- زاد إيران - المحرر
- 592 Views
كتب: ربيع السعدني
في قرية نيماور الهادئة، على مشارف مدينة زنجان شمال غربي إيران، وُلد أمير حاتمي عام 1966، في عائلة محافظة متدينة، حيث كانت رياح الثورة الإيرانية تهبّ على البلاد.
هناك، بين الجبال الوعرة والحياة البسيطة، بدأت حكاية رجل سيصبح أحد أبرز القادة العسكريين في تاريخ إيران الحديث.
من طفل يافع انضم إلى قوات “الباسيج” الشعبية، إلى قائد عام للجيش الإيراني.
جذور في الثورة والحرب
نشأ أمير حاتمي في ظل الثورة الإيرانية عام 1979، تلك اللحظة التاريخية التي شكّلت وعيه الوطني، كان في الثالثة عشرة من عمره عندما انضم متطوعًا إلى قوات التعبئة “الباسيج“، مدفوعا بحماس الشباب وإيمانه بمبادئ الثورة، لم يكن انضمامه مجرد قرار عابر، بل كان تعبيرا عن التزامه بحماية إيران في وقت كانت فيه البلاد تخوض حربا ضروسا ضد العراق (1980-1988).
في سن السادسة عشرة، وجد حاتمي نفسه في جبهات القتال، حيث شكّلت تجربة الحرب العراقية-الإيرانية أساس شخصيته العسكرية، مزودةً إياه بالصلابة والخبرة الميدانية وتلقى تعليمه الابتدائي في مدارس زنجان، لكنه لم يكتفِ بالتعليم التقليدي، كانت روحه الطامحة تدفعه نحو آفاق أوسع، فالتحق بالكلية العسكرية للضباط، ومن ثم أكمل دراساته العليا في كلية القيادة والأركان “دافوس”، وكذلك في الجامعة العليا للدفاع الوطني.

هذه المرحلة لم تكن مجرد اكتساب للمعرفة، بل كانت بناءً لعقلية استراتيجية تمزج بين التكتيكات العسكرية والرؤية الدفاعية طويلة الأمد.
من الميدان إلى الدفاع
لم يكن أمير حاتمي مجرد جندي يتبع الأوامر، بل كان قائدا يصنع القرارات.
بدأ مسيرته العسكرية في قيادة وحدات ميدانية بغرب إيران، حيث أظهر براعة في إدارة العمليات العسكرية، تدرّج في مناصب حساسة، منها رئاسة مكتب العلاقات الدولية للجيش، وتولّى رئاسة مجموعة المستشارين العليا للقيادة وبحلول عام 2013، أصبح نائبا لوزير الدفاع في حكومة الرئيس حسن روحاني، ليُعيّن لاحقا في 2017 وزيرا للدفاع، في سابقة تاريخية؛ لكونه أول وزير دفاع يأتي من صفوف الجيش النظامي وليس من الحرس الثوري.
خلال فترته كوزير دفاع (2017-2021)، عمل حاتمي على تعزيز القدرات الدفاعية الإيرانية، مع التركيز على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعات العسكرية، أكد في تصريحاته أن إيران حققت “استقلالا كاملا” في المجال الدفاعي، وهو إنجاز وصفه بأنه “لا يتحمله العدو”.
كما أشرف على تطوير الصناعات الجوية والصاروخية، مما عزز مكانة إيران كقوة إقليمية.
مستشار المرشد وقائد الجيش
في عام 2022، عيّنه المرشد الأعلى علي خامنئي مستشارًا خاصًا لشؤون الجيش، وهو منصب يعكس الثقة الكبيرة التي حظي بها حاتمي، لكن اللحظة الفارقة جاءت في 13 يونيو/حزيران 2025، عندما أصدر علي خامنئي قرارا بتعيينه قائدا عاما للجيش الإيراني، مع ترقيته إلى رتبة لواء، خلفا للواء عبد الرحيم موسوي.

جاء القرار بعد مقتل اللواء محمد حسين باقري في هجوم إسرائيلي على طهران، جاء هذا التعيين في وقت تواجه فيه إيران تصعيدا عسكريا غير مسبوق، مما جعل حاتمي في قلب المواجهة وفي مرسوم التعيين، وجّه خامنئي حاتمي بـ”تسريع وتيرة الارتقاء بالقدرات والجاهزية القتالية”، مع التركيز على “التآزر مع سائر القوات المسلحة”، هذا التوجيه يعكس رؤية حاتمي كقائد يسعى لتوحيد الجهود العسكرية في مواجهة التحديات الإقليمية، لا سيما التوترات مع إسرائيل والولايات المتحدة.
صوت إيران الصامد في وجه العواصف
أمير حاتمي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان صوتا مدافعا عن سيادة إيران، خلال فترته كوزير دفاع، أدلى بتصريحات قوية تعكس موقفه الثابت ضد “الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية”.
في 2019، أكد حاتمي أن “الشعب الإيراني سيذيق الجبهة الأمريكية-الإسرائيلية مرارة الهزيمة”، مشددًا على أن إيران تواجه “حربًا شاملة” تستخدم فيها الأعداء كل أدواتهم لزعزعة استقرار البلاد.
بعد اغتيال العالم النووي محسن فخري زاده في 2020، أعلن حاتمي أن الرد الإيراني على هذه الجريمة “حتمي ومؤكد”، مؤكدا عزم إيران على مواصلة الصمود في مختلف المجالات.

كما انتقد بشدةٍ محاولات الولايات المتحدة لتمديد حظر السلاح على إيران، واصفا إياها بأنها “ستبوء بالفشل”، هذه المواقف عكست رؤية حاتمي الاستراتيجية التي تجمع بين الدفاع عن المصالح الوطنية والتحدي للقوى الغربية.
على الصعيد الإقليمي، دعا حاتمي إلى تعزيز التعاون العسكري مع دول مثل سوريا وفنزويلا، مؤكدا أن أمن المنطقة يتحقق بتعاون دولها، زيارته إلى دمشق بناءً على دعوة من نظيره السوري، وبحثه مع تركيا مستجدات المنطقة، أظهرا دوره كدبلوماسي عسكري يسعى لتوسيع النفوذ الإيراني.
في مواجهة العاصفة
تعيين حاتمي قائدا للجيش في يونيو/حزيران 2025 جاء في لحظة تاريخية حرجة، حيث تتعرض إيران لهجمات إسرائيلية غير مسبوقة، بما في ذلك اغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين.
في هذا السياق، يواجه أمير حاتمي تحديا مزدوجا: تعزيز الجاهزية العسكرية للجيش، والحفاظ على الروح المعنوية للقوات في مواجهة الضغوط الخارجية، تصريحات المرشد الإيراني حول ضرورة “التصدي الحازم” للعدو الإسرائيلي تعكس التوقعات الكبيرة الموضوعة على كتفي حاتمي.
المؤلفات والأبحاث
▪︎ حاتمي هو مؤلف كتاب “دبلوماسية الدفاع”
▪︎ نشاط بحثي في شكل الإشراف على رسائل الدكتوراه والماجستير
▪︎ تأليف ونشر العديد من المقالات العلمية والبحثية
أبرز الأوسمة والإجازات
كما حصل حاتمي على وسام خريجي جامعة الإمام علي للضباط، معتمد من القائد الأعلى للقوات المسلحة.

ونال أعلى مرتبة بين الجهات الحكومية في مهرجان الشهيد رجائي عام 2018 للتدابير الخاصة وتلقى تقديرًا من القائد الأعلى لجهوده في مكافحة جائحة كورونا.
وساهم بدور فعال في دعم محور المقاومة ومحاربة داعش، عزز القدرات الدفاعية الإيرانية بتطوير منظومة “باور 373″، وطائرتي “كوثر” المقاتلة و”ياسين” التدريبية، والمدمرة “دنا”، والصواريخ الاستراتيجية.
ودعم المنظومة الصحية بإنتاج معدات طبية وتشخيصية ولقاح “فخرا” خلال جائحة كورونا.
رجل عصره
أمير حاتمي ليس مجرد قائد عسكري، بل رمز للصمود الإيراني، من قرية نيماور إلى قيادة الجيش، تجمع مسيرته بين الجذور الشعبية والطموح الأكاديمي والبراعة العسكرية.
مواقفه الثابتة ضد الأعداء، ورؤيته لتعزيز الاكتفاء الذاتي الدفاعي، جعلته شخصية محورية في تاريخ إيران الحديث.
وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى حاتمي رجل المرحلة، يقود جيشا في قلب عاصفة إقليمية، بإيمان راسخ بأن إيران لن تنكسر.

