الذهبي ونبلاء الشيعة

كتب: محمد فتحي النادي

لم تكن الفتن التي حدثت في صدر الإسلام من خروجٍ على أمير المؤمنين عثمان، أو تقاتل بين الصحابة بعد استشهاده وتولي علي بن أبي طالب للخلافة وليدة مؤامرة خارجية؛ باندساس عناصر أشعلت النيران بين المسلمين.

وعندما خرجت الخوارج على أمير المؤمنين علي، أو تشيعت له شيعة، أو تشيعت لأول ملوك الإسلام معاوية شيعة، فذلك كذلك لم يكن بأيادٍ خارجية.

بل نجمت هذه الأحداث، ونشأت تلك الأفكار والاجتهادات من رحم هذه الأمة.

لكن هناك من يحاول أن يجعل هذه الأفكار والاجتهادات دخيلة على المسلمين()؛ أدخلها أقوام تزيوا بزي الإسلام، لكنهم نقلوها عن أديان وفلسفات سابقة لتنحرف هذه الأمة، ولتتشتت وتتفرَّق.

ثم بكل بساطة يحاول تيار إخراج كثير من المخالفين له من تلك الأمة؛ فبدأ بالذين لا يُحسبون على أهل السنة أمثال الخوارج والشيعة.

ثم لما رسخت تلك الفكرة بأنهم ليسوا من تلك الأمة راحوا يُخرجون من هم من صميم أهل السنة كالسادة الأشاعرة والماتريدية والصوفية.

فمن يتبقى من الأمة إذن؟

إن الأمة تسع كل هؤلاء، والكل من نسيج هذه الأمة؛ فقد قال المصطفى -صلوات ربي وتسليماته عليه: “مَنْ صَلَّى صَلاَتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ”().

فالدولة الأموية جزء من تاريخ الأمة سواء اتفقت معها أم اختلفت، وكذا العباسية، والفاطمية، والأدارسة، والبويهية، والسلجوقية، والعثمانية… إلخ.

والخوارج والشيعة والمعتزلة والكرامية والكلابية والنجارية والسُّنة مكوِّنات من مكوِّنات هذه الأمة الاعتقادية؛ فالجميع محاط بسياج الإسلام، ودائرة الإسلام تجمع الجميع؛ فمنهم من هو في المركز، ومنهم من يبتعد عن المركز حتى يصل للمحيط؛ ومن خرج عن محيط الإسلام فلا يُحسب من أمة الإسلام.

وهذه الأمور كانت واضحة في ذهن الإمام الذهبي، وهو من أعاظم مؤرخي الإسلام، والذي غطَّى فترة بلغت سبعة قرون من عمر هذه الأمة.

وفي كتابه الجليل: “سير أعلام النبلاء” ترجم لأعلام كان لهم الأثر العلمي أو السياسي أو الأدبي… إلخ، وإن لم يوافقهم، أو يرضى عن مذهبهم ورؤيتهم، بل كان أحيانا ينتقدهم، لكنهم بصورة من الصور ينطبق عليهم وصف النُّبل، والذي يعني: الفضيلة والذكاء والنجابة().

وهذا المنهج عنده بيَّنه الصفدي بقوله: “ولم أجد عنده جمود المحدثين، ولا كَودنة() النَّقَلة، بل هو فقيه النظر له دربة بأقوال الناس ومذاهب الأيمة من السلف وأرباب المقالات”().

ورغم أنه كان سلفي المعتقد، سالكا سبيل أهل الحديث، واتُّهم بالتعصب على السادة الأشاعرة؛ إذ قال تلميذه قاضي القضاة تاج الدين السبكي: “وكان شيخنا -والحق أحق ما قيل، والصدق أولى ما آثره ذو السبيل- شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الإزراء بأهل السنة الذين إذا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم.

صنف التاريخ الكبير وما أحسنه لولا تعصب فيه، وأكمله لولا نقص فيه، وأي نقص يعتريه”().

لكنه لم يجحد الأعلام فضلهم، أو يُهمل ذكرهم، بل ترجم لهم، ودافع عن البعض، وهاجم آخرين.

فكان يصدِّر الترجمة بالفضائل والمناقب إجمالا وما اشتهر به صاحب الترجمة؛ ثم يورد أقوال من زكَّاه ومن قدحه، ثم يقول رأيه.

وما يهمنا هنا تراجمه عن الشيعة بجميع طوائفهم ممن كان فيهم تشيع يسير بتفضيل عليٍّ على عثمان، أو من الزيدية، أو الرافضة السابين لأبي بكر وعمر، أو الإسماعيلية.

وقد كان الذهبي يَعرف للناس أقدارهم وإن اختلف معهم؛ فالبعض يحط من شأن مخالفيه ولا يألو جهدا في قدحهم؛ وقد آلم ذلك عالم اليمن الحافظ عبد الرزاق فقال: “أخزى الله سلعة لا تنفق إلا بعد الكبر والضعف، حتى إذا بلغ أحدهم مائة سنة، كُتب عنه، فإما أن يُقال: كذاب، فيُبطلون علمه.

وإما أن يُقال: مبتدع، فيُبطلون علمه.

فما أقل من ينجو من ذلك”().

لذلك لم يضر عطية بن سعد كونه شيعيّا فقال فيه الذهبي: “من مشاهير التابعين”().

وقال عن القاضي التنوخي: “العالم المعمر.

قال الخطيب: كان متحفظا في الشهادة، عند الحكام، صدوقا في الحديث.

وقال أبو الفضل بن خيرون: قيل: كان رأيه الرفض والاعتزال.

وقال شجاع الذهلي: كان يتشيع، ويذهب إلى الاعتزال”().

وقد وصف ابن أبي روح بأنه “رأس الرفض بالشام. وكان ذا تعبد وتهجد وصمت”().

وكانت للذهبي نظرات ودقة في الحكم على الأشخاص وتصنيفهم؛ فمثلا قال عن محدث العراق وكيع بن الجراح: “والظاهر أن وكيعا فيه تشيع يسير لا يضر -إن شاء الله؛ فإنه كوفي في الجملة، وقد صنف كتاب: (فضائل الصحابة)، سمعناه قدَّم فيه باب مناقب علي على مناقب عثمان -رضي الله عنهما”().

وعندما تكلم أحمد بن عبد الله العجلي عن منصور بن المعتمر الحافظ الثبت فقال: “كان منصور أثبت أهل الكوفة، لا يختلف فيه أحد، صالح متعبِّد، أُكره على القضاء فقضى شهرين.

قال: وفيه تشيع قليل.

وكان قد عمش من البكاء”().

فوضَّح الذهبي معنى التشيع المنسوب لمنصور فقال: “تشيعه حب وولاء فقط”().

وقد حاول أن يبين درجات التشيع فقال: “من سكت عن ترحم مثل الشهيد أمير المؤمنين عثمان، فإن فيه شيئا من تشيع، فمن نطق فيه بغض وتنقُّص وهو شيعي جلد يؤدب، وإن ترقي إلى الشيخين بذم، فهو رافضي خبيث”().

ولم يعتبر تفضيل الإمام عليٍّ على أمير المؤمنين عثمان بدعة؛ إذ قال: “ليس تفضيل عليٍّ برفض ولا هو ببدعة، بل قد ذهب إليه خلق من الصحابة والتابعين، فكلٌّ من عثمان وعلي ذو فضل وسابقة وجهاد، وهما متقاربان في العلم والجلالة، ولعلهما في الآخرة متساويان في الدرجة، وهما من سادة الشهداء -رضي الله عنهما، ولكن جمهور الأمة على ترجيح عثمان على الإمام علي وإليه نذهب.

والخطب في ذلك يسير.

والأفضل منهما بلا شك أبو بكر وعمر، من خالف في ذا فهو شيعي جلد، ومن أبغض الشيخين واعتقد صحة إمامتهما فهو رافضي مقيت، ومن سبهما واعتقد أنهما ليسا بإمامي هدى فهو من غلاة الرافضة”().

ولعله من هذا الباب قال عن الأمير إبراهيم بن الأشتر النخعي: “أحد الأبطال والأشراف كأبيه، وكان شيعيّا فاضلا”().

وعندما ترجم لعبد الرزاق بن همام قال: “الحافظ الكبير، عالم اليمن، الثقة الشيعي.

قال هشام بن يوسف: كان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا.

قلت: هكذا كان النظراء يعترفون لأقرانهم بالحفظ.

قال أحمد العجلي: عبد الرزاق ثقة، كان يتشيع.

قال عبد الرزاق: ما انشرح صدري قط أن أفضل عليّا على أبي بكر وعمر، فرحمهما الله، ورحم عثمان وعليّا، من لم يحبهم فما هو بمؤمن، أوثق عملي حبي إياهم.

ويقول: أفضل الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، كفى بي إزراء أن أخالف عليّا ”().

وقد اعتذر لمن كان فيه ميل عن بني أمية؛ فعندما ذكر أبو القاسم بن عساكر أن أبا عروبة الحافظ المعمر الصادق كان غاليا في التشيع، شديد الميل على بني أمية.

قال: “كل من أحب الشيخين فليس بغال، بلى من تعرض لهما بشيء من تنقص، فإنه رافضي غال.

فإن سب، فهو من شرار الرافضة.

فإن كفر، فقد باء بالكفر، واستحق الخزي.

وأبو عروبة فمن أين يجيئه الغلو وهو صاحب حديث وحراني؟

بلى لعله ينال من المروانية فيعذر”().

ولم يعلق على ما نقله عن الحاكم في انحرافه عن بني أمية؛ فقد وصفه أولا بأنه “الإمام الحافظ، الناقد العلامة، شيخ المحدثين.

صنف وخرج، وجرح وعدل، وصحح وعلل، وكان من بحور العلم على تشيع قليل فيه، وهو ثقة واسع العلم”().

ثم نقل كلام ابن طاهر ولم يعلق عليه؛ إذ قال: “كان شديد التعصب للشيعة في الباطن، وكان يُظهر التسنن في التقديم والخلافة، وكان منحرفا غاليّا عن معاوية رضي الله عنه وعن أهل بيته، يتظاهر بذلك، ولا يعتذر منه.

فسمعت أبا الفتح سمكويه بهراة، سمعت عبد الواحد المليحي، سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: دخلت على الحاكم وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من أصحاب أبي عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج، فقلت له: لو خرجت وأمليت في فضائل هذا الرجل حديثا، لاسترحت من المحنة.

فقال: لا يجيء من قلبي، لا يجيء من قلبي”().

وقد عرَّج على درجات من عادى الإمام عليّا -عليه السلام- فقال: “من تعرض للإمام علي بذم، فهو ناصبي يُعزر، فإن كفره فهو خارجي مارق، بل سبيلنا أن نستغفر للكل ونحبهم، ونكف عما شجر بينهم”().

ولم يمنعه كونه شاميّا أن يرصد ظاهرة كانت موجودة في دمشق؛ فعندما ترجم للزجاجي شيخ العربية قال: “أُخرج من دمشق لتشيعه.

وكان حسن السمت، مليح الشارة.

وكان في الدماشقة بقايا نَصَب”().

وقد حاول التأريخ للتشيع والنصب فقال: “وكان الناس في الصدر الأول بعد وقعة صفين على أقسام: أهل سنة: وهم أولو العلم، وهم محبون للصحابة، كافون عن الخوض فيما شجر بينهم، كـ: سعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأمم.

ثم شيعة يتوالون وينالون ممن حاربوا عليّا ويقولون: إنهم مسلمون بغاة ظلمة.

ثم نواصب: وهم الذين حاربوا عليّا يوم صفين، ويقرون بإسلام علي وسابقيه، ويقولون: خذل الخليفة عثمان.

فما علمت في ذلك الزمان شيعيّا كفَّر معاوية وحزبه، ولا ناصبيّا كفَّر عليّا وحزبه، بل دخلوا في سب وبغض.

ثم صار اليوم شيعة زماننا يكفرون الصحابة، ويبرؤون منهم جهلا وعدوانا، ويتعدون إلى الصديق -قاتلهم الله.

وأما نواصب وقتنا فقليل، وما علمت فيهم من يكفِّر عليّا ولا صحابيّا”().

ولم تكن البدعة التي يتلبس بها صاحبها حاجزة عن ذكر مناقبه فقال عن الحسن بن صالح الكوفي: “هو من أئمة الاسلام، لولا تلبسه ببدعة”()، وهذه البدعة إما رأيه في الخروج على أمراء الجور، أو عدم ترحمه على أمير المؤمنين عثمان .

وبنظرة سريعة على أمثلة لتراجمه للشيعة بكل درجاتهم وطوائفهم نرى التوازن الدقيق في الترجمة؛ فقال عن محمد بن فضيل: “الإمام الصدوق الحافظ.

على تشيع كان فيه، إلا أنه كان من علماء الحديث، والكمال عزيز.

وقال أحمد بن حنبل: هو حسن الحديث شيعي.

وقال أبو داود السجستاني: كان شيعيّا متحرقا.

قلت: تحرقه على من حارب أو نازع الأمر عليّا -رضي الله عنه، وهو معظم للشيخين -رضي الله عنهما”().

وعندما ترجم للكلبي صاحب كتاب (الأصنام) قال: “العلامة الأخباري، أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي المفسر.

وكان -أيضا- رأسا في الأنساب، إلا أنه شيعي، متروك الحديث”().

وقال في ابن الكلبي: “العلامة الأخباري النسابة الأوحد الشيعي أحد المتروكين، كأبيه.

قال ابن عساكر: رافضي ليس بثقة.

وكان أبوه مفسرا، ولكنه لا يوثق به -أيضا، وفيه رفض كابنه”().

وقد نبَّه على بعض التناقضات؛ إذ ذكر أن صاحب الأغاني العلامة الأخباري أبو الفرج الأصبهاني “أموي شيعي”().

ولم يكن حاطب ليل يجمع الأقوال وينقلها في كتبه بل كان يثبت رأيه فيما ينقل؛ فقد قال عبد الله بن شداد -وكان ثقة، قليل الحديث، شيعيّا: “وددت أني قمت على المنبر من غدوة إلى الظهر، فأذكر فضائل علي بن أبي طالب ، ثم أنزل، فيُضرب عنقي”.

فرد هذا الكلام وقال: “هذا غلو وإسراف”().

ولم يكن يجامل في دينه؛ فعند ترجمته للفضل بن سهل الوزير والذي كان يلقب بذي الرئاستين قال: “كان شيعيّا منجما ماكرا”().

وقد وصف هشام بن الحكم بأنه متكلم بارع له نظر وجدل، وكان حاذقا حاضر الجواب، ولم يمنعه ذلك من أن يقول فيه: “المشبِّه المعثر”().

وقد ترجم لبعض الزنادقة المنسوبين للرفض مثل ابن أبي العزاقر الشلمغاني، وكان من كبار الكتَّاب، وقال فيه: “الزنديق المعثر”().

ثم إن ابن أبي دارم محدث الكوفة، والذي كان موصوفا بالحفظ والمعرفة إلا أنه يترفض، وقد ألف في الحط على بعض الصحابة فقال فيه: “شيخ ضال معثر”().

أما ابن خراش الحافظ، الناقد، البارع الرافضي، والذي صنف جزءين في مثالب الشيخين، فقال فيه: “هذا معثر مخذول، كان علمه وبالا، وسعيه ضلالا”().

وقال عن أحمد بن طارق “المحدث العالم، التاجر، الشيعي.

قال ابن الدبيثي: كان حريصا على السماع، وعلى تحصيل الأجزاء، مع قلة معرفته، وكان ثقة.

قال الشيخ الضياء: كان شيعيّا غاليّا.

وقال ابن النجار: كان طيب المعاشرة، إلا أنه غال في التشيع، شحيح مقتر.

وقال عبد الرزاق الجيلي: كان ثقة ثبتا، مع فساد دينه.

وقال ابن نقطة: خبيث الاعتقاد، رافضي”().

ورصد في تراجمه بعض من كان متشيعا ويُظهر التسنن؛ فقال: “ابن شانده الشيخ المعمر الشيعي.

قال السلفي: سألت خميسا الحوزي، فقال: كان ابن شانده رئيسا محتشما، ثقة.

قال: وكان يتظاهر بالسُّنة”().

ولم يكن يناصب أهل الكلام الشيعة العداء، ولم يغمطهم حقهم؛ فقال عن الإسكافي: “العلامة أبو جعفر، كان أعجوبة في الذكاء، وسعة المعرفة، مع الدين والتصون والنزاهة”().

أما النوبختي فوصفه بأنه “العلامة ذو الفنون، الشيعي المتفلسف صاحب التصانيف”().

وقال عن العز الضرير: “العلامة المتفنن الفيلسوف الأصولي الرافضي.

كان باهرا في علوم الأوائل، وكان يقرئ الفلاسفة والمسلمين والذمة، وله هيبة وصولة، إلا أنه كان يخل بالصلوات، وطويته خبيثة، وكان أحد الأذكياء”().

وقد لاحظ تأثير التشيع على بعض القرارات السياسية للخلفاء؛ فعند ترجمته للخليفة المأمون ذكر أنه كان شيعيّا، وأنه بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضى، ونوه بذكره، ونبذ السواد، وأبدله بالخضرة، وأنه بعث مناديّا فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية أو ذكره بخير، وأنه لتشيعه أمر بالنداء بإباحة المتعة -متعة النساء، ثم رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها().

وترجم لشعراء شيعة مثل: كُثيِّر عزة، وقد وصفه بأنه “من فحول الشعراء، كان شيعيّا، يقول بتناسخ الأرواح، وكان خشبيّا، يؤمن بالرجعة”().

أما الكميت فذكر أنه “مقدم شعراء وقته”().

وقال عن السيد الحميري: “من فحول الشعراء لكنه رافضي جلد، ونظمه في الذروة”().

ووصف ديك الجن الشيعي بأنه كبير الشعراء، وأنه طريف ماجن خمير خليع بطال().

وقال عن ابن الحجاج: “شاعر العصر، وسفيه الأدباء، وأمير الفحش، وكان شيعيّا رقيعا، ماجنا، مزاحا، هجاء، أمة وحده في نظم القبائح، وخفة الروح، وله معرفة بفنون من التاريخ والأخبار واللغات”().

ونقل ما وُصف الشريف الرضي به بأنه “أشعر الطالبيين”().

وأضفى على الرفاء لقب: “شاعر الشام”، وقال: “له نظم بديع”، ونقل ما قاله ابن عساكر: “كان رافضيّا، خبيث الهجو والفحش”().

وعندما ذكر أبا الفضل بن الفرات الدمشقي قال فيه: “وكان من الأدباء، لكنه رافضي رقيق الدين”().

ولم يفته تتبع أدباء الساسة؛ فذكر أن الأمير الكبير المسبحي -وكان رافضيّا منجما، رديء الاعتقاد- كانت “له يد طولى في الشعر والأدب والأخبار”().

ويبدو أنه كانت له ذائقة أدبية مكَّنته من معرفة جيد النثر من ردئه؛ فعندما ترجم لخطير الدولة قال: “الكاتب الصدر المنشئ الباهر، له باع مديد في النثر والنظم.

وكان غاليا في الرفض، متهما في الرواية”().

ولم يفته أن يترجم لكبار الدعاة والعلماء عند الشيعة الرافضة والإسماعيلية؛ فترجم للشيخ المفيد وقال عنه: “عالم الرافضة، صاحب التصانيف، كان صاحب فنون وبحوث وكلام، واعتزال وأدب، وكان قوي النفس، كثير البر، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، يلبس الخشن من الثياب، وكان مديما للمطالعة والتعليم، ومن أحفظ الناس”().

ولم ينس الداعي أبا عبد الله الحسين الصنعاني، ونعته بالخبيث، قال فيه: “من دهاة الرجال الخبيرين بالجدل، والحيل، وإغواء بني آدم.

قام بالدعوة العبيدية”().

وكان له قلم عجيب في وصف الساسة؛ فعند ترجمته لعضد الدولة البويهي قال فيه: “وكان بطلا شجاعا مهيبا، نحويّا، أديبا عالما، جبارا، عسوفا، شديد الوطأة.

وكان شيعيّا جلدا أظهر بالنجف قبرا زعم أنه قبر الإمام علي، وبنى عليه المشهد، وأقام شعار الرفض، ومأتم عاشوراء، والاعتزال.

وكان صائب الفراسة”().

وقال في الصاحب بن عبَّاد: “الوزير الكبير العلامة، وكان شيعيّا معتزليّا مبتدعا، تياها صلفا جبارا، وكان فصيحا متقعرا”().

وقال عن ابن المغربي: “الوزير الأديب البليغ، له نظم في الذروة، ورأي ودهاء وشهرة وجلالة، وله ترسل فائق وذكاء وقاد، وكان من دهاة العالم، وكان شيعيّا”().

وقال عن جلال الدولة البويهي: “صاحب العراق، كانت دولته لينة، وكان شيعيّا كأهل بيته، وفيه جبن، وعسكره مع قلتهم طامعون فيه، وذاق نكدا كثيرا”().

أما مجد الملك فقال عنه: “الوزير الكبير، كان فيه خير وعدل وديانة وقلة ظلم، وكان كبير الشأن، عالي الرتبة، وصار يعتضد بالباطنية، وكان شيعيّا قد هيأ في كفنه سعفة وتربة، وكان له مع بدعته تهجد وتعبد وصلات دارة على العلوية”().

وعن دبيس صاحب الحلة يقول: “كان أديبا جوادا ممدحا، من نجباء العرب، وكان شيعيّا كآبائه، وله نظم جيد”().

أما عبيد الله المهدي فقال فيه: “أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام، وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية”().

ولما ترجم لابن كلس  وزير المعز والعزيز قال: “كان يهوديّا فأسلم.

كان داهية، ماكرا، فطنا، سائسا، من رجال العالم، وكان عالي الهمة، عظيم الهيبة، حسن المداراة.

يقال: إنه كان حسن إسلامه مع دخوله في الرفض، وله حب زائد في العلوم على اختلافها.

وقد مدحه عدة من الشعراء، وكان جوادا ممدحا”().

ولم يُخف رضاه بما حل بالبعض نتيجة لسوء أفعاله؛ فقال عن هبة الله بن الصاحب: “المولى الكبير.

أحد من بلغ أعلى الرتب، وصار يولي، ويعزل، وأظهر الرفض.

طُلب إلى دار الخلافة، فوثب عليه الشحنة ياقوت في الدهليز، فقتله، وكان قد تمرد، وسفك الدماء، وسب الصحابة، وعزم على قلب الدولة، فقصمه الله”().

وقال عن ابن العلقمي: “الوزير الكبير المدبر المبير الرافضي وزير المستعصم.

أفشى الرفض فعارضه السنة، وأكبت، فتنمر، وحفر للأمة قليبا، فأوقع فيه قريبا، وذاق الهوان.

مات غبنا وغمّا، وفي الآخرة أشد خزيا وأشد تنكيلا”().

وينقل عن بعضهم من الأقوال ما قد يهدم بعض معتقدات الشيعة مثل مسألة النص على الإمام؛ فقال عن طلائع بن رزيك: “وزير مصر الأرمني المصري الرافضي.

كان أديبا عالما شاعرا سمحا جوادا ممدحا شجاعا سائسا.

كان في نصر المذهب كالسكة المحماة لا يفرى فريه، ولا يبارى عبقرية.

ولقد قال لعلي بن الزبد لما ضجت الغوغاء يوم خلافة العاضد وهو حدث: يا علي، ترى هؤلاء القوادين دعاة الإسماعيلية يقولون: ما يموت الإمام حتى ينصها في آخر، وما علموا أني من ساعة كنت أستعرض لهم خليفة كما أستعرض الغنم”().

وذكر ساسة كبارا تابوا عن مذهبهم واعتقادهم؛ مثل معز الدولة البويهي وكان يتشيع، فقيل: “تاب في مرضه، وترضَّى عن الصحابة، وتصدق، وأعتق، وأراق الخمور، وندم على ما ظلم، ورد المواريث إلى ذوي الأرحام”().

وفي النهاية فإن الذهبي رغم اختلافه مع الشيعة بكل أطيافهم وتنوعاتهم فإنه لم يقاطعهم، ولم ير أي بأس في الترجمة لأعلامهم، وعدهم من النبلاء، وقد اعتذر للبعض، ونقد أو هاجم آخرين.

وشملت تراجمه المحدثين منهم والفقهاء والأدباء والشعراء والساسة والدعاة والنحاة واللغويين والأخباريين والمفسرين والقضاة والمؤرخين…. إلخ.

وهم جزء من الأمة تاريخيّا وعلميّا وثقافيّا، ولا يمكن سلخهم عن الأمة مهما كان الاختلاف والصراع والصدام.

وسيبقى الاختلاف قائما ما دامت هذه الأمة.