شهادات السياح الأجانب عن إيران – الجزء الأول رحلة إلى إيران.. من قمم الجبال المكسوّة بالثلوج إلى رمال الصحراء الحارّة 

Image

كتب: هادي محبي

شيراز: الحافظية، وبرسبوليس، والمدوِّنة الأمريكية

يفوح عبق زهر النارنج في باغ إرم بمدينة شيراز مع نسيم المساء، وبين أشجار السرو الباسقة وعمارة الحديقة العريقة، يتجوّل وفد من السياح الأجانب، يسألون مرشدهم عن تاريخ هذا البستان. في هذه الأثناء، كانت إميلي جيمز، مدوِّنة سفر أمريكية في الخامسة والثلاثين من عمرها من نيويورك، منشغلة بالتقاط صور لانعكاس أشعة الشمس على مياه الحوض الطويل وسط الحديقة.

إميلي، التي تمضي نحو أسبوعين في إيران ضمن جولة سياحية صغيرة، تنقل تجاربها مباشرة إلى عشرات الآلاف من متابعيها عبر إنستغرام ومدونتها. تقول مبتسمة:
“شيراز كانت مدينة أحلامي؛ فمنذ مراهقتي، حين قرأت عن الشعراء الإيرانيين، تمنّيت أن أزور الحافظيّة. لا أصدق أنني الآن هنا، أستمع إلى أشعار حافظ على ألسنة الناس المحليين”.

وقد زارت قبل ساعات ضريح حافظ الشيرازي، حيث أدهشها عمق المحبة والاحترام اللذين يكنّهما الإيرانيون لشاعرهم:
“أجواء الحافظيّة كانت مهيبة ومؤثرة؛ ففي صمت الغروب، كان الزائرون يتمتمون بالأبيات، وبعضهم تغرورق عيناه بالدموع. تقدّمت مني فتاة شابة وترجمت لي أبيات حافظ إلى الإنجليزية. في تلك اللحظة شعرت أنني ألمس شيئا من روح الإيرانيين”.

Image

زارت إميلي مع مجموعتها السياحية الصرح الشامخ لتخت جمشيد (برسبوليس)، حيث تجوّلوا في ظلال أعمدة القصور الأخمينية المهيبة، واستشعروا عن قرب عظمة الحضارة الفارسية القديمة. تقول إميلي:
“بوصفي أمريكية، كان كثيرون يظنون أن تاريخ إيران لن يثير اهتمامي أو يترك أثرا في نفسي، لكن تخت جمشيد من أروع الأماكن التي رأيتها في حياتي. أن تدرك أن مثل هذه الحضارة كانت قائمة قبل 2500 عام يذكّرك بأن العالم كان واسعا ومعقدا قبلنا بوقت طويل”.

وتوضح أنها التقطت صورا ومقاطع فيديو كثيرة للموقع الأثري ونشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد أثارت تفاعلا لافتا بين متابعيها:
“الكثير من جمهوري في الولايات المتحدة اندهش حين علم بوجود هذا الأثر التاريخي العريق في إيران. وانهالت عليّ أسئلتهم: هل المكان آمن فعلا؟ كيف يتعامل الناس هناك؟ وأنا سعيدة لأنني أستطيع أن أقدّم لهم إجابات مباشرة من تجربتي”.

Image

الحوار مع هذه المدوِّنة الأمريكية يكشف أن رحلتها إلى إيران تحمل بُعدا شخصيا أيضا:
“بصراحة، تغطية الإعلام في بلدي عن إيران سلبية في معظمها، وكثيرون هناك يساوون بين إيران والخطر. جئتُ إلى هنا لأتحدى هذه الصورة النمطية وأُظهر للناس الواقع كما هو”.

وتعترف إميلي بأنها ترددت قبل القدوم، خاصة وأن الحكومة الأمريكية ما تزال توصي مواطنيها رسميا بعدم السفر إلى إيران. وتضيف:
“أنا مؤمنة بأن السفر ورؤية الحقائق بالعين المجرّدة هو أفضل وسيلة لكسر جدار التشويه والسوداوية التي تُبنى حول إيران”.

أما عن إجراءات السفر، فقد اضطرت للحصول على التأشيرة من خلال وكالة سياحية، إذ تشترط القوانين الإيرانية على مواطني الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا أن يكونوا برفقة دليل مرخَّص طوال فترة وجودهم في البلاد، ولا يُسمح لهم بالسفر بشكل مستقل.

تقول إميلي:
“في البداية ظننت أن هذا الشرط سيقيّدني كثيرا، لكن في الواقع لم يكن الأمر مزعجا. مرشدتنا كانت سيدة إيرانية تعشق التاريخ والثقافة، وقد زوّدتنا بمعلومات غزيرة. في بعض المدن مثل أصفهان، كنا نتجول بحرية وهي تتابعنا عن بُعد، بينما في طهران رافقتنا عن قرب لتساعدنا على الاستفادة القصوى من الرحلة. في النهاية، لم أندم على خياري بالسفر مع مجموعة، فقد وفّر ذلك راحة بال لعائلتي، وكسبت صديقة طيبة”.

وتشير إلى أنها لم تتعرض أبدا لأي استجواب من الشرطة أو السلطات، وأن أحدا لم يكتشف كونها أمريكية ما لم تُفصح هي بنفسها عن ذلك:
“وحين كانوا يعرفون، كان الناس يستقبلونني بحرارة. بعضهم قال إنه يتمنى زيارة نيويورك يوما ما. بدا الأمر بالنسبة لهم مثيرا أن يروا أمريكية جاءت فعلا إلى إيران”.

تسلّط هذه المدوِّنة الأمريكية الضوء أيضا على جانب آخر من رحلتها: الاتصال بالإنترنت أثناء السفر. تقول إن خدمة الإنترنت في إيران كانت أفضل مما توقعت، وتمكّنت في معظم الأماكن، ولا سيما في الفنادق والمقاهي، من رفع صورها وقصصها على شبكات التواصل. لكنها واجهت بعض القيود:
“بعض المواقع ووسائل التواصل كانت محجوبة. كنت قد ثبّتُّ تطبيق كاسر حجب على هاتفي مسبقا وساعدني كثيرا، وأحيانا استعنت بأصدقائي في الفندق. عموما لم تكن هناك صعوبة كبيرة”.

وتضيف ضاحكة:
“أكبر مشكلة واجهتني في إيران أنني لم أجد قهوة ستاربكس، لكن في المقابل اكتشفت القهوة التقليدية، والأهم الشاي الإيراني الذي له طعم الحياة”.

كما تتحدث إميلي بشغف عن التسوق من الحرف اليدوية، التي اعتبرتها من أجمل محطات رحلتها. فقد بدا لها بازار وكيل في شيراز أشبه بكنز زاخر: من السجاد والكليم الملوّن إلى أعمال الخشب المطعّم (الخاتم) والمينا. تقول:
“لم أكن أعرف ماذا أختار، ووددت لو أملأ حقائبي كلها! في النهاية ابتعتُ بعض أغطية المائدة من قماش الترمة، وصندوق خاتم صغير ليظل يذكّرني دائما بإيران”.

Image

بعد يومين ستغادر إميلي إيران عائدة إلى الولايات المتحدة، لكنها تؤكد أن مهمتها الحقيقية لم تبدأ بعد. فهي تعتزم، إلى جانب منشوراتها اليومية، إعداد فيلم وثائقي قصير لقناتها على يوتيوب لتروي فيه تجربتها المباشرة:
“آمل أن أتمكن من تشجيع حتى عدد قليل من أبناء بلدي على زيارة إيران بأنفسهم. سأقول لهم عند عودتي إن إيران ليست مجرد عناوين سياسية في نشرات الأخبار؛ إنها بلد أناس يحفظون أشعار حافظ عن ظهر قلب، وشباب يستمعون للموسيقى في المقاهي، وعائلات تستقبل ضيوفها بالمحبة على موائدها. هذه المشاهدات عشتها هنا، ولن أنساها أبدا”.

مغامرة في قلب الطبيعة: زوج من أمريكا الجنوبية بين الجبال والصحراء

بعد التجوال في المدن التاريخية، يختار بعض السياح طرقا أقل شهرة، لكنّها تكشف عن وجه باهر من جمال الطبيعة الإيرانية وتجربة استثنائية من المغامرة. أليخاندرو لوبيز 30 عاما وماريا 29 عاما وهما زوجان مغامران من الأرجنتين، من هؤلاء الذين قصدوا إيران خصوصا لجمال طبيعتها البكر وتنوعها المدهش. فقد أمضيا شهرا كاملا في جولة بالشرق الأوسط، وخصّصا الأسبوعين الأخيرين من رحلتهما لإيران.

أليخاندرو، وهو متسلّق جبال محترف، يستعيد اللحظة التي لم تفارقه منذ وصوله:
“حين كنا على متن الطائرة متجهين إلى طهران، رأيت من النافذة قمة دماوند تشقّ الغيوم. التفتُّ إلى ماريا وقلت: يجب أن نصعد هذا الجبل”.
وقد فعلوا. فبعد أيام قليلة في طهران، انطلقا مع فريق صغير نحو قمة دماوند، أعلى بركان في آسيا بارتفاع 5610 أمتار. تحمّلا مشاق الطريق وقسوة الطقس الرقيق البارد عند القمة، ورفعا هناك علم بلدهما إلى جانب العلم الإيراني. تقول ماريا مبتسمة:
“لم أكن أتصور يوما أنني سأرى دماوند عن قرب، فضلا عن أن أصعده. كان هذا أعظم إنجاز جبلي في حياتي”.
ويضيف أليخاندرو:
“لقد رأيتُ جبال الأنديز في بلادي، لكن المنظر الذي أبصرناه من فوق دماوند لا مثيل له. إنه ذكرى لن تُمحى من حياتنا”.

Image

وبعد أن تذوّقا مجد القمم المكللة بالثلوج في شمال إيران، حان موعد اكتشاف الوجه الآخر لهذا البلد: الصحراء اللاهبة الغامضة. فاتّجها إلى الجنوب الشرقي، حيث تنبسط صحراء لوت كأنها كوكب آخر. انضما إلى جولة سفاري صحراوية في محافظة كرمان لمشاهدة «الكلوت» الشهيرة في شهداد، تلك التكوينات الرملية والصخرية الضخمة التي شكّلها الرياح والماء في قلب أكثر بقاع الأرض حرارة.

عند منتصف الليل، جلس الزوجان الأرجنتينيان مع دليلهما المحلي على حافة كثيب رملي، يحدّقان في السماء. لم يبدّد سكون الصحراء سوى صفير الريح بين الحين والآخر. فوقهما، انكشفت مجرّة درب التبانة بكل وضوح وبريق نادر. ماريا، وقد أسرها وميض الشهب المتساقطة، تقول:
“الصحراء الإيرانية كانت بالنسبة لي تجربة روحية. نهارها بصمتها ولهيب شمسها، وليلها بعظمة سمائها… كل ذلك يجعل الإنسان يتأمل في وجوده”.

ويؤكد أليخاندرو أن المبيت في صحراء لوت كان من أروع ليالي حياتهما:
“جلسنا حول النار نحتسي الشاي على الجمر، فيما راح دليلنا يحكي لنا أساطير الصحراء: عن جنّ الرمال، وعن القوافل التي كانت تعبر هذه الدروب في طريق الحرير. كان الأمر أشبه برحلة عبر الزمن إلى الماضي السحيق”.

لم يكتفِ هذا الزوج المغامر بصعود دماوند واستكشاف لوت؛ فقد قصد أيضا غابات الشمال الكثيفة حول ماسوله وجيلان، حيث أدهشهما أن صورة «إيران الحارة دوما» التي كانا يتخيلانها، تضم في الواقع مطرا وثلجا وغابات وارفة. تقول ماريا:
“يوما كنا في جبال مغطاة بالثلج، وبعد يومين وسط غابة مطيرة، ثم بعد يوم آخر في قلب صحراء قاحلة. كأننا زرنا ثلاثة بلدان مختلفة في غضون أسبوعين”.

Image

كما قاما برحلة قصيرة إلى ضفاف الخليج العربي؛ ففي جزيرة قشم استقلا قاربا لمشاهدة الدلافين، وزارا كهوف وادي النجوم. ويعلّق أليخاندرو ضاحكا:
“إيران لعشاق الطبيعة أشبه بملعب ضخم، في كل زاوية منها مغامرة جديدة”.

ويتذكران أيضا لقاءاتهما مع الأهالي في أماكن بعيدة عن المسارات السياحية المعتادة. تروي ماريا أن امرأة ريفية في سفوح جبال البرز دعتهم إلى منزلها حين توقفوا للاستراحة، وقدّمت لهم خبزا محليا وزباديا طازجا.
“رغم أننا لم نتشارك لغة واحدة، فإن طيبتها لم تحتج إلى ترجمة. أدركنا أن الضيافة في الثقافة الإيرانية قيمة أصيلة، لا يهم من أين جئت”.

أما أليخاندرو، فقد ضحك وهو يتذكر محاولة دليلهم السياحي التحدث بالإسبانية مع شيخ قروي في فيروزكوه:
“يبدو أن المكان لا يهم، يكفي أن تفهم الإنسانية والمودة. في إيران، الناس يتحدثون بقلوبهم”.

ويرى الزوج الأرجنتيني أن لإيران إمكانات هائلة في مجال السياحة المغامراتية: من تسلق الجبال والتزلج على الثلوج إلى القيادة الصحراوية والغوص في مياه الخليج. يقول أليخاندرو:
“سمعنا أيضا أن جبال زاغروس مثالية لركوب الدراجات الجبلية، وأن هناك أنهارا عاتية رائعة لرياضة الرافتينغ. للأسف لم يسعفنا الوقت لتجربة كل ذلك”.

وتضيف ماريا:
“ربما يظن البعض أن التحديات السياسية أو ضعف البنية التحتية تحول دون هذه الأنشطة في إيران. لكننا رأينا بأعيننا وجود جولات منظمة ومرشدين محترفين، والتجهيزات كانت متوفرة. المشكلة أن إيران لم تُعرّف العالم بعد جيدا بنفسها في هذا المجال”.

وتؤكد تجربتهما الناجحة أن ما عاشاه من مغامرات في إيران سيعودان به إلى بلدهما كقصص ملهمة قد تدفع سياحا آخرين إلى خوض التجربة ذاتها.