- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, متميز
- 299 Views
تشهد المنطقة تحولات متسارعة تعيد رسم ملامح التوازنات السياسية والأمنية، في ظل تصاعد غير مسبوق في وتيرة المواجهات بين القوى الإقليمية والدولية. ومع تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية، باتت التطورات الأخيرة تعكس انتقال الصراع إلى مستويات أكثر تعقيدا، حيث لم تعد تقتصر تداعياته على ساحات القتال، بل امتدت إلى دوائر صنع القرار.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وحدود التصعيد، وما إذا كانت الأحداث الجارية تمثل نقطة تحول حاسمة في مسار الصراع، أم مجرد فصل جديد في سلسلة طويلة من المواجهات المفتوحة.
غارات على طهران واغتيال لاريجاني… تفاصيل الضربة الإسرائيلية الأوسع
شهدت العاصمة الإيرانية طهران فجر الثلاثاء 17 مارس/ آذار 2026 سلسلة غارات جوية وصفت بأنها من أعنف الهجمات التي استهدفت العمق الإيراني في السنوات الأخيرة، حيث أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربات متزامنة شملت طهران ومدنا أخرى مثل شيراز وتبريز، وأفادت مصادر بأن الهجمات ركزت على مواقع عسكرية وأمنية حساسة، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية في النظام الإيراني، في إطار تصعيد غير مسبوق بين الطرفين.

في هذا السياق، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن العملية أسفرت عن مقتل علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى جانب عدد من القادة الأمنيين، مؤكدا أن الضربة جاءت ضمن استراتيجية تستهدف رأس الهرم القيادي في إيران، كما أشار إلى أن الهجمات استهدفت أيضًا البنية التحتية العسكرية ومواقع تخزين الصواريخ والطائرات المسيرة.

وبحسب الروايات المتداولة، فإن لاريجاني قد قتل في غارة جوية استهدفت موقعا داخل طهران، وسط تضارب في التفاصيل حول مكان الاستهداف، حيث ذكرت بعض المصادر أنه كان في منزل ابنته في منطقة برديس، بينما نفت مصادر رسمية إيرانية هذا التفصيل لاحقا، كما أفيد بمقتل نجله مرتضى، ونائبه علي رضا بيات، وعدد من أفراد حمايته.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي أن العملية نفذت بدقة عالية وباعتماد على معلومات استخباراتية من أجهزة متعددة، مشيرا إلى أن استهداف لاريجاني يأتي ضمن سلسلة عمليات تهدف إلى تقويض القدرات القيادية والعسكرية لإيران. كما صرح رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير بأن الهجمات حققت نتائج مهمة قد تؤثر على مسار العمليات العسكرية.
في المقابل، تأخر الرد الإيراني الرسمي لساعات، قبل أن تعلن الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي تأكيد مقتل لاريجاني، في خطوة اعتبرت اعترافا رسميا بعد مرحلة من الغموض والتضارب الإعلامي، كما صدرت بيانات نعي من مسؤولين إيرانيين بارزين، بينهم رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذين وصفوا مقتله بالخسارة الكبيرة وتعهدوا بالرد.
تأتي هذه التطورات في سياق تصعيد إقليمي أوسع، حيث تشير المعطيات إلى أن الهجوم لم يكن عملية معزولة، بل جزء من حملة عسكرية مستمرة تستهدف مواقع وشخصيات مرتبطة بالقدرات العسكرية والأمنية الإيرانية، في ظل توتر متصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ما وراء اغتيال لاريجاني… رسائل استراتيجية متعددة المستويات
لا يمكن النظر إلى اغتيال لاريجاني بوصفه مجرد عملية عسكرية تكتيكية، بل كونه حدث يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز استهداف شخص بعينه، لتصل إلى قلب منظومة صنع القرار في إيران. فالرجل لم يكن مسؤولا عاديا، بل أحد أبرز صناع القرار خلف الكواليس، خصوصا بعد مقتل المرشد الأعلى على خامنئي في 28 فبراير/ شباط 2026، وشخصية جمعت بين الخبرة الأمنية والسياسية والعلاقات الدولية، ما يجعل استهدافه رسالة متعددة المستويات.

أول هذه الدلالات يتمثل في الانتقال إلى استهداف العقل الاستراتيجي للنظام الإيراني، وليس فقط البنية التحتية أو القيادات العسكرية الميدانية، فاغتيال شخصية بحجم لاريجاني، الذي لعب دورا في إدارة ملفات مثل الأمن القومي والبرنامج النووي والعلاقات الإقليمية، يشير إلى محاولة إضعاف القدرة على التنسيق وصناعة القرار داخل الدولة، وليس فقط تقليص القدرات العسكرية.
أما الدلالة الثانية فتتعلق بـمحاولة إحداث فراغ في لحظة سياسية حساسة، خاصة في ظل الحديث عن مرحلة انتقالية داخل النظام الإيراني، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن لاريجاني كان يؤدي دورا محوريا في إدارة شؤون الدولة في فترات غياب أو ضعف القيادة التقليدية، ما يجعل استهدافه محاولة لإرباك هذا التوازن الداخلي وإعادة تشكيل مراكز القوة.
كما تعكس العملية تصعيدا نوعيا في قواعد الاشتباك بين إسرائيل وإيران، حيث لم تعد الضربات تقتصر على مواقع عسكرية أو شخصيات ميدانية، بل امتدت إلى الصف الأول من القيادات السياسية الأمنية، هذا التحول يحمل رسالة ردع مفادها أن أي شخصية مؤثرة في إدارة الصراع قد تكون هدفا مباشرا، بغض النظر عن موقعها الرسمي.
في السياق ذاته، يمكن قراءة العملية باعتبارها جزءا من استراتيجية ضغط شاملة تهدف إلى تقويض النفوذ الإقليمي لإيران، خاصة أن لاريجاني كان مرتبطا بملفات العلاقات مع حلفاء طهران، وإدارة شبكات النفوذ في المنطقة، وبالتالي فإن غيابه قد يؤثر على تماسك هذه الشبكات أو على الأقل يربك آليات إدارتها.

من ناحية أخرى، تحمل العملية بعدا نفسيا وإعلاميا واضحا، إذ إن اغتيال شخصية بهذا الوزن يوجه رسالة إلى الداخل الإيراني مفادها أن القيادة ليست بمنأى عن الاستهداف، وهو ما قد يؤثر على ثقة النخبة السياسية والأمنية في منظومة الحماية، ويخلق حالة من القلق داخل دوائر الحكم.
وفي المقابل، قد يؤدي هذا الحدث إلى نتيجة عكسية تتمثل في تعزيز التماسك الداخلي وتصعيد الرد، إذ تشير التصريحات الإيرانية الأولية إلى اتجاه نحو الرد العسكري أو السياسي، ما يعني أن العملية قد تكون بداية لمرحلة أكثر حدة في الصراع، وليس نهايته.
بذلك، فإن اغتيال لاريجاني لا يقرأ كحادث منفصل، بل كجزء من تحول أوسع في طبيعة المواجهة، حيث تتداخل الأهداف العسكرية مع الحسابات السياسية، وتصبح الشخصيات المحورية في النظام أهدافا مباشرة في صراع يتجه نحو مستويات أكثر تعقيدًا وخطورة.
علي لاريجاني… فيلسوف السياسة الإيرانية ومسار الصعود داخل النظام
ولد علي أردشير لاريجاني عام ١٩٥٧ في مدينة النجف العراقية، في عائلة دينية بارزة تنحدر أصولها من مدينة آمل الإيرانية، فكان والده من كبار علماء الشيعة، ما وفر له بيئة فكرية ودينية مميزة أثرت على مسيرته اللاحقة. انتقل إلى إيران في سن مبكرة، حيث أكمل تعليمه في مدينة قم، قبل أن يلتحق بجامعة شريف الصناعية لدراسة علوم الحاسوب.

لاحقا، اتجه لاريجاني إلى دراسة الفلسفة، فحصل على درجة الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة طهران، حيث ركزت أطروحته على فلسفة إيمانويل كانت. وبعد إتمام دراسته، عمل أستاذًا في قسم الفلسفة بجامعة طهران، ما جعله يجمع بين الخلفية الأكاديمية والاهتمام بالشأن السياسي.
مع اندلاع الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩، انخرط لاريجاني في مؤسسات الدولة الجديدة، وانضم إلى الحرس الثوري الإيراني، حيث شغل مناصب عسكرية وإدارية، من بينها موقع نائب رئيس الأركان المشتركة، وقد ساهمت هذه المرحلة في بناء علاقاته داخل المؤسسة الأمنية، التي لعبت دورا مهما في صعوده السياسي.

في بداية التسعينيات، دخل لاريجاني المجال السياسي الرسمي، حيث عين وزيرا للثقافة والإرشاد الإسلامي، قبل أن يتولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون لمدة تزيد عن عقد. وخلال هذه الفترة، شهدت المؤسسة الإعلامية توسعا كبيرا، لكنها تعرضت أيضا لانتقادات بسبب دورها في دعم الخطاب الرسمي ومواجهة التيارات المعارضة.
لاحقا، انتقل إلى العمل الأمني الاستراتيجي، حيث عین أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وتولى مسؤولية الملف النووي الإيراني خلال فترة حساسة من التفاوض مع الغرب، وقد عرف بأسلوبه البراغماتي، حيث حاول الجمع بين الحفاظ على مصالح إيران والانخراط في الحوار الدولي.

في عام ٢٠٠٨، انتخب عضوا في البرلمان الإيراني عن مدينة قم، ثم تولي رئاسة البرلمان لثلاث دورات متتالية، ليصبح أحد أطول رؤساء البرلمان بقاء في هذا المنصب. وخلال هذه الفترة، لعب دورا مهما في إدارة التوازنات السياسية بين التيارات المختلفة داخل النظام.

رغم محاولاته المتكررة للوصول إلى رئاسة الجمهورية، لم ينجح في ذلك، كما واجه تراجعا في نفوذه السياسي بعد استبعاده من بعض الانتخابات. ومع ذلك، ظل قريبا من مركز القرار، حيث عين مستشارا للمرشد وعضوا في مؤسسات عليا مثل مجمع تشخيص مصلحة النظام.
عاد لاريجاني إلى الواجهة بقوة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد تصاعد التوترات الإقليمية، حيث عين مجددا أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي. وقد لعب دورا بارزا في إدارة الأزمات، سواء على المستوى الداخلي أو في العلاقات الخارجية، بما في ذلك التنسيق مع روسيا والصين.

كما ارتبط اسمه بملفات حساسة، مثل قمع الاحتجاجات الداخلية، حيث أشارت تقارير إلى دوره في اتخاذ قرارات أمنية صارمة، ما جعله محل انتقادات من منظمات حقوقية ودول غربية. وفي الوقت نفسه، ظل يُنظر إليه داخل النظام كشخصية موثوقة وقادرة على إدارة الملفات المعقدة.
وفي خضم التصعيد العسكري الأخير، برز لاريجاني كأحد أبرز صناع القرار في إيران، بل وصف أحيانا بأنه القائد الفعلي في ظل غياب القيادة التقليدية. غير أن مسيرته الطويلة انتهت بشكل مفاجئ مع مقتله في الغارة الجوية، ليسدل الستار على أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الجمهورية الإسلامية.

