السفير الإيراني في بغداد… تحذيرات أمنية ومبادرة تعيد طرح أمن الخليج

Image

لم يعد ملف الأمن الإقليمي في الخليج حكرا على الترتيبات العسكرية التقليدية أو التحالفات العابرة للحدود، بل بات موضوعا مفتوحا لإعادة النقاش في ضوء التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، فبعد سنوات من التصعيد، والحروب غير المباشرة، وتراكم الأزمات، بدأت تبرز مقاربات مختلفة تسعى إلى معالجة جذور التوتر بدل الاكتفاء بإدارته.

يأتي هذا الحراك في ظل تراجع نسبي لفاعلية الأدوات العسكرية وحدها، وارتفاع كلفة الصدام على جميع الأطراف، بالتوازي مع تنامي الحاجة إلى الاستقرار كشرط أساسي للتنمية. وفي هذا السياق، عادت إلى الواجهة أفكار قديمة بصيغ جديدة، تقوم على الحوار الإقليمي، وإشراك دول المنطقة نفسها في صياغة أمنها الجماعي.

السفير الإيراني في بغداد يفتح الملفات الشائكة

خلال لقاء صحفي أجراه محمد كاظم آل صادق، السفير الإيراني في بغداد، مع شبكة دجلة الفضائية العراقية، السبت 27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قال إن طهران رصدت رحلات تجسسية أمريكية كانت تستخدم الأجواء العراقية لمراقبة الأراضي الإيرانية، محذرا من أن الولايات المتحدة تدعم تحركات جوية إسرائيلية داخل الأجواء العراقية، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار في المنطقة، وأضاف آل صادق أن هذه التهديدات تأتي في وقت جددت فيه إيران استعدادها الكامل للرد على أي عمل عدائي، مشددا في الوقت نفسه على أن طهران تؤكد احترامها لسيادة العراق وقرارات حكومته، وتحرص على عدم المساس باستقلاله أو زجه في صراعات إقليمية.

Image

حصر السلاح بيد الدولة… بين النضج السياسي والمخاوف 

وفيما يتعلق بملف نزع سلاح فصائل المقاومة العراقية، أوضح السفير الإيراني أن المبادرات التي أطلقتها بعض هذه الفصائل بهدف حصر السلاح بيد الدولة تعبر عن وصولها إلى مرحلة من النضج السياسي والعسكري، وستمكن الدولة من اتخاذ قراراتها بشكل مستقل ودون إملاءات خارجية، فيما أوضح أن هذه الفصائل لا تزال مترددة إزاء مسألة نزع السلاح بسبب مخاوفها من العواقب المحتملة، مشيرا إلى أن العلاقة بين إيران وهذه الفصائل علاقة تاريخية وقديمة، لكنها اليوم باتت قادرة على اتخاذ قراراتها دون تدخل من الآخرين، وبما يتوافق مع تقديرها للواقع العراقي.

وبين آل صادق أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة قضية مطروحة في جميع دول العالم، وتسعى الحكومات من خلالها إلى أن يكون السلاح داخل أراضيها بيد سلطاتها السيادية، وأشار إلى أن هذه القضية طرحت مؤخرا من قبل بعض الحركات وفصائل المقاومة عبر بيانات مختلفة، أكدت فيها عدم معارضتها للمبدأ، مع الإشارة إلى وجود تحفظات وهواجس، أبرزها أن بقاء القوات الأجنبية على الأراضي العراقية يجعل من حصر السلاح أمرا غير مقبول في نظرها، مشددا على أن الأهم هو تفاعل هذه الفصائل مع الحكومة وتنظيم أوضاعها بما يخدم مصلحة البلاد.

وأضاف السفير الإيراني أن بلاده ملتزمة بالحفاظ على حقوق المقاومة، مؤكدا أن إيران مستعدة، في حال وجود طلب رسمي، للدفاع عن النظام السياسي العراقي ومنع انهياره، ذلك انطلاقا من حرصها على استقرار العراق ووحدته.

Image

كما شدد آل صادق على أن وصف فصائل المقاومة العراقية بأنها قوات بالوكالة عن إيران يعد إهانة لها، موضحا أن دعم إيران لهذه الفصائل خلال فترة مواجهة تنظيم داعش، واستمرار التواصل معها، لا يعني أنها تعمل نيابة عن إيران أو تنفذ أجندتها.

وأشار السفير الإيراني إلى العلاقات الجيدة التي تربط بلاده بإقليم كردستان العراق، واصفا مواقف أربيل خلال حرب يونيو/ حزيران 2025 بأنها مشرفة ومؤكدا أن محور المقاومة تحول إلى شبكة منسجمة استطاعت إلحاق أضرار بإسرائيل.

كما تطرق آل صادق إلى مسألة تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، موضحا أن قرار تمديد ولاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لولاية ثانية هو قرار عراقي، وأن زيادة عدد المقاعد المخصصة للأحزاب والكتل السياسية هو خيار الشعب العراقي، وأكد دعم بلاده لمبدأ المشاركة والتوافق والتوازن في الحكومة المقبلة، معربا عن أمله في أن ينسّق ائتلاف كردستان العراق مواقفه مع الإطار التنسيقي والمجلس الوطني.

برنامجنا سلمي…ولن نرضخ للتهديدات

وفيما يخص البرنامج النووي الإيراني، فقد نفى السفير الاتهامات التي تزعم أن طهران تتجه نحو امتلاك سلاح نووي، مؤكدا أن إيران لديها فتوى تحرم صناعة الأسلحة النووية، وهي فتوى صادرة عن المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، فيما عبر آل صادق إن إيران استطاعت اليوم، بفضل قدراتها الردعية، تغيير المعادلة، موضحا أن قوتين نوويتين هاجمتا إيران رغم عدم امتلاكها سلاحا نوويا، لكنها تمكنت من الدفاع عن نفسها بقدراتها الصاروخية الرادعة وأجبرت العدو على طلب وقف إطلاق النار بهذه الطريقة.

كما وصف الادعاءات بشأن سعي إيران لامتلاك سلاح نووي بإنها أكاذيب وافتراءات، مشددا على أن حاجة إيران للطاقة النووية هي حاجة سلمية بحتة تهدف إلى التنمية والتقدم، وأن بعض الأطراف تستغل هذا الملف لفرض إملاءاتها، في حين أن إيران ليست دولة ترضخ للتهديد أو الإملاءات.

وفيما يتعلق بالتجارة بين العراق وإيران، أوضح أن حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز 12 مليار دولار خلال العام الماضي، لكنه اعتبر هذا الرقم غير كاف قياسا بالإمكانات المتاحة، مشيرا إلى أن العراق يستورد من إيران أكثر مما يصدر إليها، ويسعى إلى زيادة صادراته نحو طهران، مؤكدا أن العقوبات الأمريكية ربما أثرت على الاقتصاد الإيراني، إلا أن العراق لعب دورا مهما في دعم وتعافي هذا الاقتصاد.

Image

ليست الديون السبب.. بل حاجة إيران

أما عن تصدير الغاز الإيراني إلى العراق، وما أثير بشأن قطع الإمدادات بسبب الديون، فقد أوضح أنه اطلع على هذه الأخبار عبر وسائل الإعلام، لكنه أكد أن العقود الموقعة تنص على أن إيران تحتاج إلى الغاز في فصل الشتاء، في حين يتركز الجزء الأكبر من صادرات الغاز إلى العراق في فصل الصيف لتأمين الكهرباء، حيث تقل حاجة إيران للغاز وتزداد حاجة العراق إليه، معتبرا ذلك جزءا من الاتفاقات الثنائية بين البلدين، وأوضح السفير أنه لا يحمل أرقاما دقيقة في الوقت الراهن، لكنه شدد على أن المشكلة ليست في الديون، بل في وجود ودائع وأموال إيرانية في المصارف العراقية لا يمكن الوصول إليها بسبب العقوبات الأمريكية الجائرة.

وردا على الاتهامات بتدخل السفارة الإيرانية في القرارات السيادية العراقية، قال آل صادق أن السفارة الإيرانية في بغداد على تواصل مع جميع الأطياف السياسية العراقية، داعيا مطلقي هذه الادعاءات إلى التساؤل عما إذا كانت علاقاتهم مع السفارة سيئة أصلا، وأكد أن السفارة تحافظ على علاقات جيدة مع جميع التيارات الشيعية والسنية وغيرها، في إطار نهج يقوم على المشاركة والتوافق والتوازن داخل العملية السياسية العراقية.

لدينا رؤية لأمن الخليج

وفيما يتعلق بتحركات بعض دول الخليج للتعاون مع شركات أمنية أجنبية، اعتبر السفير أن هذا شأن داخلي لتلك الدول، لكنه شدد على أن أمن المنطقة يجب أن يكون شأنا داخليا وإقليميا، معربا عن أمله في أن تتجه دول المنطقة نحو اتفاقات أمنية مشتركة تحفظ أمنها وسلامتها، وأشار إلى أن إيران تشجع عبر وزارة الخارجية على الحوار الإقليمي وتروّج لفكرة الحوار الإقليمي بمشاركة العراق.

وختم بالقول إن إيران طرحت مبادرة لدول الخليج المطلة عليه، إضافة إلى إيران والعراق، أطلقت عليها اسم 6+2، معتبرا أنه في حال تنفيذ هذه المبادرة فستسهم في تحقيق أمن إقليمي ذاتي، دون الاعتماد على قوى تأتي من خارج المنطقة.

مبادرة 6+2… التفاصيل الكاملة

تعد مبادرة 6+2 التي عرضها السفير الإيراني واحدة من أهم استراتيجيات إيران للتعامل مع الخليج، وهي مبادرة ليست وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى محاولات إيرانية سابقة لإعادة فتح ملف الأمن الجماعي في الخليج وتشير المعطيات إلى أن الفكرة طرحت بصيغتها الحالية خلال الجولات الإقليمية التي قام بها وزير الخارجية الإيراني السابق، أمير حسين عبداللهيان في العام 2023، ولاقت آنذاك اهتماما أوليا من عدد من دول الخليج.

Image

تقوم المبادرة على جمع ست دول عربية مطلة على الخليج، هي دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب إيران والعراق، في إطار حواري تعاوني دائم. وتهدف هذه الصيغة إلى خلق منصة إقليمية تضم جميع الأطراف المعنية مباشرة بأمن الخليج، بدل الاكتفاء بترتيبات تدار من خارج المنطقة، ويؤكد الطرح الإيراني أن ذلك الطرح ليست تحالفا عسكريا، ولا تهدف إلى استبعاد أي طرف، بل تسعى إلى بناء مسار حوار منتظم يناقش القضايا الأمنية الحساسة، مثل الوجود العسكري الأجنبي، وأمن الملاحة البحرية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إضافة إلى خفض احتمالات الصدام العسكري.

كما تولي المبادرة أهمية خاصة للبعد الاقتصادي، انطلاقا من قناعة بأن تشابك المصالح التجارية والاستثمارية يمكن أن يشكل رافعة للاستقرار السياسي، وفي هذا السياق، تطرح فكرة التعاون الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من منظومة الأمن، وليس مجرد ملف ثانوي.

غير أن المبادرة تواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها انعدام الثقة المتراكم بين إيران وبعض دول الخليج، نتيجة عقود من التوتر والصراعات غير المباشرة، كما أن اختلاف تعريف مصادر التهديد يشكل عقبة أساسية، إذ ترى إيران أن الخطر الرئيسي يكمن في الوجود العسكري الأجنبي، بينما ترى بعض الدول الخليجية أن إيران نفسها تمثل التحدي الأكبر.

Image

إلى جانب ذلك، يرتبط نجاح مبادرة 6+2 بمدى استعداد دول الخليج لإعادة تقييم اعتمادها التقليدي على الضمانات الأمنية الأميركية، فهذه الدول، رغم انفتاحها النسبي على الحوار، لا تزال ترى في التحالف مع واشنطن عنصرا أساسيا في أمنها القومي، ما يجعل الانتقال إلى صيغة أمنية إقليمية خالصة عملية معقدة وطويلة الأمد، مع ذلك، يرى مراقبون أن المتغيرات الإقليمية، مثل تراجع الانخراط الأميركي المباشر، وارتفاع كلفة الصراعات، وتزايد التركيز على الاقتصاد، قد تخلق فرصة تدريجية لتجريب مثل هذه الصيغ، ولو في مراحل أولية ومحدودة.

ليست الأولى من نوعها.. مقترح روسي حاول حل الأزمة

لم تكن رؤية 6+2 الأولى التي تهدف إلى توحيد دول الخليج العربي وإيران ضمن إطار أمني إقليمي مشترك، ففي عام 2016، طرحت روسيا مقترحا يدعو إلى إنشاء منظمة أمنية إقليمية تضم دول جنوب الخليج إلى جانب إيران، في محاولة لتقديم بديل عن الترتيبات الأمنية التقليدية القائمة على النفوذ الأميركي.

وانطلق المقترح الروسي من فكرة الأمن الجماعي، معتبرا أن استقرار الخليج لا يمكن تحقيقه من خلال الإقصاء أو الاستقطاب، بل عبر إشراك جميع دول الإقليم في حوار منظم، يهدف إلى خفض التوتر وبناء الثقة، وقد ركزت موسكو آنذاك على ضرورة تقليص الاعتماد على القوى الخارجية، وتشجيع الحلول الإقليمية.

Image

ورغم التشابه الواضح بين المقترحين الروسي والإيراني، فإن الطرح الروسي قد واجه تحفظات خليجية واسعة، في ظل تصاعد التوتر بين إيران وبعض دول الخليج في تلك المرحلة، كما أن المناخ الإقليمي والدولي لم يكن مهيأ آنذاك لتبني مثل هذه المبادرات، غير أن إعادة إحياء أفكار مشابهة اليوم، سواء بصيغة 6+2 أو غيرها، تعكس إدراكا متزايدا بأن النماذج الأمنية التقليدية لم تحقق الاستقرار المنشود، كما تشير إلى أن فكرة الأمن الإقليمي الجماعي، رغم تعثرها المتكرر، لا تزال حاضرة وتعود للظهور مع كل تحول في موازين القوى.

تكشف تصريحات السفير الإيراني في العراق، ومبادرة 6+2، والمقترح الروسي السابق، عن مسار فكري وسياسي متكرر في المنطقة، وهو البحث عن إطار أمني إقليمي بديل، دون القدرة حتى الآن على تحويله إلى واقع مستدام. وبين الطموح السياسي والعقبات العملية، تبقى هذه المبادرات اختبارا حقيقيا لمدى استعداد دول الخليج وإيران للانتقال من منطق الصراع إلى منطق إدارة المصالح المشتركة.