عودة النقاش حول الحجاب تكشف انقساماً داخل المؤسسة الإيرانية بين الفقه والسياسة

الترجمان

عاد الجدل حول الحجاب الإلزامي في إيران، ليحتل صدارة المشهد السياسي والإعلامي من جديد، بعد سلسلة من التصريحات والمواقف المتباينة التي كشفت حجم التباين داخل مؤسسات الحكم بين التيار الديني المحافظ والإصلاحيين، بل وحتى داخل المعسكر الواحد.
وبينما تشهد شوارع طهران جدلا مكتوما حول ما تردد عن عودة “ونّات” دوريات الإرشاد، تواصل الحكومة محاولتها لإيجاد توازن بين الضغوط الاجتماعية المتزايدة والمطالب الدينية المتشددة، في معركة تبدو أعمق من مجرد “قانون حجاب”، إذ تمسّ صورة النظام ذاته وشرعيته الفكرية أمام الداخل والخارج.

خلفية الانقسام: من الثورة إلى ما بعد الحرب

منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، ارتبط الحجاب في إيران بالهوية الثورية للنظام، وتحول إلى رمز سياسي قبل أن يكون مسألة دينية، ومع مرور العقود، تغيّر المشهد الاجتماعي، وتبدّلت الأجيال، بينما بقي القانون على صرامته الأولى.
لكن السنوات الأخيرة – ولا سيما بعد احتجاجات 2022 على خلفية وفاة مهسا أميني – أظهرت أن المسألة تجاوزت حدود الالتزام الديني لتصبح عنوانا لصراع بين من يرى في الحجاب واجبا شرعيا لا يُمسّ، ومن يعتبره شأنا شخصيا يجب أن يترك لضمير الفرد.
وفي هذا السياق، جاء قرار “تعليق تنفيذ قانون الحجاب” ليشكل شرارة جديدة للخلاف بين المؤسسات الدينية والسياسية، بعد أن أعلنت الحكومة تأجيل تطبيق القانون “حتى إشعار آخر” دون توضيح الأسباب، ما أثار تساؤلات حادة في الأوساط المحافظة.

مواقف حادة من المؤسسة القضائية

شدد محمد موحدي، المدعي العام الإيراني، في اجتماع  يوم الأربعاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 مع القضاة على أن إبداء الرأي حول الأحكام الإسلامية، ومنها الحجاب، من اختصاص الفقهاء الكبار والعلماء المتخصصين فقط، ولا يجوز لغير المتخصصين الخوض فيها.

وأكد موحدي أن الالتزام بالتكليف الإلهي هو الهدف الأعلى، وأن الشهادة توفيق إلهي لمن يضحي في سبيل تحقيق هذا الهدف،  كما تحدث عن دور السلطة القضائية في تحقيق العدالة وصون حقوق العامة ومتابعة الملفات الكبرى، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب والرواية القضائية عن الدفاع المقدس.

تصريحاته جاءت بعد أيام من مواقف أثارت جدلا، أبرزها تصريحات محمد رضا باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي قال إن النظام في إيران لا يؤمن بالحجاب الإجباري، وإن القانون لم يعد ملزم التنفيذ، قبل أن يظهر لاحقا في مقابلة تلفزيونية لتعديل تصريحاته.

ردّ المحافظين: تأجيل القانون مؤامرة داخلية وخارجية

وفي خضم الجدل، نشرت وسائل إعلام محافظة مقالات غاضبة انتقدت قرار الحكومة تأجيل تنفيذ قانون العفاف والحجاب، واعتبرت ذلك خضوعا لضغوط غربية.

ثمّن طاهري آكردي، أمين اللجنة المركزية لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بيان جمعية مدرّسي الحوزة العلمية في قم بشأن الضرورة الدينية والقانونية للحجاب، واعتبره دليلا على وعي الحوزات العلمية ودورها في الدفاع عن القيم الإسلامية. 

وانتقد بعض المسؤولين الذين يتحدثون عن قضية الحجاب والعفاف بطرق تتنافى مع حقيقتها ومكانتها، مؤكدا أن الحوزات يجب أن تبقى حاضرة وفاعلة في القضايا الاجتماعية والسياسية.

وأكد آكردي أن الحجاب مسؤولية قانونية وشرعية لا يجوز لأي مؤسسة أو مسؤول التنصل منها، مشددا على أن اللجنة تتابع أداء المسؤولين في تنفيذ القانون، ومن يتقاعس عن أداء واجبه يجب مساءلته. 

كما أشار إلى أن ما يُلاحظ في بعض الأماكن العامة من مظاهر سفور جماعي وسلوكيات غير لائقة لم يعد مجرد حالات فردية، بل بات نمطا منظما يراد له أن ينتشر في إطار ما وصفه بـ الحرب الثقافية التي يشنها العدو لتفكيك الأسرة الإيرانية وضرب منظومة العفة والحجاب.

وفي ختام حديثه، حذّر آكردي من الفساد المالي وسوء استخدام الميزانيات باعتبارهما خطرين على القيم الدينية، مؤكدا أن الدفاع عن الحجاب لا يعني إهمال قضايا أخرى تمسّ الأخلاق العامة والشفافية. واعتبر أن خطة الأعداء تهدف إلى هدم القيم الأسرية عبر ضرب الحجاب أولا، ومن ثم الترويج لأنماط حياة غربية تستبدل الكلاب بالأطفال وتشرعن العلاقات المحرّمة، داعيا إلى مواجهة هذه التحديات بخطة واعية لا بعواطف آنية.

شريعتمداري يدخل على الخط

ذكر حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة “كيهان” لسان حال المرشد الإيراني علي خامنئي، أنه بعد إصدار قانون الحجاب وإحالته إلى الحكومة الموقّرة، أُعلن أنّ تطبيقه أُجّل “حتى إشعارٍ آخر”! وتساءل متعجبا: لماذا؟ إذ لم يُقدَّم أيّ توضيح بهذا الخصوص، تاركين وراءهم أسئلةً كثيرة بلا جواب: أولا، ما مدّة هذا “الإشعار الآخر”؟ وثانيا، على أي أساس وبأي دافع جرى تأجيل تنفيذ القانون، وهل كان ذلك قانونيا؟ وثالثا، خلال هذه الفترة المجهولة المدى، ما الخطوات الفعلية التي اتُّخذت لتهيئة الظروف لتنفيذه كما يدّعون؟

وأشار إلى أنّه بعد توقّف تطبيق قانون الحجاب، شاع على نطاقٍ واسع – وإن بشكلٍ غير رسمي -أنّ القرار صدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي، مؤكدا أنّ هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، إذ لم يُصدر المجلس مثل هذا القرار مطلقا. وأضاف أنّ المسؤولين المعنيين كان ينبغي عليهم تكذيب هذا الادعاء على الفور، لكن ما حدث كان العكس تمامًا، مما عزّز الانطباع الخاطئ في الرأي العام وعمّق اعتقادًا زائفًا لا يمتّ للواقع بصلة.

وأوضح أنّ هناك موجةً مريبة داخل إيران، يجري تنسيقها مع الأعداء في الخارج، تبثّ الأكاذيب بأنّ معارضي السفور ينوون اللجوء إلى القمع والعنف، وأضاف أنّه بالنسبة لتلك السيدة التي اعترفت بتقاضي مبالغ بالدولار مقابل خلع الحجاب، وللرجل الذي كان يموّل هذه الأفعال، فلا بدّ من اتخاذ إجراءات رادعة ومحاسبة صارمة بحقهما. أما الفتيات والنساء اللواتي خُدعن ووقعن في هذا الفخ، فلهنّ وضعٌ مختلف ويجب التمييز بينهنّ وبين من ارتكب الجريمة عمدا.

موقف الحكومة: التوازن بين الدين والحرية الفردية

ردّت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، على سؤال الصحفيين حول شائعات عودة دوريات الإرشاد إلى شوارع طهران.
وقالت مهاجراني إن البلاد تحتاج اليوم إلى انسجام داخلي أكثر من أي وقت مضى، مؤكدة أن القضايا الأساسية التي تشغل الحكومة تتعلق بمعيشة الناس وحياتهم اليومية.

وأوضحت أن بعض النشطاء الثقافيين أبدوا انزعاجهم من مشاهد تُوصف بأنها استعراض أو مبالغات في الملبس، لكن الحل ليس في تكرار التجارب السابقة، فاختبار المجرَّب خطأ.
وأضافت مخاطبة الصحفيين: “ساعدونا لنصل إلى مجتمع متوازن؛ فجزء من شعبنا متدين، ويجب أن نحترم الحرية الفردية من الجانبين”. وأكدت أنها ليست على علم بعودة تلك الدوريات، وأنها ستتابع الموضوع مع وزارة الداخلية إن صحّ ذلك.

تعتبر تصريحات مهاجراني  محاولة حكومية واضحة لتبريد الجدل، والابتعاد عن أي إجراءات قد تعيد صورة القبضة الأمنية التي أرهقت النظام في السنوات الماضية.

Image

هل تعود دوريات الإرشاد

موقع برترین‌ها كان قد نقل في تقرير نشره الأربعاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025 شهادات من مواطنين تحدثوا عن رؤية حافلات دوريات الإرشاد في مناطق مختلفة من طهران مثل ميدان الصناعة وعباس ‌آباد، مشيرا إلى أن الوجود تمّ في أجواء هادئة ومن دون احتكاك.

وأشار إلى أن الوضع الاجتماعي في العاصمة شهد تحولات ملموسة بعد حرب الـ 12 يوما، وأن الحجاب بات أكثر مرونة في الأماكن العامة باستثناء المؤسسات الرسمية.
اللافت أن الرئيس الأسبق حسن روحاني علّق على الأمر بالقول إن عودة دوريات الإرشاد تعني أن النظام بات مطمئنا أمنيا بعد انتهاء الخطر العسكري، مضيفا أن الشعب يعيش الآن واقعا مختلفا لا يمكن تجاهله.

Image

انقسام بين المرجعية السياسية والدينية

المتابع لتصريحات المسؤولين الإيرانيين يلحظ بوضوح أن مسألة الحجاب تجاوزت حدود الخلاف الفقهي إلى صراع على تعريف من يملك حق تحديد شكل الحياة العامة.

فالمؤسسة الدينية ترى أن الحجاب أصل شرعي لا يحق المساس به، بينما تسعى الحكومة إلى التعامل مع الواقع الاجتماعي الجديد الذي تشكّل في المدن الكبرى، حيث بات الالتزام بالقانون الديني ضعيفا وغير قابل للفرض بالقوة.

أما التيار الإصلاحي، فيحاول توظيف النقاش للدفع نحو عقد اجتماعي جديد يتيح مساحة أوسع للحرية الشخصية، مع الحفاظ على هوية الدولة الإسلامية.

لكن هذا التوازن يظل هشّا؛ فكل خطوة من جانب الحكومة تُفسَّر من المحافظين بأنها تنازل عن المبادئ، بينما تُقرأ من جانب الإصلاحيين باعتبارها إشارة إلى انفتاح محتمل.

تكشف عودة الجدل حول الحجاب في إيران عن انقسام جوهري داخل بنية النظام نفسه، بين من يريد الحفاظ على الرمزية الثورية للدولة، ومن يسعى إلى إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع وفقًا لمتغيرات العصر.
ومع أن الحكومة تبدو حريصة على تجنّب الصدام، إلا أن استمرار هذا التناقض بين الفقه والسياسة قد يدفع البلاد إلى جولات جديدة من الجدل وربما الاحتجاج، خصوصا مع تصاعد الوعي المدني في المدن الكبرى.
وبينما لا تلوح في الأفق حلول نهائية، يبدو أن النظام الإيراني يواجه اليوم اختبارا حقيقيا لقدرة شعاراته القديمة على الصمود أمام واقع اجتماعي متحوّل، حيث لم يعد الحجاب مجرد قطعة قماش… بل مرآة تعكس عمق التغيير في المجتمع الإيراني نفسه.