه سابقا. 

وأشارت إلى أن هذا التحول في اللهجة والموقف لا يبدو مجرد أداة ضغط رقابية، بقدر ما يعكس انعطافة سياسية محسوبة قد تمهّد لإعادة رسم دور قاليباف في معادلات السلطة المقبلة.

Image

وفاق بات مكلفا

ذكرت الوكالة أنه في الأشهر الأولى من عمر الحكومة، كثر الحديث عن «الوفاق» و«التنسيق» بين السلطات، وكان قاليباف أحد أبرز أركان هذا التوجه. فقد أبدى البرلمان، في محطات عديدة، قدرا كبيرا من الانسجام مع الحكومة، سواء في منح الثقة، أو في تمرير تشريعات أساسية. غير أن هذا الانسجام لم يدم على وتيرة واحدة؛ ففي ملفات مثل استجواب وزير الاقتصاد السابق، تحولت المرافقة إلى مواجهة، كما اتخذ قاليباف، في قضية إقالة جواد ظريف من منصب نائب رئيس الجمهورية، مواقف متقاربة مع التيار المتشدد ومعارضة لظريف.

وأضافت أنه اليوم، يبدو أن ذلك «الوفاق» نفسه تحوّل إلى عبء سياسي، وأن قاليباف يسعى إلى «فصل حساباته» عن الحكومة. ويمكن تفسير هذا التباعد، لا بوصفه نقدا موضوعيا بقدر ما هو محاولة للتنصّل من المسؤولية المشتركة عن الأوضاع الراهنة، وإعادة رسم الحدود السياسية بما يقلل من كلفة الارتباط بالحكومة في المرحلة المقبلة.

قاليباف أيضا معنيّ بالمساءلة

تابعت الوكالة موضحة أن البرلمان، ولا سيما ضمن البنية السياسية الإيرانية، لا يؤدي دور «المراقب الخارجي» للحكومة فحسب. فالأدوات الرقابية التي يمتلكها البرلمان، من الأسئلة والتنبيهات إلى الاستجواب، تعمل جنبا إلى جنب مع أدوات الدعم السياسي. 

وبينت أنه عندما يقدّم برلمان ما، في مراحل معينة، الغطاء للحكومة، يصبح من الطبيعي أن يتحمّل نصيبا من المسؤولية عند بروز الأزمات. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لقاليباف أن يضع نفسه خارج دائرة المساءلة، إذ إن جانبا معتبرا من السياسات العامة وتركيبة الحكومة قد تشكّل بدعم البرلمان أو بصمته.

سياسة «التملّص» داخل البرلمان

ذكرت الوكالة أن أحد أبرز الانتقادات الموجّهة إلى أداء البرلمانات في السنوات الأخيرة يتمثل في تبنّي نمط من العمل السياسي قائم على «التملّص من المسؤولية»؛ حيث تُحمَّل الحكومة كلفة الإخفاقات، فيما يتقمّص البرلمان دور الناقد من دون الاعتراف بنصيبه من المسؤولية. 

وأضافت أنه وفي هذا السياق، يمكن قراءة التلويح بالاستجواب في المرحلة الراهنة بوصفه إعادة إنتاج لهذا النهج: تباعدا سياسيا يهدف إلى تحصين الذات من السخط الشعبي، لا إلى إحداث إصلاح فعلي في مسار إدارة الشأن العام.

Image

دور المتشددين والتوافق التكتيكي لقاليباف

أشارت الوكالة إلى أن التيارات المتشددة داخل البرلمان تسعى، عبر رفع «راية الاستجواب»، إلى انتزاع زمام المبادرة السياسية. فهذه التيارات لا تنظر إلى الاستجواب بوصفه أداة رقابية فحسب، بل تعدّه وسيلة هوياتية وإعلامية لتأكيد حضورها وتأثيرها. 

وأوضحت أن قاليباف، الذي لا يرغب في الظهور بمظهر المتأخر عن هذا المسار أو المتفرج السلبي أمام الرأي العام، يبدو أنه اختار نوعا من التوافق التكتيكي مع هذا المناخ؛ توافق قد يُنظر إليه بوصفه استجابة للظروف القائمة أكثر منه قيادة واعية لها.

الاستجواب: عرض سياسي أم إجراء فعّال؟

ذكرت الوكالة أن كثير من الخبراء السياسيين والاقتصاديين يرون أن المرحلة الراهنة ليست توقيتا مناسبا للاستجواب. فالبلاد تواجه تحديات اقتصادية جسيمة، وضغوطاً معيشية متفاقمة، وتقلبات في الأسواق، فيما قد تؤدي موجات الاستجواب المتتالية إلى تعميق حالة عدم الاستقرار. 

وأوضحت أن أي استجواب يُقدم عليه من دون خارطة طريق إصلاحية واضحة وبدائل عملية محددة، سيكون أقرب إلى استعراض سياسي منه إلى خطوة فعّالة لتحسين الأوضاع؛ وهي الملاحظة التي سبق لقاليباف نفسه أن أشار إليها في مناسبات سابقة.

ولفتت إلى أن المتشددين يذهبون إلى القول إن رئيس البرلمان كان يتعامل مع حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي بلغة الإنذارات والضغوط، بينما يبدون اليوم استياءهم مما يرونه ليونة تجاه حكومة بزشكيان. وربما أسهم هذا الاتهام بازدواجية المعايير في دفع قاليباف إلى اعتماد لهجة أكثر حدّة، وإلى التعامل مع حكومة بزشكيان بالأسلوب نفسه الذي اتبعه سابقا مع حكومة رئيسي. 

وبينت أن الواقع يشير إلى أن فترة رئاسة رئيسي نفسها لم تخلُ من قدر كبير من التساهل، ولم تتجاوز ضغوط قاليباف آنذاك حدود توجيه إنذار واحد للحكومة. وهو ما يكشف أن أسلوب التعاطي لم يكن دائما محكوما بمبادئ ثابتة، بقدر ما كان خاضعا لحسابات سياسية مرتبطة بالأشخاص والظروف. 

وأشارت إلى أن مثل هذه الازدواجية تثير تساؤلات جدية حول معايير العدالة والشفافية في اتخاذ القرار، وتلقي بظلالها على ثقة الرأي العام.

Image

غلاء الأسعار ومصادرة الرأي العام

ذكرت الوكالة أن ضغط الرأي العام وتفاقم موجات الغلاء حقيقة لا يمكن إنكارها، غير أن السؤال الجوهري يتمثل في مدى تحوّل هذا الضغط إلى ذريعة للمناورة السياسية لدى بعض النواب. ففي الأسابيع الأخيرة، عمد جزء من التيار المتشدد في البرلمان إلى تضخيم الأزمة المعيشية ورفع شعار الاستجواب، لا بالضرورة سعيا إلى إصلاح فعلي، بل بهدف إضعاف موقع الحكومة وتقليص قدرتها التنفيذية.

وأضافت أن هذا التيار يحاول توظيف السخط الاجتماعي أداة لتحقيق مكاسب سياسية، وتقديم نفسه في صورة المدافع عن لقمة عيش المواطنين، من دون الاعتراف بالمسؤولية المؤسسية للبرلمان في صناعة الواقع القائم.

وأوضحت أنه يمكن قراءة تصريحات النائب محمد تقي نقد علي في الجلسة العلنية للبرلمان، حين أشار إلى حديث قاليباف عن «غلاء الأسعار المُنهك»، وتحدث عن ارتفاع سعر كيلو الأرز بمقدار 500 ألف ريال خلال أسبوع واحد، معتبرا أن زمن الإنذارات قد انتهى وحان وقت «التحرك العملي». 

وبينت أن هذه التصريحات تعكس، في ظاهرها، معاناة حقيقية يعيشها المجتمع، لكن تزامنها مع موجة الدعوات إلى الاستجواب يكشف أن شخصيات مثل نقد علي تتحرك ضمن السياق ذاته الذي يرسمه التيار المتشدد؛ تيار لا يتعامل مع الاستجواب بوصفه آخر أدوات الرقابة، بل كخيار استراتيجي للضغط السياسي وتقييد الحكومة. وفي مثل هذا المناخ، تتحول معاناة الغلاء من مشكلة تبحث عن حلول إلى ورقة في صراع السلطة.

وأشارت إلى أنه يمكن اعتبار تصريحات قاليباف في نقطة تحوّل في العلاقة بين الحكومة والبرلمان؛ نقطة بات فيها الخط الفاصل بين الرقابة المؤسسية والابتعاد السياسي بالغ الدقة. فالتهديد بالاستجواب، وإن حمل رسالة استياء برلماني واضحة، يفتح في الوقت ذاته باب التساؤل حول نصيب البرلمان، ونصيب قاليباف شخصيا، من المسؤولية عن الأوضاع الراهنة. 

واختتمت التقرير بالقول أنه إذا ما تحوّل الاستجواب إلى أداة للتنصّل من المسؤولية، فلن يسهم في حل الأزمات، بل سيعمّق تآكل الثقة العامة بفعالية المؤسسات السياسية. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على التهديد من على المنابر، بل على تحمّل المسؤولية المشتركة، والشفافية، والعمل المنسّق بين السلطات.