إيران بعد الحرب.. بين روايات متضاربة واختراقات أمنية، من يكتب القصة ومن يُحجب صوته؟

نشرت وكالة “خبر أونلاين” الإيرانية، الأحد 27 يوليو/تموز 2025، تقريرا أفادت فيه بأن الأسابيع التي تلت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل لم تهدأ كما هو ظاهر في الميدان، بل استمرّت المعركة في الساحة الإعلامية، حيث تصاعدت التساؤلات بشأن محاولة اغتيال كبار المسؤولين، وشبهات الاختراق الأمني، وتعددت الروايات الرسمية حتى بدت متناقضة في بعض الأحيان.

وذكرت الوكالة أن شهرا قد انقضى منذ إعلان وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، شهر خلت فيه سماء إيران من الأضواء الحمراء الناتجة عن تصدي الدفاعات الجوية للطائرات المسيّرة، وعادت فيه الحياة إلى طبيعتها، وإنْ كانت تسير وسط مشاعر القلق والخوف من اندلاع حرب جديدة محتملة.

وأوضحت أن هذه الحرب وحّدت الإيرانيين وجمعتهم للدفاع عن وطنهم، فهبّ الجميع بصوت واحد دعما للبلاد. 

وأضافت أن هذه الحرب، وإنْ حقّقت النصر من خلال توحيد صفوف الشعب، فإنّ انقطاع الإنترنت وغياب الوصول الكافي إلى المعلومات قد أفضى إلى انحراف موازين التنافس في الفضاء الإعلامي.

 وبيّنت أن الصمت القسري المفروض على شبكات التواصل الاجتماعي قد كمّم رواية الحرب، ومنح الفرصة لوسائل الإعلام التي تنتظر دوما لتسرد روايتنا بالنيابة عنا – حتى وإن لم تكن صادقة.

حرب إيران وإسرائيل 

بيّنت الوكالة أن الرواية قد خرجت من أيدي الإيرانيين، فالحروب العسكرية تبدأ عادة بإطلاق النار؛ وفي هذا العصر الحديث، قد يكون إطلاق طائرة مسيّرة أو صاروخ، بل وحتى اغتيال مسؤول عسكري رفيع، شرارة لحرب عسكرية. 

غير أن الأصوات التي تتبع الانفجارات هي روايات الناس، حيث تنتشر في شبكات التواصل الاجتماعي قصص الخوف والحزن، وتشيع مشاعر الحداد والتعاطف الجماعي.

وأضافت أن ما حدث في فجر يوم 13 يونيو/حزيران 2025، عقب القصف، تمثل في قيام وسائل الإعلام بنشر صور مؤلمة للشهداء وآثار الجرائم الإسرائيلية، حتى يطّلع العالم على ما جرى في ذلك اليوم الحزين.

 كما انتشرت مقاطع من معارك الدفاع الجوي ضد المسيّرات الإسرائيلية على منصّتي إنستغرام وتويتر، مرفقة بأغانٍ مثل “افرض أن هذه الصواريخ نجومهم”، و”يا من في عروقي دم الوطن، يا من رايتك كفن لنا”، و”من دماء شباب الوطن نبتت شقائق النعمان”. 

وكأن تصفّح صفحات إنستغرام وقراءة روايات الناس على تويتر والحسابات الإخبارية، لم يكن مجرد وسيلة لتخفيف رعب الحرب، بل لطالما شكّل أيضا ساحة لإيصال الأخبار الصادقة إلى أسماع العالم.

وتابعت أن الانقطاع المفاجئ للإنترنت والتشديد الحاد في الحجب، لم يؤدِ فقط إلى حرمان الناس من فرصة نشر رواياتهم عن هذه الحرب، بل سلبهم أيضا حق الحضور في ساحة السرد الإعلامي، فبات المشهد الإعلامي وكأنه شارع باتجاه واحد، تُرك للعدو وحده.

 وفي ظل هذا الوضع، توجّهت أنظار البعض نحو الإعلام الرسمي والمواقع الإخبارية، خصوصا بعد الهجوم الصاروخي الذي استهدف مبنى الإذاعة والتلفزيون ذي الواجهات الزجاجية، فتوافد الخبراء والسياسيون من مختلف التوجهات إلى مبنى “جام جم” لتقديم تحليلاتهم حول الحرب.

وأردفت أن ما زاد من ضعف إيران في هذه الحرب الإعلامية، لم يكن فقط قطع الإنترنت وصعوبة الحصول على المعلومات من قِبل الناس أو الصحفيين، بل أيضا تعدد الروايات التي طرحها الساسة بعد وقف إطلاق النار، في وسائل الإعلام المختلفة.

 فكثير من التحليلات والأخبار، التي طُرحت أحيانا من دون أي دليل أو استنادا إلى الشائعات، حلّت محل التحليلات الدقيقة، ما أدى إلى إثارة العديد من التساؤلات في أذهان الرأي العام، وولّد مخاوف بشأن مصداقية المرجع الإعلامي، وتناول هذا التقرير بعض المشاهد من هذه الروايات المتعددة.

المشهد الأول

وذكرت الوكالة أنه في المشهد الأول من هذه الروايات إلى الأخبار المتضاربة التي دارت حول علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى بإيران، والتي بدأت منذ فجر يوم 13 يونيو/حزيران 2025. 

فقد تعرّض شمخاني لمحاولة اغتيال إسرائيلية قرابة الساعة الرابعة صباحا، أثناء استيقاظه لأداء صلاة الفجر، وانتشر خبر استشهاده في عدد من وسائل الإعلام.

وأضافت أن وكالة “نورنيوز” سارعت إلى نفي هذا الخبر بعد وقت قصير من نشره، وأعلنت أن حالته الصحية حرجة. 

ورغم هذا النفي، فإن تداول صورة لشمخاني إلى جانب قادة آخرين استشهدوا في الهجوم، غذّى الشائعات مجددا، إذ أوردت بعض الوسائل الإعلامية، استنادا إلى لافتة عزاء، نبأ استشهاد علي شمخاني، مستشار المرشد والأمين العام السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي.

وبيّنت أن رئيس الفريق الطبي المعالج لشمخاني نفى في تصريح لوكالة “خبر أونلاين” نبأ استشهاده، مؤكدا أن حالته العامة غير مستقرة، وأن الفريق الطبي يواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة مستشار المرشد.

وتابعت أن هذه الشائعات أخذت منحى جديدا عقب نشر رسالة منسوبة إلى شمخاني، ما دفع بعض الوسائل الإعلامية إلى الترويج لمزاعم تفيد ببتر ساقيه. وجاء في رسالته إلى المرشد الأعلى بإيران: «أنا حيّ! وهذا الجسد المثخن بالجراح، لا يزال بفضل الحقّ، درعا لهذا الشعب، وقلبي، هو ذاته الذي لبّى النداء بالأمس، وما زال اليوم يخفق من أجل الدين، من أجل الوطن، من أجل الشعب».

وتابعت أن ظهور شمخاني في مراسم تشييع الشهداء في 28 يونيو/حزيران 2025، وهو يسير متكئا على عصا، قد وضع حدّا لتلك الشائعات حول استشهاده أو بتر ساقيه.

المشهد الثاني

وأوضحت الوكالة أن المشهد الثاني هو الهجوم على المجلس الأعلى للأمن القومي الذي كان من أبرز الأحداث التي أُثيرت حولها روايات متعددة.

 فعلى الرغم من أن وحيد جليلي، شقيق سعيد جليلي ونائب رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، كشف لأول مرة في اليوم الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، أي في 24 يونيو/حزيران 2025، عن وقوع هجوم على اجتماع رؤساء السلطات، فإن تفاصيل هذا الحدث ما تزال محل تناقل وتفسير من قِبل مسؤولين وخبراء حتى اليوم.

وأوضحت أن جليلي صرّح حينها قائلا: «هؤلاء استهدفوا يوم الاثنين 16 يونيو/حزيران 2025، قبل ساعة واحدة من قصف مبنى الإذاعة والتلفزيون، اجتماع رؤساء السلطات، وقد نجوا منه بحمد الله بمعجزة، لكن لبضع ساعات، كان ترامب يعتقد أن الرئيس الإيراني ورئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية قد قُتلوا».

وأضافت أن علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى بإيران، تناول في مقابلة تلفزيونية ما وصفه بالروايات غير المعلنة حول حرب إيران وإسرائيل، وكشف عن نية إسرائيل استهداف رؤساء السلطات في اجتماع خاص، قائلا: «كانت إسرائيل تنوي، بعد استهداف رؤساء السلطات، التوجه نحو القيادة».

وبيّنت أن وكالة أنباء “فارس” نشرت لاحقا تفاصيل إضافية حول الهجوم الإسرائيلي، موضحة أن الاجتماع المقصود كان اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي، المنعقد في طوابق سفلية لأحد المباني الواقعة غرب طهران في منطقة “چيتجر”. 

وذكرت الوكالة: «نُفّذ الهجوم بأسلوب مشابه لمحاولة اغتيال حسن نصر الله، إذ أطلق المهاجمون ست قذائف أو صواريخ على مداخل ومخارج المبنى بهدف إغلاق منافذ الهروب وقطع التهوية.

 وبعد الانفجارات، انقطع التيار الكهربائي عن الطابق، لكن المسؤولين تمكنوا عبر منفذ طوارئ تمّ الإعداد له مسبقا من الخروج، وتعرض بعض المسؤولين، بمن فيهم الرئيس الإيراني، لإصابات طفيفة في القدم أثناء الخروج».

وتابعت أن مهدي طباطبائي، نائب مدير مكتب الرئيس الإيراني لشؤون الاتصالات، قال في مقابلة مع قناة الميادين إن «الاحتلال الإسرائيلي الغاصب سعى إلى اغتيال عدد من المسؤولين السياسيين الإيرانيين، وعلى رأسهم الرئيس مسعود بزشكيان، وذلك أثناء لقاءاته خلال الحرب مع القادة العسكريين».

وأردفت أن محمد جلزاري، أمين المجلس الإعلامي الحكومي، صرّح في مقابلة تلفزيونية بأن تاريخ الهجوم الإسرائيلي على اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي يعود إلى يوم15 يونيو/حزيران 2025.

 وقال: «الرئيس أُصيب بإصابة طفيفة، انظروا، خلال تلك الأيام الـ12، عُقدت ثلاث جلسات لمجلس الوزراء، يوم التصويت على منح الثقة لوزير الاقتصاد كان في اليوم التالي لهذا الحادث، إنه أمر غريب فعلا، حادث بهذا الحجم يقع، ومع ذلك يُعقد اجتماع بهذه الأهمية في النظام بأسره».

وأشارت إلى أن محسني إجئی، رئيس السلطة القضائية، تحدّث في مقابلة مع مراسل هيئة الإذاعة والتلفزيون عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي بتاريخ 16 يونيو/حزيران 2025 وقال: «عندما وقع القصف، انقطع التيار الكهربائي عن مكان الاجتماع وسادت العتمة، وغطّت أصوات سقوط القنابل المتوالية المكان، ومع ذلك، لم يعتَرِ الحضور في الاجتماع أدنى شعور بالخوف أو الهلع أو القلق، بل ساد الصفاء والطمأنينة».

وتابعت أن الرئيس مسعود بزشكيان، في مقابلة مع قناة الجزيرة، ردّا على سؤال حول محاولة الاغتيال التي استهدفته، قال: «أرادوا، بعد استهداف القادة العسكريين والعلماء، أن يوجّهوا الضربة إلى الساسة، ظنّا منهم أنهم سيدفعون البلاد إلى الفوضى، لكن الله لم يشأ ذلك».

المشهد الثالث

وبينت الوكالة في المشهد الثالث أن مصطلح “الاختراق” لم يعد غريبا عن الأدبيات السياسية في إيران، بل أصبح منذ سنوات جزءا من الخطاب السائد، وقد تكرّر ترديده بشكل لافت منذ الأيام الأولى للحرب، فيما جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس مسعود بزشكيان وعدد من كبار المسؤولين لتؤكّد وجود هذا الاختراق.

 وأضافت أن أصابع الاتهام وُجّهت تارة إلى بعض الصحفيين بتهمة التجسس، وتارة أخرى إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي وُصفت بأنها أدوات لجمع المعلومات الاستخباراتية، وسط غياب رواية دقيقة وواضحة في الإعلام الرسمي، وهو ما ترك الساحة عرضة للتصريحات المتضاربة والاتهامات الغريبة التي زادت من حدة التوتر والارتباك في المشهد العام.

وبيّنت أن من بين هذه الادعاءات المثيرة، التصريحات التي أدلى بها مصطفى كواكبيان، النائب السابق عن طهران في البرلمان العاشر، بشأن كاثرين شكدم، والتي رُفضت لاحقا ونُفيت صحتها، دون أن تُقدَّم بالمقابل قراءة دقيقة لتلك الوقائع. 

وفي السياق ذاته، تحدث اللواء غلامرضا جلالي، رئيس منظمة الدفاع المدني، عن دور تطبيق “واتساب” في تحديد المواقع وعمليات الاغتيال، بينما أكدت عائلات القادة الشهداء أن هؤلاء لم يستخدموا الهواتف المحمولة.

وأضافت أن مهدية شادماني، نشرت عبر حسابها على “إنستغرام” منشورا قالت فيه: «كان موقع إقامة والدي يتغيّر كل عدة ساعات، ولم يكن يحمل أي أجهزة ذكية،جرى الالتزام بالبروتوكولات الأمنية، ومع ذلك، تعرّض لعدة محاولات اغتيال دقيقة من قِبل إسرائيل خلال فترة قيادته لغرفة عمليات الحرب، وبعد إخفاقات متكررة، تمكّن العدو في النهاية من اغتياله.

وتابعت أن آليات التتبع الإسرائيلية تتجاوز تطبيق واتساب والتجسس التقليدي أو الفردي، ليت الجهات المسؤولة تبادر إلى دراسة متقدّمة ودقيقة لوسائل التتبع بدلا من الاقتصار على لوم البرامج الأجنبية».

وأضافت الوكالة أن عددا من المسؤولين الإيرانيين أقرّوا بحصول اختراق أمني في البلاد، كما قال محسن رضائي: «النظام الأمني تعرّض للتلوّث الأمني»، إلا أن غياب المعالجة الصريحة لهذا الموضوع شكّل إحدى الثغرات التي دفعت الرأي العام للجوء إلى وسائل الإعلام الأجنبية بحثا عن إجابات، ما قد يُفقد الإعلام المحلي دوره المرجعي.

وتابعت أن تلك الأيام العصيبة كانت شاهدة على أن الناس ومنصات التواصل الاجتماعي كانوا هم الرواية الحقيقية للحرب، فقد نقلوا للعالم، عبر الصور والقصص الواقعية، جوانب من الحقيقة.

 غير أن القيود المفاجئة على الإنترنت أوقفت هذا المسار، وانتقلت مهمة السرد إلى وسائل إعلام محدودة، هذا الانتقال، مع التناقضات الكثيرة في تصريحات المسؤولين، ولّد حالة من الغموض والارتباك في أذهان العامة، وعرّض المرجعية الإعلامية لاهتزاز كبير، وهذه التجربة أثبتت من جديد ضرورة الشفافية والحوار الصادق بين المسؤولين ووسائل الإعلام والجمهور، حتى تصل الرواية الحقيقية من الداخل، بشكل دقيق، إلى الناس.