أزمة البنزين في إيران وسبل الإصلاح غير السعرية

البنزين

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الخميس 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أن شركة توزيع النفط المكرر كانت تتقاضى 700 ريال إيراني أي حوالي (0.166 دولار) من الدولة عن كل لتر بنزين، فيما يحصل أصحاب المحطات على 653 ريالا، أي حوالي (0.155 دولار)،كعمولة عن كل لتر يباع.

 

وأضافت أنه بغض النظر عن تكلفة إنتاج البنزين للدولة، فإن الدولة في عام 2024 دفعت فقط حوالي 1350 ريالا (0.320 دولار) لكل لتر لتوصيل البنزين من المصفاة إلى خزان السيارة، وفي النهاية إذا تم بيع البنزين بالسعر المخصص وكل لتر بـ1500 ريال (0.356 دولار)، فإن العائد الفعلي لكل لتر لا يتجاوز 200 ريال (0.047 دولار).

وتابعت أن هذا الرقم لا يشمل تكاليف الاستخراج، وسعر النفط، وتكاليف التكرير، وغيرها من التكاليف الجانبية، فبعض التقارير تذكر أن التكلفة الكاملة للبنزين المحلي تتراوح بين 9 آلاف و13 ألف ريال (2 – 3 دولارات) وأن تكلفة البنزين المستورد تتجاوز 20 ألف ريال (4.75 دولار)، وهذه الأرقام أصبحت الآن مشكلة كبيرة بالنسبة للدولة.

وأردفت أنه وفقا للإحصاءات الرسمية، وصل متوسط استهلاك البنزين اليومي حتى عام 2023 إلى حوالي 125–130 مليون لتر، وفي بعض أيام الذروة إلى 140 مليون لتر، وخلال الأشهر الأخيرة تم تسجيل رقم 149 مليون لتر في اليوم، والمشكلة ليست فقط في الاستهلاك العالي، ففي عام 2023، قامت الدولة باستيراد نحو 11 مليون لتر بنزين يوميا، وتذكر بعض التقارير غير الرسمية أن هذا الرقم وصل هذا العام إلى 20 مليون لتر يوميا.

وأوضحت أن كل هذه الظروف دفعت الدولة إلى البحث عن تقليل جزء من هذا العجز عبر الإصلاحات السعرية وغير السعرية؛ وهي مسألة واجهت اعتراض بعض أعضاء البرلمان بشأن آلية تنفيذها، وكل هذه الظروف تخلق مأزقا في سياسات الطاقة وتجعل موضوع البنزين قضية شبه مستعصية على الحل، وفي الواقع، التحدي الأساسي هو غياب الأفكار البديلة والركود في هذا الموضوع، مما يجعل الوضع يزداد سوءا يوما بعد يوم.

طرح حلول غير سعرية لمواجهة أزمة البنزين

أكدت الصحيفة أن ممثل طهران، أميرحسين ثابتي، لفت أثناء معارضته لخطة الحكومة للبنزين إلى عدة نقاط مهمة، قائلا، أصبح موضوع تحديد ثلاثة أسعار للبنزين جديا الآن، كما أن رفع سعر الـ LPG سرّا غير قانوني، وأطالب لجنة التحقيق برفضه، وفيما يخص الأسعار الثلاثة للبنزين، فقد شهدت زيادات بلغت 300 و400 و500٪.

وحذَّر من إثارة الفوضى في إيران، مع التأكيد على وجود طرق غير سعرية لمعالجة المشكلة، وإذا كانت هناك حاجة للزيادة، فلتكن بنسبة 10 أو 15٪ فقط، كما يجب العمل على وقف التهريب، خاصة أن هناك محطة بنزين سجل فيها شخص واحد معاملات تجاوزت مليار ريال أي حوالي (238,000 دولار) خلال شهر واحد، ويُعد هذا تهريبا يتطلب التحرك ضده.

وأبرزت الصحيفة أن هذه التصريحات من ثابتي قد تكون من منطلق حرصه على الخير، ومن منظور آخر، قد تكون نابعة من توجهه السياسي والحزبي، ومع ذلك، يرى الكاتب أن ثابتي طرح الموضوع من منطلق الخير، وهدفه الحفاظ على الأمن والاستقرار في إيران.

وبيّنت الصحيفة أنه رغم ما طرحه النائب من انتقادات، تبرز أمامه تساؤلات أساسية كممثل للشعب في البرلمان.

 أولها، ما الفكرة الإيجابية التي يقترحها لمعالجة أزمة البنزين التي يشوبها استهلاك يفوق الإنتاج، واستيراد واسع، وتهريب متزايد، وعجز كبير في الموازنة؟ وثانيها، كيف يفسّر دعمه القوي في انتخابات الرئاسة لعام 2021 لخطة وان التي قدّمها ممثل المرشد الأعلى الإيراني سعيد جليلي، والتي كانت ستؤدي عمليا إلى تحرير الأسعار أو رفعها بشكل كبير، وفي حين يتحدث اليوم عن حلول غير سعرية يرى الخبراء أنها قد تخفف التهريب مؤقتا، لكنها لا تعالج جذور الأزمة المالية ولا كلفة استيراد البنزين ولا تفاقم الاستهلاك؟

وأشارت إلى أن القناة الشخصية لثابتي على تطبيق إيتا تضم عدة رسائل تشيد بالخطة الأولى لجليلي، ويعود معظمها إلى فترة انتخابات عام 2021، حينما اعتبر أنصار جليلي هذه الخطة نموذجا لإنقاذ الاقتصاد الإيراني.

Image

أربع أفكار للإصلاحيين حول البنزين، الخطة الأولى

أوردت الصحيفة أن الفكرة الأولى التي يقول مقدموها والمدافعون عنها إنها قائمة على أسس بحثية ونظرية قوية هي خطة وان، وقد طرحها لأول مرة جليلي في مناظرات انتخابات عام 2021 ووصفها بأنها إصلاحات اقتصادية.

ونقلت عن جليلي قوله، إن الخطة التي نقترحها باختصار تعتمد على أن لدينا في إيران كمية محددة من استهلاك مصادر الطاقة، بما في ذلك الغاز والكهرباء والبنزين والديزل وغيرها، ويتم تقسيم هذه الكمية على عدد سكان إيران ليُحسب ما يُسمى وحدة الطاقة أو اختصارا وان، والتي تشمل سلة من مصادر الطاقة.

وأضاف قائلا: نمنح حق الاستفادة من هذه الوحدة الطاقية بشكل متساو لجميع أفراد المجتمع، وندير استهلاكها تحت إشراف الناس أنفسهم، ويمكن للناس أن يستهلكوا وحداتهم أو يبيعوها لمن يحتاجون إلى استهلاك أكبر، وهذا يحقق التوزيع العادل، ويُصحح نمط الاستهلاك، وفي الوقت نفسه الحكومة، على عكس الخطط المشابهة، لا تدفع أي أموال من جيبها.

وذكر أنه بهذه الطريقة لا يتم خلق أموال إضافية، ولا تقوم الحكومة بالبيع نيابة عن الناس كما يحدث الآن، حيث تظل مدفوعات الدعم النقدي ثابتة على الرغم من زيادة الأسعار.

وأفادت الصحيفة بأن إحدى النقاط الجديرة بالاهتمام والمبهمة في خطة وان لجليلي هي أن تحديد السعر غير واضح، بينما في الخطط المشابهة لخطة وان (خطة جامعة شريف) يتم التأكيد على تحقيق السعر الحقيقي للطاقة وإلغاء الدعم الخفي، وبالفعل، الخطط المشابهة لخطة وان تقوم على عدة مبادئ مثل: التوزيع العادل لدعم الطاقة، ومنح حق الاختيار للناس، والاستهلاك الأمثل،كما أنها تؤكد كشف السعر في السوق، وهو ما لا يظهر في خطة وان.

وأبلغت أن خطة وان التي قدمها جليلي تنص على أن الحكومة هي الجهة التي تحدد سعر الطاقة، ومع ذلك يُؤكد معدّوها أن هذه الآلية لا تؤدي إلى خلق سيولة جديدة، بينما تشير بنود أخرى إلى أن عوائد المواطنين الناتجة عن الخطة ستتأثر بارتفاع معدلات التضخم ولن تظل مستقرة.

وأقرَّت بأن هذه الخطة تحل مسألة التوزيع المتساوي، لكنها لا تحدد آلية واضحة للتعامل مع مشكلة العجز في الميزانية وعدم التوازن المالي، فهي تؤيد تقليل عدم التوازن، وتزيد من نصيب الناس دون زيادة العجز المالي للحكومة، وتؤكد العدالة في الاستفادة.

ورأت أن كل هذه الأمور تضغط على الحكومة لزيادة أسعار الطاقة، لأن ضمان استفادة الناس دون زيادة العجز المالي والحفاظ على التوازن يتطلب تعديل سعر الطاقة، وفي هذا الموضوع، تظل خطة وان لجليلي غامضة إلى حد كبير.

خطة جامعة شريف

أظهرت الصحيفة أنه في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عندما رفعت حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني سعر البنزين إلى السعر الحقيقي عبر الصدمة العلاجية، أكد اقتصاديون من جامعة شريف أنهم قدموا للحكومة خطة لتخصيص البنزين حسب الرقم القومي أو إنشاء سوق منظم للطاقة، لكن الحكومة تجاهلتها. 

وجزمت بأن هذه الخطة تشبه إلى حد كبير خطة وان لجليلي، حيث تقضي بتوفير البنية التحتية لنقل الحصص من بطاقة الوقود إلى البطاقة البنكية، ثم تخصيص كمية محددة (حوالي 20 لترا) لكل مواطن، سواء كان يمتلك سيارة أم لا، كما تسمح الخطة بتبادل الفائض في بورصة الطاقة، ليصبح من لا يستخدم حصته مزودا للآخرين، مع إمكانية تدخل الحكومة في المراحل الأولى لضبط العرض والطلب، خصوصا في أوقات الذروة.

وأبرزت أن دور الحكومة في هذه الخطة كان إدارة السعر عبر تحقيق توازن بين العرض والطلب، وليس تحديد سقف ثابت، وتشبه الخطة فكرة السوق العائم المُدار للبرلمان، حيث تقتصر تدخلات الحكومة على تأسيس السوق واكتشاف السعر، وأي تثبيت للسعر يكون قصير المدى لمواجهة تقلبات النمو. 

وأوردت أنه في يناير/كانون الثاني 2022، نُفذت تجربة تطبيقية للخطة بعنوان البنزين للجميع في جزيرة كيش لقياس الجوانب الفنية دون تغيير الأسعار، وتوقفت الخطة لاحقا، لكن المنفذون رأوا أنها حققت أهدافها الأولية.

خطة التسعير التدريجي ثلاثي المستويات

بيَّنت الصحيفة أن بعض وسائل الإعلام تناولت موضوع رفع سعر البنزين، وبعد ذلك، نفى أعضاء مجلس الإعلام الحكومي هذا الموضوع، وزعموا أنه لن يحدث في عام 2025، ومن ناحية أخرى، قال عضو لجنة الطاقة في البرلمان إسماعيل حسيني، في حديثه لوسائل الإعلام الوطنية، أنه سبق أن منح البرلمان للحكومة صلاحية رفع سعر البنزين.

وذكرت أنه وسط هذا التأكيد والنفي، حذر ثابتي، بشكل صريح، من تبعات تنفيذ خطة الحكومة للبنزين، وقال إنه من المقرر أن ترفع الحكومة السعر الثالث للبنزين بنسبة تتراوح بين 300 و500٪، وعلى الرغم من أن ثابتي لم يقدم تفاصيل عن خطة الحكومة، إلا أن بعض وسائل الإعلام ذكرت مؤخرا أن هناك خطتين مطروحتين داخل الحكومة.

وأشارت إلى أن الخطة الأولى تتعلق بزيادة سعر البنزين من خلال إنشاء ثلاث مستويات في الاستهلاك، حيث يُتوقع أن تكون مستويات الدعم كالتالي: السعر المدعوم عند 2,500 ريال (0.594 دولار) والسعر الثاني 5,000 ريال (1 دولار)، والسعر الحر باستخدام بطاقة الوقود لأصحاب المحطات 10,000 ريال (2.3 دولار) وتشير بعض التقارير إلى أن السعر في هذه الخطة سيرتفع سنويا بمعدل التضخم.

خطة تخصيص البنزين لكل فرد

أفادت الصحيفة بأنه فيما يخص تخصيص البنزين لكل فرد، ظهرت في وسائل الإعلام فكرتان، الفكرة الأولى طرحها عضو لجنة الطاقة في البرلمان حميد رضا عزیزی فارسیاني، في مايو/أيار 2025، وأوضح أن الخطة الجديدة لتخصيص دعم البنزين بناء على الرقم القومي تمنح كل مواطن إيراني حصة محددة حسب رقمه القومي، فعلى سبيل المثال، يحصل كل فرد على لتر واحد يوميا بسعر مدعوم قدره 3,000 ريال أي (0.71 دولار) أي ما يعادل 30 لترا شهريا.

وأشار فارسياني إلى الحسابات العائلية قائلا، على سبيل المثال، لعائلة مكونة من أربعة أشخاص مع سيارة واحدة، يكون الحد الأقصى الشهري 120 لترا من البنزين بسعر مدعوم، وأي استهلاك يزيد عن هذا الحد يُحسب تدريجيا، من 120 إلى 200 لتر بسعر 10,000 ريال (2.3 دولار) وأي كمية تزيد تُحسب بالسعر الحر 20,000 ريال (4.7 دولار). 

وأضاف أن الخطة قيد الدراسة حاليا في لجنة الطاقة، حيث يقوم الخبراء بتقييم جوانبها المختلفة بدقة، وبيَّن أن هذا التغيير الهيكلي قد يؤدي إلى تقليل التهريب وتحقيق توزيع أكثر عدلا لدعم البنزين، وهذه الفكرة تشبه من ناحية خطة التسعير التدريجي التي كشف عنها ثابتي في يوم الأربعاء 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وأبلغت أن بعض وسائل الإعلام تشير إلى أن الخطة المطروحة داخل الحكومة تشبه جدا فكرة جامعة شريف الأصلية، وهي تخصيص البنزين لكل رقم قومي، وفي هذه الخطة، يُقال إنه سيتم منح جميع المركبات العاملة في قطاع النقل دعما للوقود البديل للبنزين، أي دعم وقود CNG وLPG والكهرباء، مع تجهيز جميع المركبات العاملة بنظام الوقود الثاني. 

وفي الختام أكَّدت الصحيفة أنه لم تذكر وسائل الإعلام ما إذا كان هناك اختلاف في آلية تحديد السعر بين هذه الفكرة وما أعلن عنه حميد رضا عزیزی فارسیاني، أي هل ستحدد الحكومة السعر بنفسها أم سيتم اكتشافه في سوق الطاقة المنظمة وفقا للعرض والطلب كما في فكرة جامعة شريف.