- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 357 Views
في لحظات التوتر الإقليمي والتحولات الدولية المتسارعة، تتحول بعض المنصات العالمية من ساحات نقاش تقني إلى فضاءات مشحونة بالرمزية السياسية. فحين تتقاطع الأزمات الداخلية مع الاهتمام الدولي، يصبح كل ظهور، وكل تصريح، وكل صورة مادة قابلة للتأويل وإعادة البناء ضمن سرديات متنافسة. هذا ما حدث أخيرًا في إحدى أبرز المحطات الدبلوماسية السنوية، حيث تجاوزت التفاعلات حدود القاعات المغلقة لتنتقل إلى الفضاء الإعلامي المفتوح، وتغدو محورا لنقاشات محتدمة داخل دولة معنية مباشرة بمسار تلك التفاعلات.
الحدث لم يقرأ فقط من زاوية ما جرى فيه، بل من زاوية ما لم يجرِ، ومن خلال الرسائل الضمنية التي التقطها الفاعلون السياسيون والإعلاميون. وبين خطاب رسمي حاد، وسجالات رقمية متسارعة، ومحاولات توظيف رمزي للحضور الدولي، تشكّلت لوحة معقدة تعكس طبيعة الصراع على الصورة والسردية في زمن تتداخل فيه السياسة بالإعلام بشكل غير مسبوق.
مؤتمر ميونخ ٢٠٢٦… حضور بهلوي والمعارضة الإيرانية في قلب الجدل
فقد شكل مؤتمر ميونخ للأمن لهذا العام محطة سياسية حساسة في سياق الملف الإيراني، بعدما تحول من منصة دولية لمناقشة قضايا الأمن العالمي إلى ساحة جدل حول تمثيل إيران ومستقبلها السياسي، فالنسخة التي انطلقت الجمعة 13 فبراير/ شباط ٢٠٢٦ وتنتهي في 15 من الشهر نفسه، قد شهدت حضورا واسعا لقادة دول ووزراء خارجية ودفاع وخبراء أمنيين، إلا أن الاهتمام الإيراني انصب بشكل خاص على مشاركة شخصيات معارضة في فعاليات موازية على هامش المؤتمر.

جاءت أبرز هذه المشاركات لرضا بهلوي، نجل شاه إيران السابق، والذي حضر جلسة حوارية أثارت اهتماما إعلاميا ملحوظا، فبهلوي لم يكن مدعوا كطرف رسمي في أعمال المؤتمر، بل شارك في فعالية جانبية، في تفصيل اكتسب أهمية في النقاشات اللاحقة داخل إيران، فبينما سعت بعض المنصات الداعمة له إلى تصوير حضوره كاختراق سياسي مهم، رأى منتقدوه أن الطابع الهامشي للمشاركة يعكس حدود الاعتراف الدولي به.

هذا وقد شكلت المقابلة التي أجرتها كريستيان أمان بور، مراسلة قناة بي بي سي بنسختها الفارسية، مع رضا بهلوي على إحدى أبرز محطات الحدث وأكثرها تداولا، حيث ركّزت أمان بور في أسئلتها على مسائل جوهرية تتعلق بحجم القاعدة الشعبية التي يستند إليها بهلوي داخل إيران، وطبيعة البنية التنظيمية التي يعتمد عليها، فضلا عن ملامح خطته السياسية لإدارة مرحلة انتقالية محتملة، ما دفع بهلوي إلى تقديم إجابات وصفت من قبل خبراء بالعامة حول رؤيته المستقبلية دون الخوض في تفاصيل تنفيذية دقيقة.

تزامن ذلك مع تنظيم تجمع لأنصار بهلوي في مدينة ميونخ، رافقته حملة دعائية مكثفة سبقت المؤتمر بأسابيع. غير أن حجم المشاركة الفعلي أصبح موضع نقاش حاد، خاصة بعد تداول صور ومقاطع فيديو أظهرت أن الحشد لم يكن بالحجم الذي روّجت له بعض المنصات، كما برز اسم ليندسي غراهام، الذي شارك في جلسة ذات صلة بالملف الإيراني، والذي عندما سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة تعترف ببهلوي قائدا مستقبليا لإيران، جاءت إجابته بالنفي، وهي لحظة التقطتها وسائل الإعلام الإيرانية واعتبرتها دلالة سياسية مهمة على حدود الرهان الخارجي.

هذا ويذكر أن مؤتمر ميونخ للأمن تأسس عام ١٩٦٢ على يد العسكري الألماني إدوارد هاينريش فون، ويعقد سنويا في فندق بايريشر هوف بمدينة ميونخ، ورغم أنه لا يصدر قرارات رسمية ملزمة، فإنه يعد من أبرز المنصات العالمية للحوار حول قضايا الأمن والسياسة الدولية، ويشارك فيه رؤساء دول ووزراء وخبراء من مختلف أنحاء العالم، ما يمنحه وزنا رمزيا وإعلاميا كبيرا.
موجة الانتقادات في الداخل الإيراني… من سيرك ميونخ»إلى التشكيك في الأرقام
هذا وقد أثار المؤتمر موجة انتقادات رسمية وإعلامية واسعة داخل إيران، بدأت بتصريحات وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الذي وصف الحدث بأنه قد تحول إلى سيرك ميونخ، حيث كتب عراقجي على حسابه منصة إكس، السبت 14 فبراير/ شباط 2026، إن مؤتمر ميونخ للأمن الذي كان ينظر إليه كمنصة دولية جادة، تحول فيما يخص الملف الإيراني إلى سيرك، معتبرا أن طغيان العروض الإعلامية على المضمون السياسي يعكس تراجعا في مستوى النقاش.

وتابع عراقجي أن الاتحاد الأوروبي يبدو في حالة ارتباك، مرجعا ذلك إلى عجزه عن فهم ما يجري داخل إيران، وأضاف أن أوروبا، من منظور استراتيجي، فقدت وزنها الجيوسياسي في المنطقة، واصفا إياها بأنها بلا هدف في مقاربتها للملفات الإقليمية.
كما وجه وزير الخارجية الإيراني انتقادا مباشرا إلى ألمانيا، معتبرا أنها تقود مسار التسليم الكامل لسياستها الإقليمية إلى إسرائيل، وهو ما يعكس، بحسب قوله، تراجع استقلالية القرار الأوروبي. واعتبر أن المسار العام للقارة الأوروبية مقلق للغاية، على حد تعبيره.
وأوضح عراقجي أن النتيجة العملية لهذا الوضع تتجلى في حالة الشلل وعدم الأهمية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي والترويكا الأوروبية (E3) فيما يتعلق بالمفاوضات الجارية حول البرنامج النووي الإيراني، مشيرا أن أوروبا، والتي كانت في وقت سابق طرفا رئيسيا في هذه المحادثات، لم يعد لها حضور مؤثر، في حين أن أصدقاء إيران في المنطقة باتوا، وفق وصفه، أكثر فاعلية وفائدة من ترويكا أوروبية وصفها بأنها هامشية وخالية الوفاض.
تلك التصريحات لم تكن مجرد تعليق عابر، بل عكست، حسب قراءات صحفية، استياء من تغييب طهران عن منصة تناقش ملفات تمسها مباشرة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والتوازنات الإقليمية، فداخل الخطاب الرسمي، برزت فكرة أن استبعاد المسؤولين الإيرانيين يضعف من فرص الحوار المباشر ويحول المؤتمر إلى ساحة استعراض سياسي أكثر منه منتدى نقاشي متوازن.
الانتقادات لم تتوقف عند هذا الحد، بل امتدت إلى التشكيك في حجم التجمعات التي رافقت المؤتمر، فقد تداولت بعض المنصات التابعة للمعارضة الإيرانية في الخارج أرقاما مرتفعة حول عدد المشاركين في تجمع ميونخ وصلت إلى ربع مليون، في حين أظهرت تقارير لاحقة، منها ما نشرته صحيفة فرهيختجان الأصولية في عددها الصادر الأحد 15 فبراير/ شباط 2026، تباينا واضحا بين العناوين الرئيسية ومتن الأخبار، التناقض الذي فتح بابا واسعا للجدل حول ما إذا كانت هناك مبالغة إعلامية متعمدة.


بدوره، علق عزت الله ضرغامي، السياسي الأصولي، على حضور، وذلك عبر حسابه على منصة إكس، حيث كتب” لم يسمح لوالده بدخول مؤتمر طهران، وهو نفسه وضع في مؤتمر ميونخ في غرفة جانبية، حيث تم إشغاله مع سيناتور أمريكي من الصف الثاني، فقط ليقال له صراحة إن ترامب لا يدعمه! هذا كل ما في الأمر! لقد أضاعوا هيبة إيران بهذه المعارضة”.

كما انتقد بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي ما وصفوه بمحاولة تصوير الحدث كتحول تاريخي في مسار المعارضة، معتبرين أن تضخيم الأرقام لا يعوض غياب تمثيل رسمي أو اعتراف دولي صريح. في المقابل، رأى أنصار المعارضة أن مجرد تنظيم فعالية في مدينة تستضيف حدثا دوليا بهذا الحجم يحمل دلالة سياسية بحد ذاته، حتى لو اختلفت التقديرات الرقمية.
بين الرمزية السياسية وحدود التأثير
من منظور تحليلي، يكشف ما جرى في ميونخ عن تباين واضح بين قوة الرمزية وضعف التأثير المؤسسي. فالمعارضة الإيرانية في الخارج حاولت استثمار حدث عالمي ذي صدى واسع لإبراز حضورها، مستفيدة من الاهتمام الإعلامي الذي يحظى به مؤتمر ميونخ سنويا. غير أن تحويل هذا الحضور الرمزي إلى نفوذ سياسي ملموس يظل تحديا قائما.
في المقابل، أظهر رد الفعل الرسمي الإيراني حساسية تجاه أي محاولة لتناول الشأن الإيراني في غياب ممثليه، فتوصيف المؤتمر بعبارات حادة يعكس إدراكا بأن الساحة الإعلامية أصبحت جزءا من معركة النفوذ، حيث تصاغ الانطباعات بقدر ما تناقش السياسات، هذه الحساسية تعكس أيضا خشية من أن تتحول المنصات الدولية إلى أدوات ضغط غير مباشر.

الجدل حول الأرقام يظهر بدوره طبيعة الصراع في العصر الرقمي، فالصورة المتداولة على وسائل التواصل قد تحدث أثرا يفوق بيانات رسمية مطوّلة. وفي مثل هذه السياقات، تصبح زاوية الكاميرا وطريقة عرض المعلومة جزءا من الخطاب السياسي. لذلك، لم يكن الخلاف حول عشرات الآلاف أو مئات الآلاف مجرد مسألة حسابية، بل صراعًا على السردية.
أما الموقف الأمريكي، كما تجلى في تصريحات ليندسي غراهام، فيعكس منطق الواقعية السياسية الذي يحكم العلاقات الدولية، فالدول الكبرى تميل إلى تجنب التزامات مسبقة تجاه شخصيات أو مشاريع سياسية لم تتبلور داخليا بعد. وهذا يضع المعارضة أمام معادلة صعبة: إما بناء شرعية داخلية قابلة للقياس، أو الاكتفاء بحضور إعلامي عابر.

