أكاديمي إيراني: إنقاذ إيران يبدأ من العودة إلى مبادئ الثورة لا من التصعيد والمواجهة

علی+محمد+حاضری

أجرى موقع بهار نيوز، الأحد 3 أغسطس/آب 2025، حوارا مع نائب الجمعية الإسلامية لمدرّسي الجامعات علي‌ محمد حاضري، حول التوجهات السياسية داخل النظام الإيراني، وموقف التيارات المتطرفة من القضايا الراهنة كالعقوبات والحرب، وفي ما يلي نص الحوار:

برأيك، إلى أين ستتجه التكتلات والانقسامات السياسية في إيران بعد الحرب التي استمرت 12 يوما؟

أعتقد أن الوضع الراهن في إيران يشير إلى أن مجموع القوى الإسلامية والمدافعة عن الثورة، التي كانت تُعرف في السنوات الأولى بجناحي اليسار واليمين، ثم لاحقا بتياري الأصوليين والإصلاحيين، قد انقسمت اليوم إلى أربع توجهات متميزة نسبيا، وبعبارة أخرى، فإن كلا من التيارين الأصولي والإصلاحي قد انشق إلى توجهين فرعيين. 

أي إن القوى الإسلامية داخل النظام، التي كانت وفية لجوهر الثورة وقيادة الإمام، يمكن تصنيفها اليوم إلى أربعة تيارات سياسية، لكل منها مواقفه ونهجه الخاص.

وأحد هذه التوجهات هو التيار المتشدد المنتمي إلى اليمين التقليدي، والذي يمكن التعرف عليه اليوم من خلال التيار المعروف باسم جبهة الصمود، وهؤلاء يُعدّون المدافعين عن السلوكيات والمواقف المتشددة التي سادت خلال العشرين عاما الماضية، وما زالوا مصرّين على مواقفهم ذاتها.

كما أنهم يرون في الحرب والعقوبات وأي نوع من القيود المفروضة دليلا على قوة مواقفهم وصلابتها، وهم يعتبرون أنفسهم قوى شيعية مخلِّصة ذات مهمة آخر الزمان، ويعتقدون أن مهمّتهم هي التصدي لجميع التيارات المخالفة لهم، سواء كانت خارجية أو دولية، أو حتى داخلية من المتدينين الذين لا يتفقون معهم، ويرون أنفسهم ممثلي الحق المطلق، وفي مواجهة مع جميع القوى الأخرى.

ويمكن رؤية رموز هذا التيار حتى اليوم في مواقع متعددة، وهم لا يزالون يقرعون طبول الحرب والمواجهة مع النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة وغيرهما، بنفس النهج والخطاب الذي اتبعوه سابقا.

ولدينا أيضا طيف آخر يدعم عموم الوضع القائم والمسارات الجارية، رغم توجيهه بعض الانتقادات لبعض الممارسات، ويمكن وصف هذا التوجه بالإصلاحية المحافظة، إذ يؤمن بالحاجة إلى إصلاحات ضمن الأطر والهياكل القائمة، وبأقل قدر ممكن من التوتر أو الصدام مع منظومة الحكم، مع الإبقاء على مساحة محدودة من النقد لبعض السلوكيات.

ويمكن رؤية هذا التيار مؤخرا تحت مظلة تيار يُعرف باسم فاتحو النوافذ (روزنه‌گشایان)، الذين أعادوا في بيانهم الأخير ترتيب هويتهم الاجتماعية وتنظيم صفوفهم، وبدؤوا ببناء قاعدة دعم جديدة.

وبوجه عام، هذا التيار يدعم النظام والبنية القائمة، ويتحرّز بشكل خاص في ظروف النزاع الراهنة من توجيه أي نقد قد يُفهم على أنه موجه إلى مجمل السلطة الحاكمة، ولكنهم ينتقدون بعض التصرفات، ويعتقدون بوجوب طرح هذه الانتقادات بشكل ناعم وغير صدامي، بل إنهم يرون أن هذا هو الشكل الصحيح لتقديم النقد، فإنه إصلاح منضبط، ومتحفظ، ومحدود، يتم داخل حدود الذوق العام والسياسات الكبرى القائمة.

والخط الثالث هو في الواقع تيار الإصلاحية التحولية أو الإصلاحيون الذين لا يزال بإمكاننا اعتبار الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي أبرز رموزهم، فقد نشر مواقفه في بيان مكوَّن من 15 بندا عام 2024، ولا يزال ملتزما بذلك الإطار والأسلوب في رؤيته وخطه السياسي، ويمكن القول إن هذا الخط هو نفسه ما أعلنه الناشط السياسي السابق مير حسين موسوي في عام 2009 تحت عنوان تطبيق الدستور من دون انتقاص.

وهذا التيار يؤمن بالحفاظ على النظام والثورة والإطار العام القائم، لكن مع التشديد على ضرورة تفعيل جميع أبعاده، أي (الجمهورية الإسلامية) كمزيج متوازن بين البُعدين الجمهوري والإسلامي، مع التأكيد على تطبيق الأجزاء المُعطّلة أو غير المُنفّذة من الدستور.

وأكثر ما يُبرز هذه الأبعاد المُهملة هو ما يتعلق بجمهوريّة النظام؛ حيث يرى هذا التيار – ممثَّلا في خاتمي – أن هذا البُعد قد تضرر وأُهمل بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، ويجب العمل على إحيائه وتفعيله، أما البُعد الإسلامي للنظام، فيُفهم في هذا التيار باعتباره متوافقا ومتكيفا مع متطلبات الزمان والمكان، كما كان يطرحه الإمام الخميني، لا كإطار جامد يُهمّش البُعد الجمهوري أو يُقصيه.

كما أُشير سابقا، فإن خاتمي، يُمثّل هذا التيار الفكري، في حين تُعدّ الأحزاب والمؤسسات التنظيمية التي تُعرّف نفسها بأنها منسجمة معه، القاعدة العريضة لأتباع هذا الاتجاه، ويمكن القول تقريبا إن جبهة الإصلاحات اليوم تُجسّد هذا التيار بشكل تام، فالأحزاب التابعة لها، رغم وجود تباينات جزئية أو خلافات في التفاصيل، تتفق في الإطار العام وتسير على هذا النهج.

وهذا الفكر، رغم انتقاده الجوهري للمسارات الحالية، يؤمن بضرورة الإصلاحات الجذرية والبنيوية، إلا أنه يرى أن هذه الإصلاحات ممكنة ـ في الوقت الراهن ـ ضمن إطار الدستور الحالي، لكنه لا يعتبر هذا الدستور نصا مقدسا لا يُمس، بل يرى أنه حين تُفعَّل أحكامه بشكل متوازن وشامل، وتُستعاد حقوق الشعب، وتُجرى انتخابات حقيقية، وتُشكَّل برلمانات قائمة على إرادة الأغلبية، عندها يمكن فتح نقاش حول تعديل الدستور ومراجعة نقائصه. 

أي إن تعديل الدستور الحالي يصبح ممكنا وضروريا، ولكن بعد تطبيقه الفعلي الكامل، وخصوصا في ما يتعلّق بالأبعاد المُعطّلة من بُعد الجمهورية فيه.

أما التيار الرابع من الإصلاحية هو تيار الإصلاح البنيوي والتحول الجذري، ويُعدّ الحدّ الأقصى للنظرة النقدية تجاه الوضع القائم، وهذا التيار، رغم وفائه العام لمبادئ الثورة والنظام، يمثّل التفكير الذي يتبنّاه اليوم حسين موسوي، وهو تفكير تشكّل بعد سلسلة تجارب منذ عام 2009، بحيث بات مقتنعا بأن الإصلاحات المطلوبة لم تعد ممكنة ضمن الأطر الحالية، سواء في البنية القانونية أو المؤسسية أو حتى الدستورية. 

ولذلك يرى هذا التيار أن أي إصلاح حقيقي وأساسي يجب أن يمرّ عبر تعديل الدستور، والعودة إلى إرادة الشعب، والاعتراف الفعلي بحقه في تقرير مصيره، ومع أن هذا التيار يركّز على تحولات بعيدة المدى، إلا أنه لا يهمل الإصلاحات العاجلة والضرورية؛ والتي تبرز في بيانات موسوي الأخيرة، ويمكن ـ بتسامح ـ إدراج رؤية السياسي الإصلاحي البارز مصطفى تاج‌ زاده تحت هذا النهج أيضا. 

ومن هذه الإصلاحات الفورية: الإفراج عن السجناء السياسيين، والاعتراف بحق الناس في اختيار مصيرهم، وخاصة إصلاح الجهاز الإعلامي الرسمي مثل هيئة الإذاعة والتلفزيون، سواء على مستوى الإدارة أو السياسات، ويُنظر إلى هذه الخطوات كتمهيد للتحولات الأكبر التي يجب أن تُنجز عبر جمعية تأسيسية، أو استفتاء عام، لإعادة بناء الدستور نفسه.

لكن في الوقت نفسه، يظلّ هذا التيار وفيّا لجوهر الثورة، ويرى أن رسالة الثورة الأصلية تتمثّل في سيادة إرادة الشعب، والاستقلال السياسي عن القوى الأجنبية، والتنمية الوطنية المستقلة، ومن هذه الزاوية، يعتبر نفسه متّسقا تماما مع شعارات ومواقف الثورة في بداياتها.

والنقد الجذري الذي يوجّهه هذا التيار للوضع الراهن لا ينطلق من موقف عدمي أو عداء للثورة، بل من رغبة في العودة إلى قيمها الأصيلة، فبحسب هذا التيار، فإن النهج الحالي قد ابتعد كثيرا عن تلك القيم، ما يستوجب تصحيح المسار بالرجوع إلى أسس الثورة، سيادة الشعب واستقلال إيران.

وهذا كلّه يتم داخل إطار الإيمان بالإصلاح الداخلي، ورفض أي تدخل خارجي في مسار الإصلاح داخل إيران، وكذلك مقاومة النزعات غير المستقلة التي تحاول فرض إصلاحات من خارج الإرادة الوطنية.

في تصنيفك، اختُزل التيار الأصولي في اليمين المتطرّف، هل تؤمن بوجود أصوليّ معتدل يمكن أن يتفاهم مع الإصلاحيين أم لا؟

في الواقع، أنا قسّمت التيار الأصولي اليوم إلى طيفين، الطيف الأول هو الأصوليون المتطرفون، الذين يمثّلهم فكر السيّد مصباح، وهؤلاء يؤمنون بإسلام لا يعترف بسيادة الشعب، بل يرون أن كل شيء يجب أن يُفرض من الأعلى، وعلى الناس فقط الطاعة، وبحسب تعبيرهم، هذه نظرية حكم تُمنح من الأعلى، ودور الشعب يقتصر على اكتشاف من يملك هذا الحق. 

وقد أشرت إلى أن الشكل الحزبي والمؤسساتي لهذا الفكر يتمثّل اليوم في تيار جبهة الصمود بایداری‌ها، لكن حتى خارج هذا التيار قد تجد أفرادا يحملون هذا الفكر.

أما الطيف الثاني من الأصوليين، فأنا أضعه اليوم تحت عنوان فتح النوافذ روزنه‌گشایی؛ وهو في الحقيقة تحالف بين إصلاحيين محافظين وأصوليين إصلاحيين، أي أولئك الأصوليين المعتدلين الذين ينتقدون الأداء الحالي، لكنهم يظلون ملتزمين بالإطار العام للنظام، وقد صَنّفناهم ضمن هذا التيار لأننا رأينا، في تحالفات مثل بيان الـ191 توقيعا، تقاربا واضحا بين هذين التوجّهين، وظهرت ملامح ائتلاف غير مُعلَن بينهما.

هل تعتقد بوجود ائتلاف بين التيار الأصولي المعتدل والتيار الإصلاحي؟

نعم؛ أعتقد أن الإصلاحيين المعتدلين والمحافظين هم في الواقع من يمثّلون اليوم تيار فتح النوافذ (روزنه‌گشایی).

إذن، من وجهة نظرك، هل يُمكن اعتبار تيار فتح النوافذ اليوم بمثابة الائتلاف القائم بين الأصوليين والإصلاحيين؟

ليس كل الأصوليين، لكن الأصوليين المعتدلين والإصلاحيين المتشددون والمحافظين ويمكن تصنيفهم وتجميعهم تقريبا تحت مظلة فتح النوافذ في قراءته الحالية.

وخلاصة الحديث أن التصنيف الذي قدّمته يُظهر تشكّل اصطفاف جديد وشامل في المشهد السياسي اليوم، ويمكن بناء أربعة أحزاب سياسية كبرى من خلاله، ومع ضرورة تطوير النظام الحزبي في إيران، ويمكن تنظيم جزء كبير من المجتمع الإيراني تحت هذا الاصطفاف. ومن الطبيعي أن يشهد الأفراد في الأحزاب الحالية حركات انتقالية وإعادة تموضع داخل هذا النظام الحزبي الجديد، تبعا لميولهم الفكرية والسياسية، خاصة أولئك الذين يشكّلون أقلية داخل أحزابهم الراهنة، وبهذا الشكل، قد نكون أمام أحزاب أكثر انسجاما مما كانت عليه سابقا.