- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 689 Views
كتب: ربيع السعدني
أدت الضربات الأمريكية لإيران إلى تدمير شبه كامل لأحد مواقع تخصيب اليورانيوم الثلاثة في إيران التي استهدفتها الولايات المتحدة الشهر الماضي، مما أدى إلى تأخير كبير في العمل داخل الموقع، غير أن الموقعين الآخرين لم يتعرضا لأضرار بالغة.
وربما تضررا إلى الحد الذي يمكن معه استئناف التخصيب النووي خلال الأشهر المقبلة إذا قررت إيران ذلك، بحسب تقييم أمريكي حديث للدمار الناتج عن العملية العسكرية، نقله خمسة مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين مطلعين على التقييم لشبكة NBC News، وقد تم عرض هذا التقييم، الذي يندرج ضمن جهود إدارة ترامب المستمرة لتحديد وضع البرنامج النووي الإيراني بعد الضربات، على عدد من أعضاء الكونجرس، ومسؤولي وزارة الدفاع، ودول حليفة خلال الأيام القليلة الماضية، بحسب ما أفاد به أربعة من هؤلاء الأشخاص.
خطة أوسع لضرب إيران
وعلمت NBC News أيضا، أن القيادة المركزية الأمريكية قد وضعت خطة أوسع بكثير لضرب إيران، تضمنت استهداف ثلاث منشآت إضافية ضمن عملية كانت ستستغرق عدة أسابيع بدلا من ليلة واحدة، وفقا لمسؤول أمريكي حالي ومسؤولين سابقين، وقد تم إطلاع الرئيس دونالد ترامب على تلك الخطة، إلا أنه رفضها لأنها كانت تتعارض مع توجهاته السياسية التي تميل إلى إخراج الولايات المتحدة من النزاعات الخارجية لا التورط فيها، ولما كان يتوقع من خسائر بشرية مرتفعة لدى الطرفين، بحسب ما قاله أحد المسؤولين الحاليين وأحد المسؤولين السابقين.
وقال مصدر مطلع على الخطة: “كنا مستعدين للذهاب إلى أقصى مدى في خياراتنا، ولكن الرئيس لم يكن يرغب في ذلك”، ووصف ترامب العمليات التي أمر بها بأنها “نجاح عسكري مذهل”، مضيفا في خطاب ألقاه بعد تنفيذ الضربات: “لقد تم تدمير منشآت التخصيب الرئيسية في إيران بالكامل وبشكل تام”، غير أن الواقع، بحسب المعلومات الاستخباراتية حتى الآن، يبدو أكثر تعقيدا، وإن صحت النتائج الأولية حول الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها في صراع جديد هناك.
وقال مسؤولون حاليون وسابقون، إن مناقشات جرت داخل الحكومتين الأمريكية والإسرائيلية حول ضرورة تنفيذ ضربات إضافية على الموقعين اللذين لم يتعرضا لتدمير كامل، إذا لم توافق إيران قريبا على استئناف المفاوضات بشأن اتفاق نووي، أو إذا ظهرت مؤشرات على أن إيران تحاول إعادة بناء هذه المنشآت، وطالما أكدت إيران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية ومدنية فقط.
تأثير الضربات
ويُعد التقييم الأخير لمحة مؤقتة عن حجم الأضرار التي ألحقتها الضربات الأمريكية، ضمن عملية جمع معلومات استخباراتية من المتوقع أن تستمر لأشهر، كما أوضح مسؤولون في الإدارة ووفقا لما قاله مسؤولان حاليان، فإن التقييمات المستمرة بدأت تُظهر ضررا أكبر مما تم التقدير له في السابق، وهذا التقييم هو الرؤية السائدة حتى الآن حول تأثير الضربات.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في تصريح لشبكة NBC News: “كما قال الرئيس وكما أكد الخبراء، فإن عملية مطرقة منتصف الليل دمّرت القدرات النووية الإيرانية بالكامل. الولايات المتحدة والعالم باتا أكثر أمانا بفضل قراره الحاسم”.
أما المتحدث الرئيسي باسم البنتاغون شون بارنيل، فقال: “إن مصداقية وسائل الإعلام الكاذبة تُماثل الحالة الراهنة لمنشآت إيران النووية: مدمَّرة، مدفونة تحت التراب، وستحتاج إلى سنوات لتعود كما كانت. لقد كان الرئيس ترامب واضحا، والشعب الأمريكي يدرك: منشآت إيران النووية في فوردو وأصفهان ونطنز تم تدميرها بالكامل وبشكل تام لا شك في ذلك”، وأضاف: “لقد كانت عملية مطرقة منتصف الليل ضربة كبيرة لقدرات إيران النووية، بفضل قرار الرئيس ترامب الشجاع، وبسالة كل رجل وامرأة من القوات المسلحة الذين شاركوا في هذه المهمة”.
التدمير والردع
استهدفت الضربات الأمريكية ثلاث منشآت لتخصيب اليورانيوم في إيران: فوردو، ونطنز، وأصفهان، ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن الضربة التي استهدفت فوردو، والتي طالما اعتُبرت مكونا محوريا في الطموحات النووية الإيرانية، نجحت في تأخير قدرات التخصيب الإيرانية في هذا الموقع لمدة تصل إلى عامين، بحسب ما ذكره مسؤولان حاليان.
وقد ركزت الرسائل العلنية الصادرة عن الإدارة الأمريكية حول الضربات على موقع فوردو، فخلال إيجاز صحفي للبنتاغون عُقد ردا على تقرير أولي لوكالة الاستخبارات الدفاعية، والذي خلص إلى أن البرنامج النووي الإيراني تأخر فقط من ثلاثة إلى ستة أشهر، تحدث وزير الدفاع بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين مطولا عن الضربة في فوردو، دون أن يتطرقا كثيرا لضربتي نطنز وأصفهان.
وكانت الولايات المتحدة تدرك قبل الضربات الجوية أن لدى إيران منشآت وهيكلية في نطنز وأصفهان ربما كانت تقع في أعماق لا تصلها حتى قنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات، والبالغ وزنها ثلاثون ألف رطل، والتي لم يُسبق استخدامها في القتال قبل تلك الضربات، وقد صُممت هذه القنابل خصيصا للتعامل مع المنشآت المدفونة في أعماق الجبال في فوردو.
ومع ذلك، فقد ظهرت مؤشرات منذ عام 2023 على أن إيران تحفر أنفاقا في نطنز على عمق يتجاوز ما يمكن لقنابل GBU-57 الوصول إليه، كما توجد أنفاق عميقة تحت الأرض في أصفهان، وقد استهدفت الولايات المتحدة المواقع السطحية في أصفهان بصواريخ توماهوك، ولم تستخدم فيها GBU-57، لكنها استخدمتها في نطنز.
وقد أشار مسؤولو البيت الأبيض إلى إحاطة مغلقة قدّمها مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف في أواخر يونيو/حزيران، قال فيها للمشرعين إن البرنامج النووي الإيراني “تضرر بشدة” وإن منشآت رئيسية عدة “دُمرت بالكامل”، بحسب وصف مسؤول في الإدارة لمحتوى الإحاطة السرية، وذكر راتكليف أن منشأة تحويل المعادن الوحيدة في نطنز، الضرورية للتخصيب النووي، قد دُمرت إلى درجة ستتطلب “سنوات لإعادة بنائها”، بحسب المسؤول في البيت الأبيض.
دفن غالبية اليورانيوم المخصب
كما أوضح راتكليف أن أجهزة الاستخبارات تعتقد أن الضربات دفنت غالبية اليورانيوم المخصب في أصفهان وفوردو، ما يجعل من الصعب جدا على الإيرانيين استخراجه لاستئناف التخصيب، بحسب ما أفاد به المسؤول، وأكد مسؤولان أن الولايات المتحدة لم ترَ دلائل على أن إيران تحاول حفر هذه المنشآت.
وبحسب تقرير سابق لـNBC News، نشره موقع “فرارو”، فإن الحكومة الإسرائيلية تعتقد أن جزءا من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال موجودا تحت منشأة أصفهان، وفقا لمسؤول إسرائيلي رفيع قدّم إحاطة للصحفيين في واشنطن الأسبوع الماضي، لكن المسؤول أضاف أن هذا اليورانيوم يعتبر فعليا غير قابل للوصول، لأن إسرائيل تراقب عن كثب، وستشن ضربات جديدة إذا رصدت أي محاولة لاستخراجه، وأضاف أن إسرائيل ترى أن البرنامج النووي الإيراني تأخر نحو عامين.
وبالمثل، حتى وإن لم تُدمر المواقع الإيرانية المستهدفة بالكامل، فإن المسؤولين الأمريكيين ومناصري العملية من الجمهوريين يرون أنها كانت ناجحة، لأنها غيّرت المعادلة الاستراتيجية لإيران، ومن وجهة نظرهم، بات النظام في طهران يواجه الآن تهديدا جديا بتنفيذ ضربات جوية إضافية إذا رصدت الولايات المتحدة أو إسرائيل سعيا لاستئناف العمل النووي السري.
وعندما سُئل ترامب أواخر الشهر الماضي، عما إذا كان سيأمر بضرب إيران مجددا إذا أظهرت المعلومات الاستخباراتية أن إيران يمكنها تخصيب اليورانيوم بمستوى يثير قلقه، أجاب: “بالتأكيد من دون أدنى شك”، وقد قال مسؤول في البيت الأبيض إن الدفاعات الجوية الإيرانية دُمّرت إلى حد كبير، ما يجعل من المستحيل تقريبا على إيران التصدي لأي ضربات جديدة مستقبلا، وأضاف: “لقد أصبح واضحا أن إيران لم تعد تملك أي دفاعات جوية، لذلك فإن فكرة أنها قادرة على إعادة بناء أي شيء بسهولة هي فكرة سخيفة”.
خطة “الذهاب إلى النهاية”
وضع الجنرال إريك كوريلا، قائد القيادة المركزية الأمريكية، خطة شاملة لـ”الذهاب إلى النهاية” في ضرب إيران، وفقا لمسؤول أمريكي حالي ومسؤولَين سابقَين، وقد صُممت هذه الخطة لـ”القضاء فعليا” على قدرات إيران النووية، بحسب ما وصفها أحد المسؤولين السابقين وقد بدأت منذ إدارة بايدن، في خريف العام الماضي وحتى ربيع هذا العام.
وكان من المخطط استهداف ستة مواقع ضمن الخطة، مع توقع تنفيذ ضربات متكررة لكل منها لإحداث الدمار المطلوب لإنهاء البرنامج بالكامل، كما شملت الخطة استهداف مزيد من قدرات الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية الإيرانية، وقدّر المخططون أن تنفيذها قد يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا الإيرانيين، وتوقعت الحكومة الأمريكية أن ترد إيران على هذا الهجوم باستهداف مواقع أمريكية في العراق وسوريا، بحسب شخص مطلع على الخطة، وقال المصدر ذاته: “كانت ستكون حملة جوية مطوّلة”.
وقد رأى بعض مسؤولي إدارة ترامب أن هذا الخيار الهجومي الأوسع كان يمثل سياسة قابلة للتطبيق، بحسب ما قاله مسؤولان سابقان، ورغم إطلاع ترامب على خطة “الذهاب إلى النهاية”، فقد رفضها في النهاية، لأنها كانت تتطلب فترة طويلة من النزاع المستمر.
خلفية تاريخية
كان ترامب قد انسحب، في عام 2018، خلال فترته الرئاسية الأولى، من الاتفاق النووي الموقع عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، والذي تم التوصل إليه في عهد إدارة أوباما، وقد فرض هذا الاتفاق، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، قيودا صارمة على البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية.
وبموجب الاتفاق، كانت إيران تبعد عاما واحدا فقط عن إنتاج مادة انشطارية تكفي لصنع قنبلة نووية، إلا أن انسحاب ترامب من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات، دفع إيران إلى خرق القيود على تخصيب اليورانيوم، ووفقا لمسؤولين أمريكيين ومفتشي الأمم المتحدة، كانت إيران تملك، قبل ضربات يونيو، ما يكفي من المواد الانشطارية لإنتاج نحو 9 إلى 10 قنابل.
وقد سعى ترامب منذ ذلك الحين إلى اتفاق جديد مع إيران يمنعها من تطوير أسلحة نووية، لكن المحادثات غير المباشرة بين مسؤولي البلدين فشلت في التوصل إلى اتفاق، قبل أن تشن إسرائيل ضربات جوية على المنشآت النووية الإيرانية، وقد أنكرت إيران منذ فترة طويلة أنها تسعى لصنع سلاح نووي، وهو ما أعاد وزير خارجيتها تأكيده في مقابلة مع شبكة NBC News قبل يوم واحد فقط من الضربات الأمريكية.

