ارتفاع أسعار البنزين في إيران: خروج من الجمود أم تكرار للسياسات الحذرة؟

أزمة البنزين في إيران - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

ترجمة: ساره شعبان المزين

نشر موقع “نور نيوز” الإيراني، الجمعة 12 ديسمبر/ كانون الأول 2024 تقريرا ذكر فيه أن الحكومة، بعد شهر أو شهرين من النقاش والحوار حول تدبيرها لتغيير أسعار البنزين، اقترب موعد تنفيذ قرار سمّته الاستفادة القصوى من بطاقة الوقود الشخصية ومنع زيادة واردات البنزين، والذي سيدخل حيز التنفيذ اعتبارا من يوم السبت 13 ديسمبر/كانون الأول 2025. 

وفقا لهذا القرار، ستبقى أسعار البنزين للسيارات الخاصة على النحو التالي: الحصة الشهرية الأولى 60 لترا مقابل 0.036 دولار، والحصة الثانية 100 لترا مقابل 0.071 دولار، بينما سيكون سعر تعبئة البنزين باستخدام بطاقة الطوارئ في المحطات 0.119 دولار للتر الواحد.

وأضاف الموقع أن تحديد سعر 0.119 دولار لكل لتر استُند إلى نحو 10 % من سعر شراء البنزين من المصافي. 

وتابع أن الحكومة تأمل من خلال تنفيذ هذا القرار أن تتمكن من رصد استهلاك البنزين بشكل أفضل وإتاحة إمكانية تطبيق سياسات تكميليّة في مجالات الرقابة والنقل.

قرار مهم لكنه مثير للجدل

ذكر الموقع أن القرار الأخير للحكومة برفع أسعار البنزين باستخدام بطاقات المحطات، رغم أنه يبدو خطوة صغيرة نسبيا في الظاهر، يمثل نقطة تحول على مستوى سياسات الطاقة. 

Image

وأوضح أن هذا القرار يُظهر أن الحكومة، بعد سنوات من التردد والحذر، عادت إلى ميدان الإصلاحات السعرية الصعبة والمعقدة للوقود.

وأضاف الموقع أن القرار أثار ردود فعل متنوعة، فبعضهم رآه ضروريا، وآخرون اعتبروه ضروريا لكنه غير كاف، بينما وصفه فريق ثالث أنه خاطئ وغير مناسب وعديم الأثر.

وبيّن أنه بغض النظر عن هذه التباينات، هناك حقيقة مهمة: البلاد بعد نحو ست سنوات خرجت من حالة الجمود في اتخاذ القرارات المتعلقة بالبنزين.

وأشار الموقع إلى أن النموذج الجديد لزيادة أسعار البنزين يواجه معارضة متنوعة، فبعضهم يرى أن الإصلاح السعري للطاقة ضرورة حتمية يجب تنفيذها بحزم لتحقيق الأسعار الحقيقية للوقود، خصوصا البنزين، والانتقال فورا إلى الرقم النهائي والحقيقي في المقابل، يعتقد آخرون أن الإجراءات غير السعرية هي الأنسب في هذا المجال.

كما انتقد بعض الخبراء الحكومة، معتبرين أنه في ظل الضغوط المعيشية والركود الاقتصادي، سيؤدي التدخل في أسعار البنزين إلى صدمة تضخمية كبيرة و يخلق اضطرابا في سلسلة الأسعار.

وأوضح الموقع أن صُناع القرار طوال هذه السنوات واجهوا قيودا جدية: أولا، وضع الأسر الاقتصادية الذي لم يترك مجالا لأي صدمة سعرية؛ ثانيا، التجربة المريرة لعام 2019 التي ربطت كل إصلاح سعري بحساسية اجتماعية عالية.

وأضاف رفع أسعار بطاقات البنزين الحرة لا يمثل بالضرورة إصلاحا سعريا جوهريا، بل خطوة إدارية وتنظيمية، ومع ذلك يحمل رسالة واضحة وهي أن الحكومة لم تعد تريد ترك موضوع الطاقة دون معالجة.

Image

وأكد  أن القرار الأخير للحكومة في شأن البنزين يحمل المعنى الإداري القائل بضرورة الخروج، ولو بمقياس محدود، من حالة “عدم اتخاذ القرار” والمضي قدما نحو الإصلاحات السعرية للوقود.

وأشار الموقع إلى أن البلاد تواجه حاليا واردات بنزين بقيمة 6 مليارات دولار، وتشير التقديرات إلى أنه في حال استمرار الوضع الحالي، قد تصل هذه الواردات في السنوات القادمة إلى 8 أو 10 وحتى 13 مليار دولار وأن الجمود في موضوع أسعار الوقود يزيد من هذا العبء الاقتصادي الكبير.

أحزمة حماية للقرار الجديد

أفاد الموقع أن أي تغيير في أسعار البنزين، حتى لو كان ذو معنى رمزي، يصاحبه آثار اقتصادية واجتماعية. 

وبين أن الحكومة، رغم تنفيذ سياسة رفع محدود لسعر البنزين، سعت في الوقت نفسه إلى تقليل التكاليف الجانبية على الفئات المهنية عالية الاستهلاك أو الشرائح الحساسة.

وأوضح الموقع أن هذه النقطة لم تُعالج كثيرا في العديد من الانتقادات، حيث شملت الإجراءات: إمكانية تركيب الغاز مجانا للسيارات، التعويض المسبق عن فرق سعر الوقود لمنع زيادة أجور النقل والضغط على الركاب، استثناء سيارات الأجرة والسيارات الصغيرة من تخفيض الحصة، وأخيرا استثناء السيارات المحلية المنتجة بسعر أقل من 23 810 دولار من حذف الحصة لضمان حماية الطبقات المتوسطة وما دونها.

وأكد  أن الحكومة، إلى جانب هذه الإجراءات العملية، بذلت جهدا في مجال التواصل والإعلام لتجنب السرية والمفاجآت وإقناع الرأي العام، مما يعكس حرصها على أن تكون الإصلاحات تدريجية، منخفضة التكلفة، وقابلة للإدارة، وليس صدمة مفاجئة.

Image

ونوه الموقع بأن الخطة الحالية ليست خالية من العيوب، حيث يرى بعض الاقتصاديين أن القرار سيبقى محدود الأثر إذا لم يصاحبه إصلاحات تكميلية في نظام توزيع الدعم، تحسين جودة السيارات، تطوير وسائل النقل العام، أو مكافحة تهريب الوقود.

وأشار الموقع إلى أن بعض المنتقدين الاجتماعيين يخشون أن أي تغيير في هيكل أسعار الوقود، مباشر أو غير مباشر، قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أو اندلاع توترات اجتماعية. 

ومع ذلك، أكد الموقع أن أي دولة لا يمكن أن تبقى لسنوات دون اتخاذ قرار في مجال الطاقة، خصوصا عندما يكون استهلاك الفرد للبنزين ومعدل نموه غير اعتيادي مقارنة بالمعايير الدولية.

وأضاف أن السياسة الأخيرة للحكومة، حتى وإن لم تكن خالية من العيوب، تمثل أول حجر أساس لإعادة الحوكمة في قطاع الوقود، وأن تجاوز هذه المرحلة كان ضروريا حتى تتمكن الحكومة من متابعة مراحل الإصلاح التالية بثقة أكبر. 

وأوضح الموقع أن أي إصلاح اقتصادي في إيران يجب أن يبدأ بالتركيز على إصلاح نظام تسعير الوقود، وأن على الحكومة استخدام أدواتها المختلفة لمنع التأثيرات السلبية وغير المبررة لهذه الإصلاحات على أسعار السلع والخدمات الأخرى.

ضرورة إدارة الرسالة ومسؤولية الإعلام

ذكر الموقع أن المجتمع الإيراني لا يحمل ذكريات سعيدة عن تاريخ تغييرات أسعار الوقود وأن الوقود، وخاصة البنزين، في إيران له بعد اقتصادي ورمزي في الوقت نفسه، وأن أي قرار بشأنه ينعكس فورا على جميع المجالات والقطاعات.

وبيّن الموقع أنه من أجل إدارة القرار الأخير للحكومة بشكل صحيح، هناك اهميه بالغه إلى إقناع شامل ومشاركة عامة. 

وأشار إلى أن أهم اختلاف في هذه المرحلة مقارنة بالتجارب السابقة، وخاصة عام 2019، يتمثل في ضرورة تعاون وسائل الإعلام، ووضوح المعلومات، وشرح منطق القرار للجمهور.

وأكد الموقع أن مسألة البنزين ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي قضية اجتماعية ونفسية تحتاج إلى إقناع، حوار، وسرد واضح. 

وأوضح أن أي قرار، حتى لو كان صغيرا، دون توضيح كاف، قد يُساء فهمه اجتماعيا، وأن وسائل الإعلام تلعب دورا محوريا في نقل الفهم من “الخوف والشك” إلى “الفهم والمشاركة”، وأن الرسالة الرئيسية يجب أن تركز على الإصلاحات التدريجية، والدعم التعويضي من الحكومة، وتجنب الصدمات المفاجئة.

وبيّن الموقع أن القرار الأخير برفع أسعار البنزين من بطاقات المحطات قد لا يمثل سياسة كبيرة بحد ذاته، لكنه يحمل رسالة كبيرة وهي أن الحكومة بعد سنوات خرجت من مأزق اتخاذ القرار بشأن الوقود وكسر الحواجز التقليدية على أسعار البنزين وأن هذا الخروج من التردد والجمود يعتبر خطوة مهمة.

وأكد بأن استمرار هذا المسار مع التدبير، والدعم التكميلي، والتغطية الإعلامية الدقيقة يمكن أن يسمح للبلاد بالدخول في مرحلة جديدة من إدارة الطاقة دون تكرار التجارب المكلفة السابقة. 

Image

واختتم الموقع بأن دعم وسائل الإعلام والمنصات الإعلامية لهذا المسار لا يعني حذف النقد أو التقييم العلمي، بل يهدف إلى مساعدة البلاد على العبور الآمن من مرحلة حساسة، بحيث يمكن مع العقلانية والتعاون والإقناع والإجماع الوطني كسر أحد المحظورات التقليدية والخطيرة في السياسة العامة بأقل تبعات اجتماعية ممكنة وتمهيد الطريق لرؤية واقعية في إدارة الموارد الوطنية.