الأمراض المستعصية في إيران.. من الفاتورة الطبية إلى هاوية الفقر

تواجه إيران تحديا متصاعدا مع الأمراض المستعصية مثل السرطان، حيث لم تعد المشكلة صحية بحتة، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية واجتماعية تهدد استقرار آلاف الأسر، وتمتد آثارها من غرف العلاج إلى سلة المعيشة، ما يجعل تطوير سياسات حماية فعّالة ضرورة وطنية مُلحّة.

نشر موقع تابناك، الأربعاء 10 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفاد فيه بأن الأمراض المستعصية مثل السرطان، لا تفتك بجسد المريض فقط، بل تضع روح وعقل أسرته تحت ضغط ساحق، وهذه الأمراض، وبعيدا عن الآلام الجسدية، تفرض تكاليف علاجية باهظة تدفع الأسر إلى هاوية الفقر والعوز، وقد تدمّر أحيانا حياة متوسطة بالكامل. 

ويتطرق التقرير إلى التأثيرات الاقتصادية لهذه الأمراض على العائلات الإيرانية، ويستعرض حلول بعض الدول الأخرى لتخفيف هذا العبء الثقيل.

من تكاليف العلاج إلى انهيار المعيشة

أوضح الموقع أن السرطان والأمراض المستعصية؛ نظرا إلى طبيعة علاجها المعقدة وطويلة الأمد، تفرض أعباء مالية باهظة على الأسر، فتكاليف العلاج الكيميائي، والعلاج الإشعاعي، والأدوية المتخصصة، والإقامات المتكررة في المستشفيات، حتى في المستشفيات الحكومية، قد تقصم ظهر اقتصاد الأسرة. 

وأكَّد أن التكلفة الشهرية لعلاج بعض أنواع السرطان في إيران يمكن أن تصل إلى عدة ملايين ريال إيراني، في حين تعيش الكثير من الأسر بدخول محدودة وتحت خط الفقر.

وذكر أنه بالنسبة للأسر ذات الدخل المنخفض، تمثل هذه التكاليف بيع الممتلكات، أو اللجوء إلى قروض مرهقة، أو حتى التخلي عن العلاج، فعلى سبيل المثال، علي رضا، وهو مريض تحدث عن غياب أدوية العلاج الكيميائي عالية الجودة في الصيدليات الحكومية، ما اضطره لشرائها من السوق السوداء بكلفة باهظة لا تقل عن ستة إلى سبعة ملايين ريال إيراني أي حوالي (142.61 دولار أمريكي)، وهذا الوضع لا يحرمه وحده من العلاج فحسب، بل يدفع أسرته أيضا إلى دوامة من الديون والفقر.

وتابع الموقع أنه إلى جانب التكاليف المباشرة للعلاج، تترك الأمراض المستعصية آثارا اقتصادية غير مباشرة، فضعف قدرة المريض أو مقدم الرعاية الأساسي (الذي يكون غالبا أحد أفراد الأسرة) على العمل يؤدي إلى فقدان دخل الأسرة. 

وأردف أن النساء المعيلات، اللواتي قد يكنَّ هن أنفسهن مريضات أو يقمن برعاية المريض، أكثر عرضة للضرر، وتشير التقارير إلى أنه في المناطق المحرومة مثل حي كلزار شهدای دهدشت، اجتمع الفقر والأمراض المستعصية معا ليدفعا الأسر التي بلا معيل إلى حافة الانهيار.

الفقر، هل هو نتيجة حتمية؟

أبرز الموقع أن “الفقر الناتج عن الأمراض المستعصية ليس مشكلة فردية فحسب، بل هو حلقة مفرغة تؤثر على المجتمع بأسره، إذ يقود الفقر الاقتصادي إلى تراجع فرص الحصول على الخدمات الصحية، وسوء التغذية، وازدياد مستويات التوتر، وهي عوامل تساهم بدورها في تفاقم المرض”. 

وبيَّن أنه بحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الأمراض المزمنة مثل السرطان تفرض عبئا اقتصاديا ثقيلا على أنظمة الصحة والأسر على حد سواء، حتى إن هذه الأمراض تُعَدّ في كثير من الدول أحد الأسباب الرئيسية لانحدار الأسر إلى ما دون خط الفقر.

ونوَّه إلى أنه في إيران، يفاقم نقص التغطية التأمينية الملائمة للخدمات التسكينية والأدوية الباهظة هذه الأزمة، فكثير من المرضى يضطرون إلى التخلّي عن العلاج بسبب تكاليفه المرتفعة، ما لا يعرّض صحتهم للخطر فحسب، بل يضيف أيضا عبئا نفسيا واقتصاديا مضاعفا على أسرهم.

ماذا فعل العالم؟

أشار الموقع إلى أنه في الدول المتقدمة، جرى اعتماد استراتيجيات متعددة للتخفيف من العبء الاقتصادي للأمراض المستعصية يمكن أن تكون نموذجا لإيران، ففي كندا وبريطانيا، تغطي أنظمة التأمين الصحي تكاليف علاج السرطان بالكامل أو بمعظمها، وفي بريطانيا مثلا، يتحمل نظام الصحة الوطني NHS الجزء الأكبر من النفقات، بينما يدفع المرضى مبالغ رمزية، ما يمنع انهيار أوضاعهم الاقتصادية.

ولفت إلى أن بعض الدول مثل أستراليا وهولندا طوّرت خدمات الرعاية التسكينية المنزلية، وتشمل الرعاية الطبية والتمريضية والدعم النفسي، وهو ما يخفض تكاليف الاستشفاء ويحسّن جودة حياة المريض وأسرته، وفي إيران، تُعد مؤسسة مكسا مثالا محدودا على هذه الجهود، لكنها لم تصل بعد إلى تغطية واسعة.

وأورد أنه في السويد وألمانيا، توجد برامج دعم مباشر مثل الإعانات النقدية المشروطة، ومساعدات الرعاية، والإعفاءات الضريبية للأسر التي تضم مرضى بأمراض صعبة، ما يساعدها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والحيلولة دون السقوط في براثن الفقر، وفي اليابان وكوريا الجنوبية، جرى الاستثمار في برامج الفحص المبكر والتشخيص في مراحله الأولى، ما رفع نسب الشفاء وخفّض التكاليف العلاجية بشكل كبير.

رسالة إلى المسؤولين

أبلغ الموقع أن “الأمراض المستعصية مثل السرطان ليست مجرد تحد طبي، بل هي جرح عميق في جسد اقتصاد الأسر والمجتمع، ففي الوقت الذي يكافح فيه المريض آلامه الجسدية، تخوض العائلة معركة صامتة مع الفقر واليأس، والتجارب العالمية أثبتت أنه عبر سياسات ذكية، وتغطية تأمينية ملائمة، ودعم اجتماعي موجّه، يمكن تخفيف هذا العبء الثقيل”. 

وفي الختام أقرَّ الموقع بأن “إيران أيضا، من خلال الاستفادة من هذه النماذج وتعزيز بنية الصحة والرفاه الاجتماعي، قادرة على إعادة الأمل إلى الأسر المتضررة، ولقد حان الوقت كي يرفع النظام الصحي وصنّاع القرار عبء الفقر المضاعف عن كاهل هذه العائلات”.