إيران والسياسات النسائية.. تقييم سنة كاملة من العمل الحكومي في شؤون المرأة والأسرة

نشرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الخميس 4 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه مضى عام كامل على بدء عمل حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وتولّي الفريق الجديد في هيئة شؤون المرأة والأسرة؛ وهي هيئة يُفترض بطبيعتها أن تكون المحفّز الرئيسي للسياسات في واحد من أكثر الميادين الاجتماعية حساسية في إيران، فالأسرة وحياة المرأة الإيرانية تقعان تحت ضغط اقتصادي وثقافي وأمني متزايد.

وأضافت الصحيفة أنه خلال هذه الفترة، لم تَخْلُ الساحة من محاضر الجلسات، والاجتماعات المشتركة بين الأجهزة، والمتابعة البرلمانية، لكن السؤال الجوهري ما زال قائما، وهو هل استطاعت هذه الهيئة أن تتجاوز مرحلة الحوار والمشاورات لتصل إلى مرحلة التأثير القابل للقياس؟

وتابعت أن حصيلة العام الأول لهيئة شؤون المرأة والأسرة في حكومة بزشكيان ليست متناقضة، بل ناقصة، إذ توجد قطع من الصورة مثل التفاعلات بين الأجهزة المختلفة، والمواقف السريعة في ساحة التشريع، والإرادة لفتح بعض العقد القديمة، ولكن الصورة العامة ستظل غامضة ما لم تُستأنف المشاريع الميدانية، وما لم تُنشَر التقارير الدورية ذات البيانات المفتوحة، وما لم يُصَغ خطاب مرجعي بلغة مبسطة للرأي العام. 

وأردفت أن الأسرة الإيرانية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج إلى سياسات ملموسة وقابلة للقياس.

الهيئة لم تحدد بعد خطابا مرجعيا واضحا لأهدافها واستراتيجيتها

أوضحت الصحيفة أن أول علامة على نضج المؤسسة في مجال صنع السياسات العامة، هي تحديد المشكلة المركزية ووضع البرامج حولها، وخلال عام 2024، ما برز أكثر من قسم شؤون المرأة هو التركيز على بناء التفاعل مع الجهات المختلفة؛ مثل الاجتماعات مع الوزارات والهيئات الحكومية، والزيارات الميدانية المصاحبة لرحلات الرئاسة، ومحاولة مواءمة القطاعات الحكومية مع اهتمامات قضايا المرأة. 

وأفادت بأن “هذه المسارات في السنة الأولى ليست بمشكلة بحد ذاتها، بل هي ضرورة في هندسة السياسات متعددة القطاعات؛ فإذا أردنا أن تُطبَّق خطط قطاع الأسرة والمرأة على أرض الواقع، فلن نصل إلى نتيجة بدون تحالفات بين الجهات المختلفة”.

وأكَّدت أن “المشكلة تبدأ عندما يتحول التفاعل إلى هدف بحد ذاته بدل من أن يكون وسيلة لتحقيق الأثر، وعندما يكتفي القسم بإدارة العلاقات بدل رفع راية خطاب واضح مثل تمكين الأسرة في ظل المخاطر، وغياب الفكرة المركزية جعل العديد من الإجراءات تبدو متفرقة، وحتى عند جمعها معا، لا تُشكّل سردا موحدا”. 

وأبرزت أنه “عندما يكابد المجتمع الإيراني ضغوط التضخم وانعدام اليقين المعيشي وتآكل رأس المال الاجتماعي، يجب على القسم المعني أن يعلن بصراحة ما هي مشكلته الأساسية وأن يحدد مؤشرات قابلة للقياس، إلا أن تقرير السنة الأولى 2024–2025 لم يظهر أثرا واضحا لهذه المؤشرات، ما يجعل التقييم صعبا ويثير الانتقادات”.

الملفات غير المكتملة موروثة
بيَّنت الصحيفة أن جزءا كبيرا من القدرات التنفيذية لقسم شؤون المرأة في حكومة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي تركز على عدة مشاريع سياسية مثل الأسرة والثقافة العامة، والحياة العفيفة، وخريطة النساء المؤثرات، وبرامج تعليم الوالدين وتدريب المدربين، وكانت الفكرة المركزية لهذه المشاريع ربط السياسة الثقافية بالدعم الميداني للأسرة.

وذكرت أنه في إطار الأسرة والثقافة العامة، كان من المقرر تنفيذ تدخلات واسعة ومنخفضة التكلفة على مستوى الأحياء والمحافظات، لتوجيه الانتباه إلى العادات الثقافية الضارة؛ بدءا من الاستهلاكية ونمط الحياة المكلف وصولا إلى تآكل الحوار داخل الأسرة.

وأبلغت أن المناهج التعليمية، بدلا من المحاضرات العامة، كانت مصممة بمحتوى عملي؛ مثل إعداد ميزانية الأسرة، والثقافة الإعلامية للوالدين، والصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وتنظيم الوقت الرقمي في المنزل، ومهارات حل النزاعات، ولتنفيذ هذا المشروع، أُنشئت منصة لتعليم الوالدين، وأُقيمت دورات مركزة لتدريب المدربين؛ حيث كان المدربون يتلقون التدريب بشكل دوري من مدن مختلفة، ثم يعودون إلى محافظاتهم لتكرار هذه الدورات.

وأضافت أن العديد من هذه المبادرات تباطأت أو توقفت عمليا خلال عام 2024، وتشير الروايات من المحافظات إلى أن دورة تدريب المدرب – العودة إلى المحافظة – تكرار الدورات قد انقطعت، وأصبحت منصة تعليم الوالدين من نشطة إلى حالة شبه متوقفة أو معطلة.

النساء المؤثرات والدبلوماسية المفقودة

أوردت الصحيفة أنه في الفترات السابقة، كانت هيئة شؤون المرأة تسعى لربط خريطة النساء المؤثرات بحدث معروف وشبكة دولية، وعُقد مؤتمر السيدات المؤثرات مرتين، دوليا ثم محليا، وبغض النظر عن الانتقادات أو الموافقات، كان له هدف واضح وهو التعرف على النساء، إبرازهن، وبناء شبكة بين الناشطات في مجالات العلم، والحكم، والثقافة، والاقتصاد والرياضة. 

وتابعت أن استمرار الحدث، خاصة إذا ارتبط بنظام بيانات لتحديد ودعم النخبة النسائية، يمكن أن يتحول إلى مرجعية محلية وإقليمية، ولكن في عام 2024 لم تظهر أي علامات على تعزيز هذه العلامة أو توسيع تغطيتها، وحلَّ الاستمرار الضعيف محل التعميق والتثبيت.

وأفادت بأنه على الصعيد الإقليمي، لعبت إيران خلال 2024–2025 دورا فاعلا ومنسقا في مجموعة عمل تمكين المرأة اقتصاديا ضمن تحالف المحيط الهندي (IORA)، وهي قدرة كان من الممكن أن تُترجم، بالتوازي مع شبكة النساء المؤثرات، إلى دبلوماسية اجتماعية نسائية وفرص تعاون اقتصادي، غير أن تقليص التواصل المستمر وغياب السرد العام حول هذه المناصب ترك عمليا رأسمالا اجتماعيا معلقا.

المجال القانوني والتشريعي؛ بين التدخل الفعّال والرسائل المتناقضة

نوَّهت الصحيفة أن أحد الجوانب الإيجابية التي يمكن الإشارة إليها في تقرير العام الأول، هو سرعة ردود هيئة شؤون المرأة على الحراك التشريعي في مجال النساء، ومثال بارز على ذلك هو ملف مشروع قانون منع العنف ضد النساء، الذي ابتعد عن فلسفته الأصلية خلال السنوات الأخيرة بسبب التعديلات المتكررة. 

وأظهرت أنه في عام 2024 -2025، نُشرت أنباء عن إعادة المشروع من قبل الحكومة لمراجعته، ثم عقب حساسيات اجتماعية ناجمة عن جريمة صادمة، تداولت وسائل الإعلام خبر انسحاب الحكومة من إعادة المشروع واستمرار المسار التشريعي، كما ينتمي ملف الحجاب إلى السياق نفسه. 

وأكَّدت أن مشروع القانون المثير للجدل، الذي أقره البرلمان، لا يزال أحد أكثر المواضيع إثارة للانقسام في المجال العام، وقد شددت هيئة شؤون المرأة في عدة مناسبات على ضرورة الالتزام بالأطر القانونية، مع تأكيد الإقناع الثقافي، وتجنب الإجراءات الضارة، واحترام كرامة النساء.

التنسيق بين الأجهزة الحكومية كبنية تحتية

رأت الصحيفة أنه “من أجل تقييم تقرير عام 2024–2025 بإنصاف، يجب التركيز على نقطة قوة؛ فقد سعت هيئة شؤون المرأة خلال العام الأول لبناء قنوات اتصال وإقناع مع مختلف الأجهزة، من وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم إلى المنظمة الإدارية والوظيفية وأجزاء من السلطة القضائية والبرلمان، وفي العديد من الأنظمة الإدارية، يُقضى العام الأول غالبا في إقامة هذه القنوات والوصول إلى لغة مشتركة”.

ولفتت إلى أن “قيمة هذا الجهد تتجلى عندما يتحول في العام الثاني إلى مشاريع واقعية على الأرض، تشمل توحيد الميزانيات، وتوزيع المهام بوضوح، ووضع جدول تنفيذي مشترك، بمعنى آخر، إذا سمّينا العام الأول عام رسم الخرائط والإقناع، فيجب أن يكون العام الثاني عام التنفيذ والعقود، وتزداد قوة هذا النهج إذا قامت الهيئة بمشاركة صياغتها الخطابية وجمعت كل هذه التفاعلات حول فكرة مركزية قابلة للقياس”.

الساحة الاجتماعية خالية؛ لماذا لم يتكوّن تيار مجتمعي؟
سلَّطت الصحيفة الضوء على أن جزءا مهما من ضعف التقرير السنوي يعود إلى غياب تيار اجتماعي فعّال، والعديد من قضايا المرأة والأسرة، من الصحة النفسية للمراهقين إلى الثقافة المالية للأسر وتربية الوالدين على الإعلام، يمكن أن تتحول عبر مبادرات الهيئة إلى موجات اجتماعية مستمرة؛ موجات لا تتشكل بمجرد منشور على وسائل التواصل، بل عبر شبكة من المدربين والمحليين، وتنسيق الإعلام الوطني والمحلي، ودعم منظمات المجتمع المدني.

وأوضحت أنه عندما تتحول منصة تعليم الوالدين إلى حالة نصف فعّالة في العام الأول، وتتوقف دورات تدريب المدربين عن الاستمرارية، ولا تتشكل رواية إعلامية حول المرأة القادرة في الأسرة القادرة، فمن الطبيعي ألا ينشأ تيار إعلامي مجتمعي، وهذا النقص ليس مجرد قضية اتصالية، بل يمس جوهر التمكين، إذ تبقى الأسرة وحيدة تحت ضغوط الحياة اليومية دون شبكة دعم محلية أو نماذج حية.

الدبلوماسية الاجتماعية النسائية؛ فرص يجب الحفاظ عليها

أشارت الصحيفة إلى أن “الساحة الدولية ليست مجرد مساحة لتنظيم فعاليات احتفالية، إذ يمكن لشبكة النساء المؤثرات، عند ربطها بقاعدة بيانات مفتوحة وشفافة وتجاوزها مستوى التكريم الرمزي، أن تتحول إلى أداة فعّالة للدبلوماسية الاقتصادية؛ تمكن من ربط رائدات الأعمال الإيرانيات بسلاسل إقليمية، وتسهيل وصولهن إلى الأسواق المحيطة، ونقل خبرات الحوكمة المحلية في مجالات مثل العمل اللائق للنساء، والصحة الإنجابية، والوقاية من العنف”.

وشدّدت على “ضرورة أن تتحوّل مقاعد إيران وأدوارها في آليات مثل IORA من مجرد أخبار مناسبة إلى مشاريع مستمرة، تشمل بيانات مشتركة تؤدي إلى إنشاء صناديق ائتمانية صغيرة للنساء، وعقد ورش عمل تتوج بمذكرات تفاهم بين المحافظات والولايات، وإقامة غرف فكر جامعية تصل إلى جدول أعمال مشترك بين الوزارات ونظرائها الإقليميين، وللأسف، بقيت هذه القدرات في عام 2024 غالبا دون سرد، ما يعادل عمليا فقدان طاقتها السياسية”.

ما الذي يجب ملاحظته لنقول إن المسار تغيّر؟

وفي الختام ذكرت الصحيفة أنه من المتوقع أن تحقق هيئة شؤون النساء في العام الثاني قفزة من مرحلة التفاعل إلى مرحلة التنفيذ، ويمكن متابعة هذه القفزة من خلال عدة مؤشرات واضحة:

  1. إحياء سلسلة كاملة لمشروع ميداني فعال مثل تدريب الوالدين، من مستوى منصة المحتوى إلى شبكة المدربات الإقليمية، مع جدول تنفيذ وتقارير دورية.
  2. تحديد القضية المركزية ومؤشرات قياسها – مثل صمود الأسرة في الظروف غير المستقرة – ونشر تقارير فصلية عن التقدم مصحوبة ببيانات مفتوحة.
  3. تحويل التدخل في الملفات التشريعية إلى برامج تنفيذية قابلة للتقييم؛ مثل القوانين المثيرة للجدل، من خلال نشر ملاحق سياسية توضح بالضبط ما تم تعديله والأثر المتوقع على كرامة وحقوق النساء.
  4. إنشاء لوحة متابعة لحظية لمشاركة النساء الإدارية مع تقسيم بحسب المستوى، والجهاز، والمحافظة، بحيث يُرى كل خبر تعيين في مجاله ويُقارن بالهدف المحدد بنسبة 30٪.
  5. استثمار القدرات الدولية القائمة – من IORA إلى شبكة نساء بريكس.
  6. تنظيم ملفات مثل ركوب الدراجات النارية للنساء بخطة تنفيذ واضحة يمكن أن يجيب عن غموض المجتمع بشأنها.