الإفراج عن قيادات الإصلاح وخطاب جلستان… لحظة إعادة تموضع داخل التيار الإصلاحي

تتسارع التحولات في المشهد السياسي الإيراني على وقع تداخل المسارات القضائية بالحسابات السياسية، في لحظة تتسم بحساسية داخلية وإقليمية متزايدة. ففي ظل أجواء مشحونة بالنقاشات حول حدود النقد السياسي، ومعادلة الأمن والاستقرار، وطبيعة العلاقة بين التيارات المختلفة داخل النظام، برزت تطورات أخيرة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التوازنات داخل المعسكرات السياسية التقليدية.

 هذه التطورات لم تقتصر على بعدها القانوني، بل حملت رسائل سياسية عميقة تتصل بإدارة الخلافات الداخلية، وإعادة تعريف مفهوم الإصلاح، وترسيم حدود الخطاب العام في مرحلة توصف بأنها دقيقة ومفصلية. وفي خضم هذا المشهد، بدا أن الصراع لم يعد بين تيارين متقابلين فحسب، بل بات يدور أيضا داخل كل تيار حول معنى المسؤولية وحدود المعارضة ومقتضيات الحكم.

الإفراج عن قيادات الإصلاح… بين المسار القضائي ورسائل الاحتواء السياسي

فقد أعلنت السلطات القضائية الإيرانية، الجمعة 13 فبراير 2026، الإفراج عن آذر منصوري، رئيسة جبهة الإصلاحات في إيران، بعد إيداع كفالة مالية بلغت خمسين مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 31 ألف دولار أمريكي، وذلك عقب أيام من توقيفها على خلفية تصريحات ومواقف أثارت جدلا واسعا في أعقاب التظاهرات التي شهدتها البلاد مطلع يناير/ كانون الثاني من العام نفسه، فيما جاء قرار الإفراج عنها بعد خطوة مماثلة سبقتها بساعات، تمثلت في إطلاق سراح جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات والأمين العام لحزب مجمع الإيثار، وكذلك إبراهيم أصغر زاده، الناشط السياسي البارز، وذلك بكفالات مالية أيضا، وفق ما أكده محاموهم ومصادر قضائية.

Image

الحدث، الذي حظي بتغطية واسعة في وسائل الإعلام الإيرانية، لم ينظر إليه بوصفه إجراء قضائيا بحتا، بل اعتبر تطورا سياسيا ذا أبعاد أعمق، فالتوقيفات جاءت في سياق تحقيقات فتحتها النيابة العامة على خلفية تصريحات اعتبرت، بحسب الادعاء، تمس الأمن الوطني وتثير الشكوك حول طبيعة الأحداث التي رافقت التظاهرات، فيما انقسمت القراءات حول تلك الاحتجاجات بين من رأى فيها تعبيرا عن مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة، ومن اعتبرها امتدادا لتحرك أمني مدعوم من الخارج استغل التوترات الداخلية.

وسائل إعلام مقربة من التيار الأصولي تحدثت عن اتهامات شملت استهداف الوحدة الوطنية والتنسيق مع دعاية العدو والترويج لمواقف تضر بالأمن القومي، في حين شدد مقربون من التيار الإصلاحي على أن ما صدر عن الشخصيات الموقوفة يدخل في إطار حرية التعبير السياسي والنقد المشروع، معتبرين أن التوقيف جرى في مناخ سياسي شديد الحساسية.

اللافت في مسار القضية أن الإفراج جاء وسط تقارير تحدثت عن متابعة مباشرة من الرئيس الإيراني الإصلاحي مسعود بزشكيان، فقد نقلت وكالة فارس عن مصدر حكومي قوله إن الرئيس تابع الملف منذ لحظة الاعتقال، وسعى إلى معالجته ضمن الأطر القانونية، منعا لتحوله إلى أزمة أوسع داخل التيار الإصلاحي. هذه المتابعة فسرت على أنها محاولة لاحتواء التوتر داخل البيت الإصلاحي، لا سيما أن بزشكيان وصل إلى سدة الرئاسة بشعار الوفاق والتقارب الوطني، ويواجه منذ توليه المنصب تحدي الموازنة بين انتمائه السياسي ومتطلبات إدارة الدولة.

Image

ويرى مراقبون أن خطوة الإفراج حملت رسالة مزدوجة، فمن جهة احترام للمسار القانوني وترك القضية في عهدة القضاء، ومن جهة أخرى إشارة سياسية إلى الرغبة في خفض منسوب الاحتقان ومنع تعميق الانقسام داخل التيار الإصلاحي، في مرحلة تتسم بحساسية أمنية واجتماعية.

من جانبهم، أوضح محامو الموقوفين أن القضايا لا تزال في مرحلة التحقيقات الأولية، وأن التهم لم تبلغ رسميا بشكل نهائي، مشيرين إلى أن الملف يصنف ضمن الجرائم العامة التي يتولاها الادعاء العام، من دون وجود مدع خاص. وأكدوا أن موكليهم تعاونوا مع الجهات المختصة، وأن الإجراءات تسير ضمن الأطر القانونية المعمول بها.

هذا وقد تزامنت عمليات الأفراج مع تصاعد سجال داخلي داخل التيار الإصلاحي، خصوصا بعد التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها علي شكوري راد، البرلماني الإصلاحي السابق، التي شكك فيها في الرواية الرسمية لبعض أحداث التظاهرات، معتبرا أن الهجمات التي استهدفت مراكز أمنية وأعمال العنف التي وقعت في الشارع قد لا تكون بالضرورة من تدبير المحتجين، بل طرح احتمال أن تكون جزءا من مشروع أمني داخلي أو جرت بإدارة جهات مرتبطة بالحاكمية، كما تحدث عما سماه مشروع القتل وصناعة الضحايا، معتبرا أنه استخدم لتشويه صورة الاحتجاجات.هذه التصريحات أثارت ردود فعل حادة، سواء من قبل جهات رسمية أو من داخل التيار الإصلاحي نفسه، حيث اعتبرها البعض تجاوزا لحدود النقد السياسي، في حين رأى آخرون أنها تعكس مخاوف وشكوكا ينبغي مناقشتها علنا.

Image

على أن الجدل محصورا في طهران، بل برز بوضوح خلال زيارة بزشكيان إلى محافظة كلستان في اليوم ذاته الذي أعلن فيه الإفراج، فخلال لقائه مع نخب وناشطين في المحافظة، تناول الرئيس بشكل مباشر مسألة تحميل الحكومة مسؤولية أعمال العنف التي رافقت التظاهرات، واصفا هذه الادعاءات بأنها غير منصفة، وتساءل بنبرة استنكارية عما إذا كان من المنطقي أن تقوم الدولة بإحراق الأسواق والمساجد وسيارات الإسعاف لإدارة المجتمع. وبذلك بدا أنه يرد بصورة واضحة على ما طرح في التصريحات المثيرة للجدل، مؤكدا في الوقت ذاته أن النقد مشروع، لكنه يجب أن يستند إلى أدلة واضحة وألا يتحول إلى اتهامات تمس مؤسسات الدولة من دون سند.

Image

القراءة الأصولية لخطاب بزشكيان… بين الدفاع عن الدولة وإعادة تعريف للإصلاح

من جانبها، لم تتفاعل الصحف الأصولية مع خطاب بزشكيان في جلستان بوصفه مجرد رد عابر، بل اعتبرته محطة مفصلية في علاقته مع الجناح الراديكالي داخل الإصلاح، فصحيفة كيهان، قلب الإعلام الأصولي، عنونت تغطيتها الصحفية في عددها للسبت 14 فبراير/ شباط 2026، بلهجة حادة، مركزة على انتقاد الرئيس لشكوري ‌راد، وعلى تصريحه القائل بأنه إذا استطاع إثبات مزاعمه فليعدمونا شنقا، وقدمت الصحيفة ذلك كدليل على رفض قاطع لرواية تحميل الحاكمية مسؤولية الأحداث. كذلك فقد رأت كيهان في موقف بزشكيان دفاعا عن المؤسسات الأمنية، وتأكيدا على أن الرئيس لا يقبل بتكرار خطاب يخدم العدو تحت غطاء الإصلاح، معتبرة أن بزشكيان وجه درسا لمن وصفتهم بأصحاب الادعاءات غير الموثقة، في إشارة إلى الراديكاليين داخل التيار الإصلاحي.

Image

بدورها، اعتبرت صحيفة فرهيختجان، في تحليل لخطابه، أن وقوف بزشكيان في مواجهة الجناح الراديكالي داخل التيار الإصلاحي يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها الفصل بين الإصلاح المسؤول والإصلاح المتشدد، وأشارت إلى أن الرد الصريح الذي وجهه الرئيس إلى شكوري ‌راد أثار حالة من الدهشة، إذ لم يكن متوقعا أن يتخذ رئيس إصلاحي موقفا علنيا بهذا الوضوح ضد شخصيات من معسكره السياسي.

Image

وبحسب قراءة الصحيفة، فإن بزشكيان لم يكتف بالدفاع عن نفسه، بل دافع أيضا عن المؤسسات الأمنية، مؤكدا رواية الدولة بشأن الأحداث، ورافضا تحميل الحاكمية مسؤولية أعمال العنف والتخريب، كما وصفت الخطاب بالمحطة المفصلية، إذ تحدث فيه صراحة عن تدخل خارجي، وعن فصل مسار الاحتجاج عن مسار الشغب، وهو ما اعتبرته الصحيفة تحولا لافتا في خطاب رئيس ينتمي إلى تيار نادرا ما تبنى مثل هذه المواقف.

أما صحيفة قدس، فقد ركزت على مفهوم صراحة بزشكيان ضد الثلاثية المدمرة، في إشارة إلى التطرف، والخلل الإداري، والشروخ الاجتماعية، معتبرة أن الرئيس جمع بين الدفاع عن الدولة وانتقاد بعض الممارسات الإعلامية والإدارية، مؤكدة أن الوفاق لا يتناقض مع الصراحة، بل يحتاج إليها.

Image

أيضا، صحيفة خراسان قالت إن الخطاب يمثل لحظة فاصلة في علاقته بالجناح الراديكالي داخل التيار الإصلاحي، معتبرة أنه انتقل من موقع الاحتواء إلى ترسيم حدود واضحة مع ما وصفته بالإصلاح التصادمي، وأشارت إلى أن بزشكيان، الذي خاض الانتخابات بشعار الوفاق والتقارب الوطني، وجد نفسه بعد أشهر قليلة أمام انقسام داخلي داخل معسكره، لا مع خصومه التقليديين، وذلك على خلفية مواقف بعض قيادات جبهة الإصلاحات خلال أحداث دي.

Image

وبحسب قراءة الصحيفة، فإن التصريحات الصادرة عن شخصيات إصلاحية، خاصة بعد حرب يونيو/ حزيران 2025 وما تلاها من تطورات، عكست عودة إلى خطاب الأزمة والمواجهة، وهو ما أدى إلى تعميق الخلاف داخل التيار نفسه، بل وامتد إلى مستوى يرتبط بتفسير مفهوم الأمن القومي، وتعتبر الصحيفة أن الرئيس لم يتراجع عن هويته الإصلاحية، لكنه أعاد تعريفها، مؤكدا أن الإصلاح يعني معالجة الأزمات وتحمل المسؤولية الاجتماعية والأمنية، لا الاكتفاء بإطلاق الاتهامات أو تبني روايات غير مثبتة، كما رأت أن انتقاده لما وصفه بالنقد من موقع الراحة يوجه رسالة داخلية مفادها أن الإصلاح داخل السلطة يتطلب كلفة ومسؤولية عملية، لا مجرد خطاب نظري من خارج مؤسسات الدولة.

كلمات مفتاحية: