- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 1008 Views
كتب: الترجمان
واجه الاقتصاد الإيراني في عام 2025 تحديات غير مسبوقة، تتقاطع فيها أزمة التضخم، والركود الاقتصادي، وعجز موازنة هيكلي، مع بيئة خارجية مشحونة بالعقوبات وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
ففي ظل ارتفاع معدلات التضخم النقطي لأكثر من 50%، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي للقطاعات الحقيقية، يبدو المواطن الإيراني محاصرا بين تآكل القدرة الشرائية وتنامي البطالة، في وقت تسعى الحكومة لإعداد موازنة 2026 وفق مبادئ الانضباط المالي وإجراءات الإصلاح.
الاقتصاد الإيراني، برغم كل الضغوط، يمتلك إمكانات هائلة للانتعاش المستدام؛ من الموارد الهيدروكربونية الضخمة، والقوى العاملة الشابة والمتعلمة، إلى موقعه الجيوستراتيجي الذي يجعله مركزا محوريا للتجارة الإقليمية.
هذا التقرير يهدف إلى تقديم صورة متكاملة للوضع الاقتصادي الحالي في إيران، مع تحليل اتجاهات التضخم، أداء القطاعات، الموازنة، والسيناريوهات المستقبلية المحتملة.
التضخم، السقف التاريخي
تشير مراجعات صحيفة دنيای اقتصاد إلى أن معدل التضخم النقطي يصل بنهاية العام إلى 55.6%، وهو رقم قياسي في تاريخ الاقتصاد الإيراني. حتى في السيناريو الأكثر تفاؤلا، يقدر التضخم عند 53.1%، مما يؤكد أن عام 2025 يُسجل كواحد من الأعوام الأعلى في نمو الأسعار الاستهلاكية.
تقرير مركز الإحصاء الإيراني لشهر ديسمبر/كانون الأول 2025 يعكس زيادة واضحة في التضخم الشهري فقد قفز التضخم الشهري إلى 4.2% مقارنة بـ3.4% في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
أما التضخم النقطي 52.6% بزيادة 3.2 نقاط مئوية عن الشهر السابق، والتضخم المتوسط 42.2%، وهو ارتفاع بمقدار 1.8 نقطة مئوية.
وترجع الأسباب الرئيسية لاستمرار التضخم المرتفع إلى نمو المتغيرات النقدية نتيجة استدانة الحكومة من البنك المركزي، وانخفاض الإيرادات من العملة الصعبة بفعل هبوط أسعار النفط وقيود العقوبات، وزيادة المخاطر السياسية والاضطرابات بعد الحرب، ما أثر على توقعات الأسواق وزاد الضغوط التضخمية.

ارتفاع أسعار السلع الأساسية
الأزمة التضخمية لم تقتصر على الأرقام، بل امتدت لتصل إلى المعيشة اليومية للمواطن الإيراني، خصوصا في الغذاء والطاقة على النحو التالي:
تضخم الأغذية والمشروبات: 72.3%
الأغذية الطازجة: 63.3%
الأغذية الأخرى: 85.3%
الخبز والحبوب: 112.7%
الفواكه والمكسرات: 113.3%
المياه والكهرباء والوقود: 78.4%
وعلى صعيد التضخم الشهري:
الحليب والجبن والبيض: 10.2%
وسائل النقل: 10.8%
الاتصالات: 10.1%
الخبز والحبوب: 7.7%
كما لوحظ أن التضخم في المناطق الريفية يفوق الحضرية بنحو نقطة مئوية، مما يبرز الفجوة الاجتماعية بين الريف والحضر ويؤثر على الأمن الغذائي للفئات الأكثر هشاشة.
الركود الاقتصادي وتأثيره على القطاعات الحقيقية
رغم التضخم القياسي، سجل الناتج المحلي الإجمالي انخفاضا في النصف الأول من عام 2025 فمع النفط: -0.6%، وبدون النفط: -0.8%.
هذا الانكماش يعكس ضعف الطلب المحلي، وتراجع الاستثمار، وارتفاع عدم اليقين. أما أداء القطاعات، فيوضح عمق الركود على النحو التالي:
الزراعة: -2.9%، متأثرة بالعوامل المناخية والقيود على المدخلات.
الصناعة والمناجم: -3.4%، مع تراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف الطاقة.
البناء والإنشاءات: -12.9%، وهو أسوأ أداء منذ سنوات، ما يعكس ضعف القدرة الشرائية وارتفاع أسعار المواد التمويلية.
قطاع النفط سجل نموا محدودًا بنسبة 1.1%، لكن هذا النمو لم يكن كافيا لتعويض الانخفاض في القطاعات الأخرى، مما يزيد من القلق بشأن توازن الاقتصاد الكلي.

عجز الموازنة والضغط على السيولة
توضح ميزانية 2025 أن العجز الهيكلي يبلغ نحو 7 مليارات، أي حوالي 10% من إجمالي السيولة.
الموارد:
الضرائب والإيرادات الداخلية: 11.5 مليار دولار–12.1 مليار دولار
النفط والغاز: 12.8 مليار دولار–13.9 مليار دولار
موارد أخرى: 2.7 مليار دولار–3.4 مليار دولار
النفقات:
النفقات الجارية: 32 مليار دولار–34.7 مليار دولار
الموازنة الإنمائية: 2 مليار دولار–3.4 مليار دولار
ولتغطية العجز، تستخدم الحكومة أدوات مختلفة منها بيع الأصول، وإصدار السندات والديون، والاقتراض من البنك المركزي، والموارد المصرفية وشبه النقدية.
في المجمل، يمكن سد العجز، لكن تكلفة ذلك على التضخم والقوة الشرائية كبيرة، ما يزيد من الضغط على الأسر الإيرانية.
سياسات الحكومة والبرلمان
صرح محمد قاسمي، نائب رئيس منظمة التخطيط والموازنة، أن موازنة 2026 ستعتمد على الانضباط المالي والحد من تأجيج التضخم، مع التركيز على إدارة دقيقة للموارد والنفقات، والحد من تأثير السندات على القطاع الخاص، وأولويات واضحة للمشاريع الإنمائية، وضبط الضرائب وفق ثلاثة معايير: التضخم، والربحية، والنمو
في المقابل، حذر النائب في البرلمان الإيراني ميثم ظهوريان من أن اضطرابات سوق العملة وفجوات التخصيص يمكن أن تستمر في تفاقم التضخم إذا لم تُنفذ إصلاحات هيكلية، خاصة في الاستيراد والعملات الأجنبية.

الأداء الدولي والقيود الخارجية
وفق بيانات صندوق النقد الدولي، من المتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 0.6%، بينما يرى البنك الدولي أن الاقتصاد يشهد انكماشا يصل إلى -1.7% في 2025، و-2.8% في 2026. ويظل الاقتصاد الإيراني مهمشا في الأسواق العالمية بسبب العقوبات التي تحد من صادرات النفط بنسبة 80% وتقيد الوصول إلى الاحتياطيات النقدية.
ورغم كل التحديات، يملك الاقتصاد الإيراني محددات نمو قوية مثل احتياطيات الطاقة فالنفط 10% عالميا، والغاز 15%.. ولدى إيران عمالة شابة ومتعلمة فمتوسط العمر 32 سنة، وهي قوة بشرية تزيد عن 38 مليون شخص.
إضافة إلى التجارة الإقليمية، فإيران تصدر إلى الصين 36% من الصادرات، وإلى الجيران 50%.. إضافة إلى القطاعات غير النفطية مثل البتروكيماويات، والفستق، والسياحة، وتكنولوجيا المعلومات، والسيارات، والصناعات الثقيلة.
يمكن لهذه الإمكانات، إذا أُديرت بشكل صحيح، أن تحقق نموا سنويا 4–5% مع تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

نقاط الضعف والإصلاحات الضرورية
تظل نقاط الضعف التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني هي العقوبات الأمريكية وتأثيرها على النفط والأسواق المالية، والتضخم المزمن وتأثيره على القوة الشرائية والفقر، وانقطاع الطاقة وأزمة الكهرباء والمياه.
إضافة إلى الفساد الإداري، حيث تحتل إيران المرتبة 149 عالميا، والإعانات المشوهة للسوق، التي تزيد العجز إلى 2.7% من الناتج المحلي.
لكن هناك بعض الإصلاحات الضرورية التي يمكنها أن تسهم في مسيرة الاقتصاد وتشمل، إعادة إحياء الاتفاق النووي لتسهيل التصدير، والانضمام إلى مجموعة العمل المالي (FATF) لضمان الشفافية المالية، وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، واستثمار فعال في الطاقة والمياه ومكافحة الفساد.
جدير بالذكر أن الاقتصاد الإيراني في عام 2025 ليس في هاوية الانهيار الكامل، لكنه بالتأكيد يواجه أزمة مركبة. تضخم يتجاوز 50%، ركود اقتصادي في القطاعات الحقيقية، وعجز موازنة واسع يشكل تحديا حقيقيا للحكومة.
ومع ذلك، لا تزال هناك آفاق للنمو المستدام إذا ما أُعيد تفعيل السياسات الإصلاحية، وتم استغلال الموارد الطبيعية والبشرية بذكاء، مع تعزيز الشفافية المالية والانفتاح الجزئي على الأسواق العالمية.
في السيناريو الإيجابي، يمكن للنمو السنوي أن يصل إلى 4%، مع تحسين القوة الشرائية والحد من الفقر، بينما سيناريو التراخي والإدارة التقليدية سيؤدي إلى استمرار دورة الركود التضخمي.
يبقى الواقع الإيراني رمادي اللون، مقاوم بما يكفي لمواجهة الضغوط الخارجية، لكنه منهك بفعل السياسات الداخلية والتحديات الهيكلية. الحل الأمثل يكمن في مزيج من الانضباط المالي، والإصلاح الهيكلي، وإدارة الموارد البشرية والطبيعية بكفاءة. هذا التقرير يدعو إلى الواقعية والبراغماتية: لا استسلام لليأس، ولا غرق في الخيال، بل اتخاذ خطوات عملية نحو اقتصاد أكثر عدلاً واستدامة.

