الإنترنت في إيران بين القرار السياسي والهاجس الأمني

Image

تشهد إيران واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ إدارتها للفضاء الرقمي، في ظل انقطاع واسع وممتد لخدمات الإنترنت منذ بداية موجة الاحتجاجات في أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025، الأمر الذي أثار جدلا داخليا وخارجيا حول دوافعه، وتداعياته، ومستقبله، فمع تكرار قطع الإنترنت أو تقييده خلال الأزمات، لم يعد الملف تقنيا بحتا، بل تحول إلى قضية سياسي أمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة، تمس حياة ملايين المواطنين ومصالح الدولة في آن واحد. وفي هذا السياق، برزت تصريحات رسمية وتحذيرات سياسية وتحليلات تقنية، تكشف عن حجم التعقيد الذي بات يحيط بملف الإنترنت في البلاد.

تصريحات مساعد رئيس الجمهورية… وعود بالعودة التدريجية

في خضم هذا الجدل، قال حسين أفشين، مساعد رئيس الجمهورية للشؤون العلمية والتقنية، في تصريحات رسمية الإثنين 19 يناير/ كانون الثاني 2026 حاول من خلالها طمأنة الرأي العام بشأن مستقبل الإنترنت، فقد أكد أفشين أن الحكومة تعمل على إعادة الإنترنت إلى وضعه الطبيعي في أقرب وقت ممكن، مشيرا إلى أن القرار النهائي مرتبط بتقديرات أمنية عليا، لكنه شدد على أن التوجه العام داخل الحكومة هو استعادة الاتصال الشامل تدريجيا.

Image

وأوضح أفشين أن القطع الأخير قد ألحق أضرارا مباشرة بالشركات المعرفية والاقتصاد الرقمي، معتبرا أن هذه الفئة كانت الأكثر تضررا بسبب اعتمادها شبه الكامل على الاتصال المستمر بالإنترنت، وأشار إلى أن الحكومة تدرك هذه الخسائر ولذلك تعمل بالتوازي على إعداد حزم دعم لتعويض الشركات المتضررة، خصوصا الصغيرة والمتوسطة العاملة في مجالات التكنولوجيا والابتكار.

كما أكد مساعد رئيس الجمهورية أن بعض الشركات الكبرى منحت عناوين اتصال ثابتة (IP ثابت) لضمان استمرار الحد الأدنى من الأنشطة الحيوية، خاصة في القطاعات المصرفية والخدمية، مضيفا أن هذا الإجراء جاء بتوجيه مباشر من رئاسة الجمهورية، لضمان عدم انهيار الخدمات الأساسية أثناء الأزمة.

وفيما يتعلق بمستقبل الإنترنت، قال أفشين إن الحكومة أعلنت سابقا أن إعادة الخدمة ستتم على مراحل، موضحا أن الظروف الأمنية قد تفرض أحيانا قرارات استثنائية، إلا أن الهدف النهائي هو عودة الإنترنت السريع والمفتوح إلى عموم المواطنين، وشدد على أن الحكومة لا ترى في القطع الدائم حلا، بل تعتبره إجراء مؤقتا مرتبطا بظروف محددة.

كما تطرق أفشين خلال حديثه إلى مسألة الأرقام المتداولة حول حجم الخسائر، نافيا صحة التقديرات التي تحدثت عن أضرار ضخمة بمليارات الريالات، مؤكدا أن الخسائر أقل بكثير مما يشاع، وأن التقييم الدقيق يحتاج إلى وقت ودراسات تفصيلية.

تحذيرات أبطحي… البعد النفسي والاجتماعي في الصدارة

في مقابل الخطاب الحكومي الرسمي، برز صوت سياسي إصلاحي محذر من التداعيات العميقة لاستمرار قطع الإنترنت، حيث حذر محمد علي أبطحى من أن استمرار انقطاع الإنترنت لا يقتصر أثره على الجانب التقني أو الاقتصادي، بل قد يؤدي إلى خلق أزمة جديدة ذات أبعاد أمنية ونفسية واجتماعية.

كذلك، أشار أبطحى إلى أن قطع الإنترنت تكرر أكثر من مرة خلال عهد الحكومة الحالية، وأن هذه القرارات ليست جديدة، بل سبق أن اتخذت في حكومات سابقة، وغالبا ما تصدر عن مؤسسات أمنية أكثر من كونها قرارا سياسيا صرفا، لكنه شدد على أن تكرار هذا الأسلوب يعكس فشلا في إيجاد حلول أكثر توازنا لإدارة الأزمات.

وأوضح أبطحى أن أخطر ما في استمرار القطع هو تأثيره على نفسية الجيل الجديد، معتبرا أن هذا الجيل يعيش في فضاء التواصل الرقمي، وأن الإنترنت بالنسبة له ليس ترفا بل جزءا من الحياة اليومية، كما بين خلال حديثه أن حرمان الشباب من هذا الفضاء قد يدفعهم إلى الشعور بالإحباط والعزلة، وربما إلى سلوكيات أكثر خطورة.

وأضاف أن الأهالي باتوا يشعرون بقلق متزايد على أبنائهم في ظل غياب الإنترنت، إذ ينظر إلى البقاء في المنازل دون اتصال بالعالم الخارجي بوصفه حالة خانقة، خصوصا بعد أحداث عنف شهدتها البلاد، وأكد أن الإنترنت، رغم مخاطره، كان يشكّل متنفسًا اجتماعيگ ونفسيه لشريحة واسعة من الشباب.

Image

كما حذر أبطحى من أن قطع الإنترنت يمنح الفضاء الإعلامي العالمي بالكامل لأصوات متشددة معارضة، في حين تحرم الأصوات المعتدلة داخل إيران من إيصال وجهات نظرها إلى الخارج، ووفق لتصريحاته فإن فتح الفضاء الرقمي يخدم حتى صورة الدولة نفسها، لأنه يسمح بتعدد الروايات بدل احتكار السرد من طرف واحد.

وختم أبطحى مداخلاته حديثه على ضرورة الاستجابة السريعة لمطالب إعادة الإنترنت، داعيا الجهات المعنية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي، إلى التعامل مع الملف بمنطق سياسي اجتماعي شامل لا بمنطق أمني ضيق.

الأضرار المتراكمة لقطع الإنترنت… من الاقتصاد إلى الأمن السيبراني

حسب خبراء في الفضاء الرقمي والأمن السيبراني استشهدت بهم وكالة خبر أونلاين في تقريرها الثلاثاء 20 يناير/ كانون الثاني 2025، فقد أظهرت التجربة أن استمرار قطع الإنترنت في إيران لا يمر من دون كلفة باهظة على مختلف المستويات، فعلى الصعيد الاقتصادي، تضررت آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة، خصوصا في مجالات التجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، والعمل الحر، حيث يعتمد ملايين الإيرانيين على الإنترنت كمصدر دخل أساسي.

Image

بالإضافة إلى ذلك، فقد أدى الانقطاع إلى شلل شبه كامل في أنظمة الدفع الإلكتروني، وتعطل منصات البيع عبر الإنترنت، ما انعكس مباشرة على سلاسل التوريد والاستهلاك، كما تكبد قطاع الإعلانات الرقمية، والنقل الذكي، والخدمات المصرفية الإلكترونية خسائر يصعب تعويضها في المدى القصير.

أما اجتماعيا، فقد عمق القطع حالة العزلة بين الأفراد، وقيد قدرة الناس على التواصل مع أقاربهم داخل البلاد وخارجها، وتفاقمت هذه العزلة مع القيود المفروضة على المكالمات الدولية والرسائل النصية، ما خلق شعورا عاما بالانفصال عن العالم.

وعلى المستوى الأمني، يشير خبراء التقنية في تصريحهم لخبر أونلاين إلى أن قطع الإنترنت لا يعني بالضرورة زيادة الأمن، بل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، فالعزل الرقمي يقلل من حركة المرور العامة على الشبكة، ما يجعل البنى التحتية الحكومية والعسكرية أكثر قابلية للرصد والاستهداف من قبل جهات خارجية، ويحذر مختصون في الأمن السيبراني من أن تقليص الاتصال بالإنترنت العالمي يعطل التحديثات الأمنية الأساسية، مثل تحديثات أنظمة التشغيل وقواعد بيانات البرمجيات المضادة للفيروسات، وهذا يفتح الباب أمام استغلال الثغرات الأمنية القديمة، ويجعل الأنظمة أكثر عرضة للاختراق.

Image

كما أن قطع الإنترنت يدفع المستخدمين إلى البحث عن بدائل غير آمنة، مثل برامج كسر الحجب غير الموثوقة، أو الشبكات الخاصة الرديئة، التي قد تحتوي على برمجيات خبيثة، وفي هذا السياق، تتحول فترات الانقطاع إلى فرص ذهبية للقراصنة الأجانب لاختراق أجهزة المستخدمين وسرقة بياناتهم.

ويشير خبراء إلى أن بعض الهجمات السيبرانية المتقدمة تستفيد من الفوضى التقنية الناتجة عن الانقطاع، حيث تقل القدرة على المراقبة اللحظية، ويصعب التنسيق بين الفرق الفنية، وبهذا الشكل، فإن ما يفترض أنه إجراء أمني، قد يتحول عمليا إلى نقطة ضعف استراتيجية.

مستقبل الإنترنت في إيران… بين الإنترنت الوطني والاتصال العالمي

يثير استمرار القيود تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإنترنت في إيران، خاصة مع تزايد الحديث عن مشاريع مثل الإنترنت الوطني، هذه المشاريع، حسب المراقبين، تهدف إلى توفير خدمات داخلية مستقلة عن الشبكة العالمية، مع فرض رقابة مشددة على المحتوى والاتصال الخارجي.

وتشير تقارير تقنية إلى أن البنية التحتية لهذا النموذج باتت جاهزة إلى حد كبير في إيران، وأن ما يعرف بالإنترنت الأبيض، شرائح كانت تمنح للنواب والمسئولين الحكوميين غير مطبق عليها الحظر وقد سببت أزمة في الداخل الإيراني كأحد أوجه التمييز في الوصول للشبكة العالمية، يمثل نموذجا أوليا له، حيث يمنح بعض المستخدمين المختارين وصولا جزئيا أو كاملا إلى الإنترنت العالمي وفق تصاريح خاصة.

ويرى محللون أن إيران قد تتجه إلى نموذج هجين، يجمع بين السيطرة الصارمة على المحتوى كما في الصين، وإمكانية الفصل الكامل عن الإنترنت العالمي في أوقات الأزمات كما تخطط له روسيا، إلا أن تطبيق مثل هذا النموذج بشكل دائم يواجه تحديات كبيرة، من بينها الكلفة الاقتصادية، والضغوط الاجتماعية، والصعوبات التقنية.

في المقابل، يرى فريق آخر من الخبراء أن العودة الكاملة إلى الإنترنت المفتوح ستظل خيارا لا مفر منه على المدى الطويل، بسبب اندماج الاقتصاد الإيراني، ولو جزئيا، في الاقتصاد العالمي، واعتماد قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والبحث العلمي على الاتصال الدولي، كما أن التطورات التقنية، مثل الإنترنت الفضائي منخفض المدار، وشبكات الاتصال اللامركزية، تقلل من قدرة أي دولة على فرض عزلة رقمية كاملة، وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن بعض المستخدمين تمكنوا من تجاوز الانقطاع عبر وسائل بديلة، رغم محاولات التشويش والمنع.

وفي المحصلة، يبدو أن ملف الإنترنت في إيران سيبقى مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين الانفراج التدريجي والتشديد المرحلي، غير أن المؤكد هو أن إدارة هذا الملف لم تعد شأنا تقنيا فقط، بل باتت اختبارا لقدرة الدولة على الموازنة بين الأمن، وحقوق المواطنين، ومتطلبات العصر الرقمي.

الإنترنت كمرآة للأزمة الأوسع

يعكس الجدل حول الإنترنت في إيران أزمة أعمق تتعلق بإدارة التحولات الاجتماعية والتكنولوجية في مجتمع شاب ومتصل بطبيعته، فبين وعود المسؤولين، وتحذيرات السياسيين، ومخاوف الخبراء، يتضح أن الحلول الأحادية لم تعد كافية، وأن أي مقاربة مستقبلية تحتاج إلى رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار الإنسان، والاقتصاد، والأمن، معا، وفي ظل عالم يتجه نحو مزيد من الترابط، يبقى السؤال المطروح هل ستختار إيران طريق الانفتاح المنضبط، أم ستغامر بعزلة رقمية قد تكون كلفتها أعلى بكثير مما تتصور؟

كلمات مفتاحية: