- زاد إيران - المحرر
- 377 Views
كتب: الترجمان
تحولت جلسة البرلمان الإيراني، الأحد 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، التي خُصصت لمناقشة ودفاع الحكومة عن لائحة موازنة عام 2026، إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة بين رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان وعدد من النواب، عكست عمق التوتر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ليس فقط حول مضامين الموازنة، بل أيضا حول أسلوب الخطاب وحدود الصلاحيات وهيبة البرلمان.
فبينما سعى بزشكيان إلى إضفاء طابع ديني–أخلاقي على كلمته، مستندا إلى آيات قرآنية ومعارف دينية، رأى نواب أن الجلسة انحرفت عن مسارها الأساسي، في وقت يعيش فيه الإيرانيون واحدة من أصعب أزماتهم المعيشية.
هذا المنبر ليس مكانا للمواعظ
أبرز الانتقادات جاءت على لسان النائب جليل مير محمدي، الذي وجّه تنبيها رسميا استنادا إلى المادة 22 من اللائحة الداخلية، محذرا مما اعتبره مساسا بهيبة البرلمان.
وقال مير محمدي، وفق ما نقلته وكالة خبر أونلاين، إن «منبر البرلمان ليس مكانا لوعظ النواب»، مؤكدا أن توقيت الخطاب جاء في لحظة بالغة الحساسية يتم فيها تحديد مصير إيرادات البلاد ومصروفاتها لعام كامل.
وأضاف أن استناد رئيس الجمهورية إلى الآيات القرآنية في مخاطبة النواب يضع مكانة البرلمان موضع تساؤل ويستوجب التنبيه.
ولم يتوقف اعتراضه عند الشكل، بل طاول المضمون، مشيرا إلى أن المخاطب بتوجيهات القيادة هو رئيس الجمهورية ووزراء الحكومة، لا البرلمان، الذي – على حد تعبيره – “واكب الحكومة في كل المحطات الضرورية”.

المعيشة في الصدارة… والميزانية في قفص الاتهام
في مداخلة حملت طابعا اجتماعيا حادا، شدد النائب مير محمدي على أن الإيرانيين يواجهون أزمات معيشية خانقة، من ارتفاع تكاليف العلاج، وصعوبة الحصول على الدواء، إلى قصور التغطية التأمينية، متسائلا عن جدوى «المواعظ» في ظل هذه الوقائع.
وختم مداخلته بمطالبة رئيس البرلمان بتوجيه تنبيه رسمي لرئيس الجمهورية، معتبرا أن الموازنة المطروحة، خلافا لما يروّج له بزشكيان، لا تتبنى رؤية حقيقية لمعالجة الأزمة المعيشية.
انتقادات من زاوية معاكسة: الدفاع عن الخطاب الديني
في المقابل، لم تقتصر الانتقادات على مضمون الخطاب، بل ظهرت مداخلات أخرى انطلقت من زاوية مختلفة، ركزت على ما اعتبرته تناقضا داخل الحكومة نفسها.
فقد أكد النائب علي جعفري آذر، في تنبيه على ضرورة إرساء اقتصاد عادل وفق الموازين الإسلامية. ورغم إشادته بتأكيد بزشكيان المتكرر على القرآن ومعارف أهل البيت، إلا أنه أشار بوضوح إلى وجود مسؤولين حكوميين «لا يؤمنون بهذه الرؤية»، بل يعتبر بعضهم – بحسب قوله – أن القرآن مجرد تجربة شخصية للنبي.
وحذّر جعفري آذر من أن غياب الانسجام العقائدي داخل الحكومة والأجهزة التنفيذية يجعل الخطاب الديني بلا أثر عملي، مطالبا الرئيس بالاستعانة بأشخاص يؤمنون بإدارة الدولة على أساس ديني.
الاقتصاد يفرض نفسه مجددا
وفي مداخلة أخرى، أعاد جعفري آذر تسليط الضوء على الواقع المعيشي، مؤكدا أن الموظفين، والقوات المسلحة، وشرائح واسعة من الشعب يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة، في وقت لا يبدي فيه بعض المسؤولين الحكوميين اهتماما كافيا بهذه الأوضاع.
كما ذكّر بملفات الاستجواب وسحب الثقة، مشددا على أن الشارع الإيراني ينتظر من البرلمان موقفا عمليا، وإجراءات دستورية قادرة على إحداث تغيير ملموس.
الذين كتبوا لك هذا النص قد خانوك
الانتقادات بلغت ذروتها مع تصريحات النائب محسن زنكنه، الذي خاطب بزشكيان بلهجة مباشرة قائلا: “سيد بزشكيان! الذين كتبوا لك هذا النص قد خانوك وأهانوا شعور الأمة”.
واعتبر زنكنه أن توصيف الموازنة بأنها «انكماشية» ليس سوى غطاء لتمرير أهداف فريق اقتصادي يعترف – بحسب قوله – بعجزه عن خفض التضخم أو كبح سعر العملة، مكتفيا باللجوء إلى سياسات «البطاقات التموينية».
وذهب أبعد من ذلك، مؤكدا أن موازنة 2026 لا ترتبط ببرنامج التنمية السابع فحسب، بل تتعارض جذريا مع أهدافه.
مشهد سياسي مكثف ورسائل متعددة
وعكست الصور التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية، وخصوصا وكالة خبر أونلاين وتابناك، حجم التوتر داخل القاعة، حيث ظهر بزشكيان محاطا بحلقة من النواب، فيما بدت نقاشات جانبية مكثفة بين كبار المسؤولين، في مشهد لافت خلال إلقاء الرئيس كلمته.

تكشف هذه الجلسة أن الخلاف لم يعد محصورا في أرقام الموازنة، بل امتد إلى فلسفة الحكم، وأسلوب الخطاب، وحدود العلاقة بين البرلمان والحكومة.
وبين من يرى في خطاب بزشكيان خروجا عن مقتضيات اللحظة الاقتصادية، ومن يعتبر أن المشكلة في فريقه التنفيذي لا في كلماته، تبدو موازنة 2026 مرشحة لأن تكون ساحة اختبار مبكرة لقدرة الرئيس على إدارة التوازنات السياسية في مرحلة تتزايد فيها الضغوط المعيشية والبرلمانية معا.

