- زاد إيران - المحرر
- 386 Views
لم يكن تدشين ٧٥٠ ميغاواط من مشاريع الطاقة الشمسية حدثا عاديا في أجندة الحكومة الإيرانية، بل مناسبة أرادت من خلالها إبراز إنجاز اقتصادي تنموي في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة، غير أن الحدث تحول إلى أزمة سياسية وإعلامية بعدما قامت هيئة الإذاعة والتلفزيون بقطع البث المباشر لكلمة الرئيس مسعود بزشكيان أثناء المراسم، والانتقال إلى بث جلسة للبرلمان الإيراني تضمنت كلمة لأحد أعضاء جبهة الصمود، الجناح البرلماني الأصولي، هذه الخطوة أطلقت موجة من الانتقادات الواسعة، وطرحت تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسة الإعلامية الرسمية.
حادثة قطع البث… من إدارة وقت إلى أزمة سياسية مفتوحة
تبدأ القصة في حفل تدشين ٧٥٠ ميغاواط من محطات الطاقة الشمسية، الذي أُقيم بحضور الرئيس بزشكيان وعدد من أعضاء الحكومة والمسؤولين التنفيذيين الجمعة 13 فبراير/ شباط 2026، حيث كان الحدث يبث مباشرة عبر قناة خبر ٢ التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وهي قناة إخبارية فرعية تستخدم عادة لنقل بعض الفعاليات المباشرة.

في سياق المراسم، وبينما كان البرنامج يسير وفق جدول الكلمات الرسمية، تدخل مقدم الحفل، والذي ظهر بوصفه مسؤولا عن إدارة فقرات المناسبة، ليعلن على الهواء مباشرة أن وقت الجلسة “يجب أن يدار بطريقة لا تخل بجدول القناة” على حد وصفه، في إشارة صريحة إلى ضرورة الالتزام بالمدة الزمنية المخصصة للبث.
المقدم أوضح أن المراسم تنقل مباشرة عبر القناة، وأن على الوزراء والمسؤولين ضبط كلماتهم بما يتناسب مع الوقت المحدد مسبقًا من قبل إدارة البث. هذا التنبيه العلني، الذي جاء أمام الرئيس وأعضاء الحكومة، بدا للبعض إجراء تنظيميا، لكنه حمل في مضمونه رسالة واضحة مفادها أن جدول القناة يتقدم على امتداد كلمات المتحدثين، حتى لو كان بينهم رئيس الجمهورية.
عند هذه النقطة، تدخل الرئيس بزشكيان بنفسه ورد بعبارة مباشرة “الآن ليس مهما، إذا لم تبث قناة الخبر، نحن نقوم بحل عملنا”، ثم التفت إلى أحد الوزراء الذي كان يستعد لتقديم تقريره وقال له “لا تقلق”. ولم يكتف بذلك، بل أضاف منتقدا أداء القناة “على قناة الخبر بدلا من أن تبث الأحاديث غير المعنية بشئون الشعب، أن تبث هذه الأمور حتى يعرف الناس أننا نساعد”

وحتى تلك اللحظة، بدا المشهد وكأنه اختلاف علني حول أولوية جدول البث، ولم يكن هناك ما يشير إلى تصعيد فوري، غير أن التطور الحاسم جاء بعد دقائق، عندما قررت هيئة الإذاعة والتلفزيون قطع النقل المباشر أثناء حديث الرئيس نفسه، والانتقال إلى بث جلسة برلمانيو، التي تضمنت كلمة لأحد أعضاء جبهة الصمود الأصولية، هذا التحول المفاجئ في البث حدث بينما كان الرئيس لا يزال يتحدث في إطار المراسم الرسمية، ما جعل الواقعة تتجاوز حدود ملاحظة تنظيمية لتصبح أزمة سياسية واضحة المعالم.
هذا فيما اعتبر كثير من المحللين قرار القطع خروجا عن الأعراف الإعلامية والبروتوكولات المتعارف عليها في التعامل مع خطابات رؤساء الدول، خصوصا عندما يكون الخطاب جزءا من مراسم رسمية تتعلق بمشروع وطني ذي طابع اقتصاد تنموي. المقارنة التي طرحت في هذا السياق استحضرت ما يجري في الأمم المتحدة، حيث لا يقطع خطاب رئيس دولة، حتى لو تجاوز الزمن المحدد، بل يترك ليستكمل كلمته احتراما للمقام الرسمي.
الجدل لم يقتصر على مسألة قطع البث، بل امتد إلى سؤال اختيار قناة خبر ٢ لنقل خطاب رئيس الجمهورية من الأساس، حيث وصفت القناة بأنها هامشية وتستخدم غالبا لسد التزامات البث المباشر، ما أثار تساؤلات حول سبب عدم تخصيص القناة الأولى أو القناة الإخبارية الرئيسية لبث كلمة الرئيس في مناسبة وطنية بهذا الحجم، كما طرح سؤال آخر مفاده لماذا يفرض على رئيس الجمهورية سقف زمني يحدده مديرو الهيئة، ويطلب منه عمليا اختصار كلمته وفق جدول داخلي للقناة؟

بهذا الشكل، لم تعد الواقعة مجرد حادثة تقنية أو إدارية، بل تحولت إلى رمز لأزمة ثقة أعمق بين السلطة التنفيذية وهيئة يفترض أن تكون جامعة وتمثل الإعلام الوطني، فالحكومة رأت أن إنجازاتها لا تجد المساحة الكافية في الإعلام الرسمي، فيما بدا أن الهيئة تتعامل مع خطاب الرئيس بوصفه مادة خاضعة لجدولها التحريري مثل أي برنامج آخر. ومن هنا بدا نقاش أوسع، فهل نحن أمام خطأ إداري عابر في تقدير الوقت، أم أمام تعبير صريح عن صراع سياسي مؤسساتي حول من يملك حق تحديد الأولويات وصياغة السردية العامة في البلاد؟
انتقادات سياسية واسعة… اتهامات بانحياز المؤسسة الإعلامية
لم يقتصر الخلاف على ردود الفعل الإعلامية، بل توسع ليشمل مواقف شخصيات سياسية بارزة اعتبرت أن ما جرى يعكس أزمة بنيوية في أداء هيئة الإذاعة والتلفزيون، هذه التصريحات لم تكتف بانتقاد حادثة القطع، بل ربطتها بسياق أوسع يتعلق بدور الهيئة في القضايا السياسية والاقتصادية، وخصوصًا ملف المفاوضات مع الغرب.
فمن جانبه، قال كمال الدين بير مؤذن، المحلل السياسي، في هذا السياق “في الدورات البرلمانية الأخيرة، ومع حضور تيار خاص أصولي في الإذاعة والتلفزيون، وهو تيار يضع دائما سياسة التفرقة وخلق الاستقطاب في جدول أعماله، شهدنا ابتعاد الإعلام الوطني عن المجتمع، حتى إن هذه المنظمة الوطنية تدار اليوم بعقلية فئوية، فهذا التيار لم يكتف بإحداث شرخ داخل المجتمع، بل تسبب أيضا في استقطاب داخل بنية الحكم نفسها”.

وأضاف بير مؤذن” فبدلا من أن يكون عونا للحكومة في هذه المرحلة الحيوية، وأن يتعامل بتعاطف ورحمة مع المجتمع الذي تضرر وحزن جراء الحادث الأليم الأخير، جاءت هذه التصرفات لتضعف قدرة الحكومة على التفاوض داخليا، وكذلك قدرة فريقها التفاوضي في مواجهة الغربيين، فيما تسعى الحكومة إلى تحقيق اتفاق رابح لكل الأطراف، غير أن التيار الأصولي، وبعد الهزيمة التي مني بها في الانتخابات الرئاسية 2024، ما زال في حالة خصومة مع الشعب والحكومة”.
وختم بالقول” يبدو أن وقت التغيير في هيئة الإذاعة والتلفزيون قد حان، وعلى الجليليين أن يغادروا الإعلام الوطني تدريجيا”، ذلك في إشارة منه لاتباع سعيد جليلي، الوجه الأصولي الأشهر في إيران.
أما على صوفي، وزير التعاون في حكومة محمد خاتمي قبل دمج الوزارة لتصبح التعاون والعمل والتضامن الاجتماعي، فقد صرح قائلا” المتشددون الذين يتخذون مواقف انتقادية تجاه الجولة الجديدة من المفاوضات، متجاهلين المشكلات الاقتصادية العديدة التي يعاني منها الناس، إنما يقلقون على مصالحهم الخاصة ولا يريدون قيام تفاعل بين إيران والعالم. هذا التيار نفسه، في عهد حكومة رئيسي، أدخل ١٥ مليون مواطن أفغاني إلى البلاد، ليستفيدوا من الدعم غير المباشر وإمكانية التعليم، في حين أن المصلحة العامة تقتضي غير ذلك”.

وأضاف صوفي ” إن هيئة الإذاعة والتلفزيون، رغم أنها تتلقى ميزانيتها من الدولة ويُفترض أن تعمل كإعلام وطني، تستضيف شخصيات لا تجيد سوى معارضة المفاوضات، وهدفها تحويل البيت الأبيض إلى حسينية، مديري الهيئة لا يدعون الشخصيات الإصلاحية لأنهم يعلمون أن حضورهم سيكشف حقيقتهم أمام الناس ولن يبقى لديهم ما يقولونه. لذلك، فإن صناع القرار في التلفزيون، دون اكتراث بكونهم يحملون صفة الوطنية، أصبحوا مجرد مكبر صوت لتيار راديكالي يمثل بوضوح أفكار شريحة ضيقة من المجتمع”.

وتابع: «إذا قرر الناس رفع صوت احتجاجهم، فلن يكون اللوم على أحد سوى أولئك الذين عبر الإفراط وتجاهل الحقائق عند رسم السياسات أوصلوا الأوضاع إلى طريق مسدود يشعر فيه المواطن أن حياته محاصرة. عندما يؤدي سوء الإدارة إلى مضاعفة أسعار السلع الأساسية مرتين أو حتى ثلاث مرات، كيف يمكن مطالبة الناس بمساندة المسؤولين؟، إن الشعب الذي أظهر صمودا لافتا خلال حرب يونيو/ حزيران 2025 وأفشل مخططات إسرائيل والولايات المتحدة، يرى من حقه الاحتجاج على الغلاء، إذا لم تجر تغييرات أساسية في الإدارة العليا للبلاد، فسنواجه حتما أزمات ستكون غير قابلة للإصلاح”.
أزمة بنيوية في الإعلام الرسمي… بين الاحتكار والشرعية
على أن الخلاف بين الرئيس وهيئة الإذاعة والتلفزيون لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع حول طبيعة هذه المؤسسة، فهي ليست تابعة للحكومة، وبالتالي لا يمكن وصفها بالتلفزيون الحكومي، وليست خاصة لأنها تموَل من الميزانية العامة، وليست مستقلة بالكامل وفق المعايير المهنية المتعارف عليها. هذا الوضع الهجين جعلها عرضة لانتقادات من اتجاهات مختلفة.
محللون يرون أن احتكار البث الإذاعي والتلفزيوني لم يعد مبررا في عصر الإعلام الرقمي، وأن هذا الاحتكار ليست له صفة قانونية، ولا مهنية، ولا يخدم مصالح البلاد أو الشعب، ولا حتى مصلحة الهيئة نفسها، كما يقترح بعضهم إطلاق شبكة إنترنت رسمية تابعة لرئاسة الجمهورية تبث خطابات الرئيس والمسؤولين مباشرة عبر المنصات الاجتماعية، بما يكسر الاحتكار ويفتح المجال لتعددية إعلامية أوسع.

في المقابل، يعتبر آخرون أن الهيئة تمارس دورا رقابيا على الحكومة، وأن التوتر جزء من توازنات النظام السياسي، غير أن هذا الرأي يواجه انتقادات حادة من الذين يرون أن الرقابة لا تعني الانتقائية أو الانحياز، ولا تبرر قطع خطاب رئيس الجمهورية أثناء بث مباشر.
وبين عبارة الرئيس “قناة الخبر ليست مهمة، نحن نقوم بعملنا”، وبين تمسك الهيئة بخياراتها التحريرية، يتجسد صراع يتجاوز الأشخاص إلى سؤال جوهري، فمن يمثل الإعلام الوطني فعلا، وكيف يمكن أن يكون وطنيا وهو لا يعكس، في نظر منتقديه، إلا صوت شريحة ضيقة من المجتمع؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل العلاقة بين الدولة والإعلام في إيران خلال السنوات المقبلة.

