إعلام إيراني يكشف: النساء في سوق العمل الإيراني ضحايا فجوة الأجور وغياب الأمان الوظيفي

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشر موقع “تجارت نيوز” الإخباري الإيراني، السبت 19 يوليو/تموز 2025، تقريرا تناول أوضاع النساء في سوق العمل الإيراني، مسلطا الضوء على ضعف المشاركة الاقتصادية، واتساع فجوة الأجور، وانعدام الأمان الوظيفي. وتضمّن التقرير تحليلا للخبيرة في الاقتصاد الاجتماعي مريم رضايي، ناقشت فيه العوائق الثقافية والقانونية التي قيّدت فرص النساء في الوصول إلى وظائف عادلة ومستقرة.

ذكر الموقع أن النساء في إيران غالبا ما يشغلن وظائف غير رسمية تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان الوظيفي، وحتى في حالات التوظيف الرسمي، فإنهن يواجهن تمييزا واضحا في الأجور مقارنة بالرجال.

وتابع أن التقدّم الملحوظ في مجال التعليم وارتفاع معدلات التحصيل الجامعي بين النساء لم ينعكس بالشكل المطلوب على فرصهن في سوق العمل، إذ تشير الإحصائيات وواقع التوظيف إلى استمرار وجود عوائق بنيوية وثقافية وقانونية تحول دون حصولهن على فرص عادلة ومستقرة.

وأضاف أن البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء الإيراني تُظهر أن معدل المشاركة الاقتصادية للنساء لم يتجاوز 20% خلال السنوات الأخيرة، في مقابل نسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف لدى الرجال، وهو ما يعكس الفجوة الحادة في فرص العمل بين الجنسين، والصعوبات الكبيرة التي تعترض طريق النساء عند محاولتهن دخول سوق العمل.

فجوة في الرواتب والفرص الوظيفية

ذكر الموقع أن النساء العاملات، حتى في الوظائف الرسمية، يتقاضين أجورا تقل بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بزملائهن الرجال الذين يشغلون مناصب مماثلة. وفي كثير من المؤسسات، لا يُنظر إلى النساء كقوة عاملة متساوية، مما يؤدي إلى تقليل فرصهن في الحصول على مناصب إدارية أو قيادية.

وأوضح  أن أحد أبرز التحديات التي تواجه النساء هو النظرة التقليدية السائدة في المجتمع، خاصة في المدن الصغيرة والمناطق الريفية، حيث تُحصر الوظائف “المناسبة” للنساء في مجالات محدودة مثل التعليم، والتمريض، أو الأعمال المنزلية، وهذا الانحياز الثقافي يُقلل من تنوع الخيارات المتاحة للنساء، ويُعيق دخولهن مجالات مهنية أخرى.

أعباء قانونية تقلل فرص التوظيف 

أردف الموقع أن بعض القوانين المرتبطة بدعم النساء العاملات، وعلى رأسها إجازة الأمومة، تُسهم بشكل غير مباشر في تقليص فرص توظيف النساء، لا سيما في القطاع الخاص ورغم أن هذه القوانين تُعد من حيث المبدأ خطوة إيجابية نحو تمكين المرأة ومراعاة دورها الأسري، إلا أنها في الممارسة العملية تتحول إلى عبء اقتصادي وقانوني على أرباب العمل.

وأوضح أن أصحاب المؤسسات والشركات، خصوصا في القطاع الخاص، كثيرا ما يترددون في توظيف النساء في سن الإنجاب، خشية التكاليف الإضافية المترتبة على إجازات الأمومة، وما يصاحبها من التزامات قانونية تتعلق بالحفاظ على الوظيفة ودفع المستحقات خلال فترة الإجازة، وهذا التردد يُفضي في النهاية إلى تراجع فرص النساء في الحصول على عمل، ويزيد من التمييز القائم على النوع الاجتماعي في سوق العمل.

التحرش والعنف في أماكن العمل 

أشار الموقع إلى أن التحرش الجنسي أو اللفظي يُعد من أبرز المشكلات التي تواجهها النساء في بيئة العمل داخل إيران، حيث تتعرض كثير من العاملات لمضايقات تتراوح بين الإيحاءات الكلامية والتصرفات غير اللائقة، في ظل ضعف أنظمة الحماية داخل مؤسسات العمل.

وأوضح أن هذه الانتهاكات غالبا ما لا يتم التبليغ عنها، نتيجة غياب آليات واضحة وفعالة للتصدي لها، إلى جانب خوف النساء من العواقب الاجتماعية أو المهنية، مثل فقدان الوظيفة أو التعرض للوصم، وهو ما يدفع العديد منهن إلى التزام الصمت والتغاضي عن حقوقهن، الأمر الذي يُسهم في استمرار بيئة العمل غير الآمنة.

فجوة بين التعليم والعمل

ذكر الموقع أن النساء الإيرانيات يُكملن تعليمهن العالي بنسبة مرتفعة، إلا أن فرص دخولهن إلى سوق العمل تظل ضئيلة. فبحسب أحدث تقرير صادر عن مركز الإحصاء الإيراني، لم تتجاوز نسبة مشاركة النساء في الاقتصاد بنهاية عام  2024، 15.4% وهي نسبة متدنية مقارنة بالمعدل العالمي، في حين وصلت نسبة مشاركة الرجال إلى أكثر من 45%.

وأضاف أن دراسة جامعية أُجريت العام الماضي كشفت أن النساء في الوظائف المماثلة يتقاضين أجورا تقل بمعدل 17% عن نظرائهن الرجال كما أن النساء العاملات في إيران غالبا ما يُحصرن في وظائف منخفضة الرتبة أو غير قيادية.

أكثر من نصف النساء يعملن دون عقد أو تأمين

نقل الموقع عن “مريم رضايي”، الخبيرة في الاقتصاد الاجتماعي، قولها إن الإشكالية لا تكمن فقط في الأرقام، بل في العقلية السائدة داخل الكثير من الشركات والمؤسسات التي تعتبر النساء قوى عاملة من الدرجة الثانية.

وأضافت رضايي أن بيانات مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني تشير إلى أن أكثر من 55% من النساء العاملات في إيران يشغلن وظائف غير رسمية، دون أي نوع من التأمين أو العقود القانونية، مما يجعلهن أكثر عرضة للطرد، والتمييز، وحتى الحوادث المهنية وتندرج معظم هذه الوظائف ضمن أنشطة مثل الباعة الجائلين، أو العمل في ورش منزلية، أو تقديم خدمات صغيرة.

وتابعت أن التقاليد الاجتماعية لا تزال تشكل حاجزا صلبا أمام دخول النساء لسوق العمل، خصوصا في المناطق المحافظة. إذ ترى العديد من العائلات أن المهن الأنسب للنساء تقتصر على التدريس أو التمريض، مما يحد من تنوع مجالات العمل المتاحة لهن.

كما أشارت إلى أن قوانين العمل الحالية، ورغم نواياها الحميدة، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى نتائج عكسية فمثلا، طول فترة إجازة الأمومة والالتزامات المرافقة لها قد تجعل أصحاب العمل يعزفون عن توظيف النساء في سنّ الإنجاب.

وأكدت ضرورة إعادة النظر في هذه القوانين، بما يحقق التوازن بين دعم النساء وتخفيف الأعباء عن كاهل أرباب العمل، مقترحة منح إعفاءات ضريبية للمؤسسات التي توظف عددا أكبر من النساء.

وأوضحت رضايي أن التحرش الجنسي أو اللفظي في أماكن العمل يمثل تحديا كبيرا آخر، مشيرة إلى نتائج استطلاع جامعي أُجري في طهران العام الماضي، كشف أن 32% من النساء العاملات أقررن بأنهن تعرضن للتحرش مرة واحدة على الأقل خلال حياتهن المهنية، لكن غالبية هذه الحالات لا يُبلّغ عنها بسبب الخوف من وصمة العار أو من فقدان الوظيفة، في ظل غياب منظومة فعالة لحماية الضحايا.

سوق العمل.. مساحة غير آمنة للنساء

اختتمت رضايي حديثها بتأكيد أن سوق العمل في إيران لا يزال، رغم كفاءة النساء ومؤهلاتهن التعليمية والمهنية العالية، مليئا بالتمييز وانعدام الأمان.

وشددت على أن معالجة هذه الأوضاع لا تتم فقط من خلال تعديل القوانين، بل تتطلب كذلك تغييرا جذريا في النظرة المجتمعية إلى عمل المرأة، فضلا عن سياسات ذكية ومتكاملة تُعزز من مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية بشكل فعّال وآمن.