- زاد إيران - المحرر
- 339 Views
في لحظة فارقة من تاريخها الاقتصادي والسياسي، وجدت إيران نفسها أمام معادلة صعبة: إما البقاء في عزلة خانقة داخل القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، أو الانضمام إلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) بما تحمله من التزامات وضغوط على استقلالها المالي. وبين شدّ وجذب، حسمت طهران قرارها بالانضمام المشروط، خطوة يراها البعض مخرجا طال انتظاره من الحصار المالي، فيما يعتبرها آخرون تنازلا خطيرا يضع مفاتيح الاقتصاد الإيراني في أيدي المؤسسات الدولية.
ووفقا لذلك، نشرت صحيفة شرق الإصلاحية الخميس 2 أكتوبر /تشرين الأول 2025 تقريرا أفادت فيه بأنه في الجلسة الأخيرة لمجمع تشخيص مصلحة النظام، تم أخيرا حسم أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل خلال العقد الأخير؛ وهو مشروع انضمام إيران إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT).
وأضافت أن المتحدث باسم المجمع محسن دهنوي، أعلن في رسالة رسمية أن أعضاء المجمع وافقوا على انضمام إيران إلى CFT بشكل مشروط، بعد أربع جلسات علنية ومراجعات مكثفة في اللجنة المشتركة، ويُعتبر هذا القرار، الذي تم اتخاذه في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية وعودة آلية الزناد، وبداية فصل جديد في السياسة المالية والعلاقات الدولية لإيران، رغم أن اتخاذه جاء متأخرا جدا، وكان بالإمكان تنفيذه قبل عام على الأقل، ليخرج إيران خلال هذه الفترة من القائمة السوداء ويوفر ظروفا أفضل لتنفيذه.
لماذا تعتبر CFT مهمة؟
ذكرت الصحيفة أنه تم اعتماد اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب من قبل الأمم المتحدة عام 1999، وزادت أهميتها بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وكانت مهمتها الأساسية منع الشبكات المالية المرتبطة بالأنشطة الإرهابية، ومع الوقت شملت مجالات مثل مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل والأنشطة المالية المشبوهة.
وتابعت أن مجموعة العمل المالي FATF تعمل كمؤسسة إشرافية بوضع 40 توصية و9 بنود لتوحيد المعايير المصرفية عالميا، والتي أصبحت أساس عمل معظم الأنظمة المصرفية حول العالم، وفي إيران تعتبر القضية استراتيجية مرتبطة بالعلاقات الخارجية والوصول إلى النظام المالي الدولي ورفع العقوبات.
ووفقا لـما نشره موقع آنا جورنال في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فالاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT) تهدف إلى منع تحويل أي موارد مالية إلى الجماعات الإرهابية، وتُعد من بين أربع لوائح أساسية مرتبطة بمجموعة العمل المالي (FATF) وقد تحولت في السنوات الأخيرة إلى قضية مثيرة للجدل في السياسة والاقتصاد الإيراني.
انضمام إيران المشروط إلى cft
ونشر موقع دنياي اقتصاد الخميس 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تقريرا أكَّد فيه أن مجمع تشخيص مصلحة النظام الإيرانى وافق على انضمام إيران مشروطا إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب (CFT)، بحيث تُطبق الاتفاقية ضمن إطار الدستور والقوانين الداخلية، ويُعتمد القانون الداخلي في حالة أي تعارض.
وأردف أنه سبق لإيران الانضمام إلى اتفاقية باليرمو وهي (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية)، ومع إقرار CFT يُصبح الطريق مهيأ لخروج محتمل من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي FATF، ما قد يعزز العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الخارجيين ويخفف تأثير العقوبات.
وأوضح أن إيران متوافقة فنيا مع المعايير العالمية، إذ إن معظم بنود CFT سبق تجريمها في قانون مكافحة تمويل الإرهاب الصادر عام 1394، مما يجعل الانضمام خطوة قانونية وسياسية لتخفيف الضغوط الاقتصادية.
وبيَّن أن تبادل المعلومات في إطار CFT يتم فقط بطلب رسمي ووفق القوانين الداخلية، والاتفاقية لا تحتوي على نظام تفتيش مباشر، ما يقلل المخاوف بشأن كشف المعلومات، ومع إقرار الاتفاقيتين باليرمو وCFT، سترسل إيران مشروع الانضمام الرسمي إلى الأمم المتحدة، وتعمل على الانتقال من القائمة السوداء إلى القائمة الرمادية لـ FATF، ما سيخفض تكاليف المعاملات المالية الدولية، ويسهل الوصول إلى النظام المالي العالمي والاستثمارات الأجنبية.
وأبرزت أن إيران كانت قد انضمت مسبقا إلى 7 من أصل 9 اتفاقيات رئيسية مرتبطة بـ CFT، وطبقت الاتفاقيتين المتبقيتين ضمن قوانينها الداخلية منذ حوالي 10 سنوات، مما يعكس التوافق الكامل مع المعايير الدولية، ويقلل المخاطر المالية، ويعزز التعاون الدولي، فالقرار المشروط يشمل التزام الحكومة بتنفيذ القوانين دون تعارض مع المصالح الوطنية، والخطوة التالية هي العمل على الخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي FATF.
وأوردت وكالة أنباء نادي الصحفيين الشباب الخميس 30 سبتمبر/أيلول 2025 تقريرا ذكر فيه أن دهنوي صرّح بأن إيران وافقت على الانضمام إلى اتفاقية CFT بشرطين: الأول، أن يتم تنفيذ الاتفاقية في إطار الدستور والقوانين الداخلية لإيران؛ والثاني، في حالة وجود تعارض بين بنود الاتفاقية والقوانين الداخلية، تُعتمد القوانين الداخلية.
كما أشار إلى أن إيران قد انضمت سابقا إلى 7 من أصل 9 اتفاقيات رئيسية مرتبطة بـ CFT، وأن القوانين الداخلية تتماشى مع معظم بنود الاتفاقية، وأضاف أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي إيران للخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي (FATF)، مما قد يسهم في تحسين العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الدوليين.
مسار إيران نحو الخروج من القائمة السوداء لـ FATF
نشر موقع اقتصاد نيوز في 1 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تقريرا أوضح فيه أنه بعد موافقة مجمع تشخيص مصلحة النظام بشكل مشروط على اتفاقيتي باليرمو وCFT، ستقوم الحكومة الإيرانية بإرسال مشروع الانضمام الرسمي إلى الأمم المتحدة.
وأبلغ أن مركز المعلومات المالية ومكافحة غسل الأموال في إيران بدأ مفاوضات مباشرة مع مجموعة العمل المالي (FATF) من أجل تقييم فني لأداء إيران في تنفيذ المعايير المطلوبة، وقد تعهدت FATF بأنه في حال تنفيذ إيران لهذه المعايير بشكل كامل، سيتم نقلها من القائمة السوداء إلى القائمة الرمادية، وهو ما سيؤدي إلى تعليق الإجراءات العقابية، مثل القيود المصرفية الدولية المفروضة عليها.
وأفاد بأن العملية القانونية تشمل رقابة مستمرة على تطبيق 39 توصية من FATF، ومن بينها الشفافية في المعاملات المالية، والتحقق من هوية العملاء، ومنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ورأى أنه يتعين على إيران تقديم تقارير دورية عن تقدمها إلى FATF، وإذا نُفذت هذه المعايير بنجاح، فإن خروج إيران من القائمة السوداء قد يتحقق خلال 6 إلى 12 شهرا، الأمر الذي يعزز الشفافية المالية ويحسن علاقاتها المصرفية الدولية، غير أن تحقيق هذه النتيجة يتطلب تنسيقا داخليا بين المؤسسات الحكومية ورقابة صارمة على تنفيذ القوانين.
الآثار الاقتصادية والمصرفية
أظهر الموقع أنه رغم التصويت المشروط، يبقى السؤال الأساسي: ما تأثير انضمام إيران إلى CFT على اقتصادها؟ يرى الخبراء أن تطبيق معايير FATF يمكن أن يسهل وصول إيران إلى النظام المصرفي العالمي ويعيد إحياء علاقات المراسلة المصرفية، وهو أمر حيوي للصادرات النفطية وغير النفطية، ولجذب الاستثمارات الأجنبية، وحتى لتمويل المشاريع الداخلية.
وبيَّن أن التطبيق الكامل لـ CFT يستلزم شفافية مالية أكبر، وإنشاء هيئات رقابية أقوى، والتصدي البنيوي لغسل الأموال داخل إيران، وهذا الالتزام قد يؤدي إلى إصلاحات مؤسسية في النظام المالي والمصرفي، إصلاحات من شأنها أن تعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين محليا ودوليا على المدى البعيد.
ونبَّه إلى أن المنتقدين يحذرون من أن تقديم المعلومات المالية والمعاملات الحساسة إلى مؤسسات دولية قد يفتح الباب أمام استغلال سياسي من قبل القوى الغربية، ومن منظورهم، فإن انضمام إيران إلى CFT قد يعرّض جزءا من استقلالها الاقتصادي للخطر، خصوصا في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والضغوط العقابية.
الأبعاد السياسية
ونشر موقع ايكو إيران الخميس 30 سبتمبر/أيلول 2025 تقريرا ذكر فيه أن القرار يمثل إشارة إيجابية للمجتمع الدولي وخاصة أوروبا، حيث تسعى إيران لإظهار استعدادها للتعاون دون التفريط بمصالحها، ولكن الخلافات الداخلية حول FATF وCFT ما زالت قائمة، وقد يكون تنفيذ شروط المجمع بداية جدل جديد.
وأضاف أن غلام علي جعفرزاده يعتقد أن FATF لغة النظام المالي العالمي، وعدم الانضمام إليه يعني عمليا العقوبات الذاتية، إذ حتى بنوك روسيا والصين لا تتعاون ماليا بالكامل مع إيران، ومن ثم يعتبره ضرورة وطنية لعودة إيران للاقتصاد العالمي، وفي هذا السياق، تُعد الموافقة المشروطة على CFT تجسيدا لسياسة لا استسلام ولا عزلة، لكنها ستنجح فقط إذا رافقها تنسيق داخلي وشفافية وإدارة ذكية، وإلا ستبقى شكلية.
الخلاف السياسي الداخلي
ونشرت وكالة أنباء ايمنا الأربعاء 1 أكتوبر/تشرين الأول 2025 تقريرا أكَّدت فيه أن المصادقة المشروطة على اتفاقية CFT واجهت ردود فعل متباينة، فبعض المحللين يرون أن هذا القرار يمكن أن يسهم في تحسين الوضع الاقتصادي لإيران وتخفيف الضغوط الدولية. في المقابل، يحذر المنتقدون من أن الانضمام إلى CFT من دون ضمانات كافية قد يؤدي إلى تسهيل وصول الأعداء إلى المعلومات المالية للبلاد وزيادة الضغوط الخارجية.
وأفادت صحيفة شرق الإصلاحية بأن الجدل الداخلي حول FATF وCFT ما زال قائما بين من يراه تهديدا للاستقلال ومن يعتبره خطوة لكسر الحصار المالي، والتصديق المشروط من مجمع تشخيص يمثل بداية فصل جديد لا نهايته، إذ يفتح إمكانية عودة إيران إلى النظام المصرفي العالمي، لكنه يواجه تحديات تتعلق بالأمن المالي والانقسام السياسي.
وفي الختام، أقرَّت الصحيفة أن القرار يعكس ازدواجية السياسة الإيرانية بين الحفاظ على الاستقلال والسعي للانخراط الدولي، وهو قد يشكّل مخرجا من الأزمات المالية إذا نُفّذ بذكاء، وإلا فقد يبقى مجرد قرار على الورق، وفي النهاية، الرسالة الأساسية هي محاولة تحويل شعار لا استسلام ولا عزلة إلى استراتيجية عملية.
.

