في يوم ميلاده …رحيل أيقونة المسرح والسينما الإيرانية

Image

لم يكن خبر وفاة الكاتب المسرحي الأشهر في تاريخ إيران المعاصر خبرا عابرا، بل مثل لحظة توقف في مسار طويل من الفن والفكر والتجريب، مسار ارتبط باسم ظل حاضرا في المسرح والسينما والبحث، حتى حين غاب جسديا عن بلاده. رحل بيضائي في يوم ميلاده، في غربة كثيرا ما تحدث عنها، تاركا وراءه أعمالا تجاوزت زمن إنتاجها، وصارت جزءا من الذاكرة الثقافية الإيرانية، وبين الصدمة والحزن، أعاد رحيله فتح الأسئلة القديمة عن المنفى، وعن مصير المبدع، وعن الفن حين يصبح وطنا بديلا.

موت الغريب في بلد المنفى

في مساء السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت وسائل إعلام إيرانية ودولية عن وفاة الكاتب المسرحي والمخرج الإيراني البارز بهرام بيضائي عن عمر ناهز السابعة والثمانين، وذلك في الولايات المتحدة الأميركية، في اليوم نفسه الذي يصادف ذكرى ميلاده. الخبر، الذي انتشر بسرعة في الأوساط الثقافية، شكل صدمة واسعة، ليس فقط بسبب مكانة بيضائي في تاريخ المسرح والسينما الإيرانية، بل أيضا بسبب المفارقة الرمزية لرحيله في يوم مولده.

Image

الإعلان الأول عن الوفاة صدر عن مجموعة الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد، المؤسسة الأكاديمية التي ارتبط بها بيضائي خلال الخمسة عشر عاما الأخيرة من حياته، حيث عمل أستاذا ومتعاونا في مجالات البحث والدراسة المرتبطة بالثقافة والفنون الإيرانية، هذا الإعلان منح الخبر طابعا رسميا، ووضع حدا للتكهنات التي بدأت بالظهور مع تداول أنباء غير مؤكدة في الساعات الأولى.

لاحقا، أكدت زوجته، مزدة شمسائي، خبر الوفاة، في وقت أشارت فيه تقارير صحافية إلى أن الرحيل جاء بعد تحمل فترة من المرض، وعلى الرغم من الاهتمام الواسع بتفاصيل الحالة الصحية، فلم تكشف معلومات دقيقة حول طبيعة المرض، إذ اكتفت المصادر الإعلامية بالحديث عن معاناة صحية سبقت الوفاة، من دون الخوض في تفاصيل طبية.

هذا وقد أعاد رحيل بيضائي خارج إيران، الأمر الذي اعتبره كثيرون غربة قسرية، إلى الواجهة واحدة من أكثر المفارقات حضورا في سيرته وحواراته، فقد عبر الراحل مرارا، في مقابلاته وتصريحاته، عن حنينه العميق إلى إيران، وعن شعوره بالانتماء الثقافي والوجداني إليها حتى وهو يقيم خارجها، ولهذا اعتبرت بعض الصحف الإيرانية أن وفاته بعيدا عن الوطن تكمل رمزية الغريب التي شغلت حيزا كبيرا من أعماله المسرحية والسينمائية.

Image

ومع انتشار الخبر، توالت ردود الفعل في الأوساط الثقافية والفنية، حيث نُشرت مقالات نعي وتحليلات استحضرت مسيرته الطويلة وتأثيره العميق، فيما ركزت أخرى على البعد الإنساني لرحيله، وعلى الإحساس العام بأن الثقافة الإيرانية فقدت أحد أعمدتها الفكرية والفنية في لحظة فارقة.

خسارة كبيرة للفن والثقافة الإيرانية

على المستوى الرسمي، جاء التفاعل سريعا، إذ أصدر رئيس الجمهورية الإيراني، مسعود بزشكيان، رسالة تعزية في وفاة بهرام بيضائي، قدم فيها العزاء إلى عائلة الراحل، وإلى الوسطين الفني والثقافي، وإلى محبيه داخل إيران وخارجها، فيما عكست الرسالة إدراكا رسميا لحجم الخسارة، ونقلت الحدث من إطار النعي الثقافي إلى مستوى الاعتراف الوطني بالقيمة الرمزية للراحل.

ففي نص رسالته، وصف رئيس الجمهورية فقدان بيضائي بأنه خسارة كبيرة لساحة الثقافة والفن في إيران، مشيرا إلى أن الراحل لم يكن مجرد مخرج أو كاتب مسرحي، بل كان مفكرا استطاع أن يمنح الفن بعدا فكريا وتاريخيا، وأكد أن بيضائي نجح في مزج الفن بالتفكير، والتاريخ بالأسطورة، والمسرح بالهوية الإيرانية، في مشروع متكامل ترك أثره العميق في الوعي الثقافي العام.

Image

وشدد الرئيس الإيراني على أن أعمال بيضائي لم تبق حبيسة خشبة المسرح أو إطار الشاشة السينمائية، بل تجاوزت ذلك لتستقر في الذاكرة الثقافية للمجتمع الإيراني، كما توقفت رسالة التعزية عند القيمة الرمزية والفكرية لمنجز بيضائي، واصفة إياه بأنه رأسمال ثقافي مستدام لإيران، وجزء ثمين من إرثها الفكري والفني، وأشارت إلى أن تأثير أعماله لن يتراجع بمرور الوقت، بل سيزداد عمقا، مع إعادة قراءتها من قبل أجيال جديدة من الفنانين والباحثين والجمهور.

كما لفت بزشكيان إلى أن بعض أعمال بيضائي أصبحت علامات بارزة في الثقافة الإيرانية المعاصرة، ونماذج على قدرة الفن على تجاوز القيود الزمنية والجغرافية، لتتحول إلى مراجع فكرية وجمالية.

وبين إعلان الوفاة ورسالة التعزية الرئاسية، تكرس حضور بهرام بيضائي في المشهد العام بوصفه اسما يتجاوز الانتماء المهني، ويستقر في موقع الرمز الثقافي، فرحيله لم يستقبل كحدث عابر، بل كمحطة أعادت فتح النقاش حول قيمة الفن، ودور المثقف، ومكانة الذاكرة الثقافية في حياة المجتمعات، وهي الأسئلة ذاتها التي ظل بيضائي يطرحها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أعماله طوال مسيرته الطويلة.

بهرام بيضائي… سيرة حياة ومسار إبداع

ولد بهرام بيضائي في السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 1938 في طهران، لعائلة ذات جذور أدبية وثقافية، غير أن ظروف نشأته لم تكن ميسورة، فقد عاش طفولة اتسمت بالفقر وضيق الحال، وهو ما ترك أثره المبكر على نظرته إلى العالم وعلى حساسيته تجاه القضايا الإنسانية والاجتماعية. ورغم الانتماء العائلي إلى الوسط الأدبي، لم تكن بداياته الدراسية لافتة، حيث أقر لاحقا بأنه لم يكن تلميذا متفوقا، ولم يحصل في سنوات دراسته على درجات عالية، الأمر الذي لم يمنعه من التحول لاحقا إلى واحد من أكثر الأسماء تأثيرا في المسرح والسينما الإيرانية.

Image

تزامنت طفولة بيضائي مع تحولات سياسية واجتماعية كبرى، من بينها سقوط حكومة محمد مصدق في أغسطس/آب 1953، وهي مرحلة انعكست على المناخ العام في البلاد وعلى وعي جيل كامل نشأ وسط الاضطراب والقلق، التحق بالمدرسة في طهران خلال تلك الفترة، وفي الوقت الذي لم يكن فيه متفوقا دراسيا، كان محاطا بزملاء سيصبح بعضهم لاحقا من الأسماء البارزة في الفكر والأدب، ما أتاح له الاحتكاك المبكر بنقاشات ثقافية وفكرية أسهمت في تشكيل وعيه الأولي.

بعد اجتياز امتحان القبول الجامعي، التحق بيضائي بكلية الآداب في جامعة طهران في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين، وتتلمذ على يد الأستاذ الكبير في اللغة الفارسية محمد معين. في تلك المرحلة، قرر الجمع بين الدراسة والعمل لتأمين متطلبات الحياة، فالتحق بوظيفة في دائرة السجل المدني، غير أن هذا المسار المزدوج لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما اكتشف أن الدراسة الأكاديمية لا تلبي تطلعاته الفنية والفكرية.

Image

لاحقا، تحدث بيضائي بصراحة عن تلك المرحلة، مشيرا إلى أنه انسحب من الدراسة حين أدرك أن كتابة المسرح، التي كان يأمل أن يجد لها حيزا أكاديميا، غير متاحة في المناهج الجامعية. وفي تلك الفترة، تعمّق اهتمامه بالأساطير، ولا سيما الإغريقية والرومانية، ما دفعه إلى طرح سؤال مركزي ظل يرافق مشروعه الإبداعي لاحقا، لماذا لم تجمع الأساطير الإيرانية وتصنف وتحلل، ولم تخضع لقراءات تأويلية ومعرفية مشابهة لما جرى في ثقافات أخرى؟

بدأ نشاطه الثقافي بشكل فعلي في أواخر خمسينيات القرن العشرين، حين شرع في كتابة النقد والدراسات والمقالات عن المسرح والسينما في عدد من المجلات الثقافية، وفي أوائل ستينيات القرن نفسه، نشر أبحاثه حول المسرح الإيراني، وهو ما لفت الأنظار إلى اهتمامه البحثي العميق بجذور العرض المسرحي وبالعلاقة بين الطقوس والأسطورة والأداء، في تلك المرحلة، دعي للانضمام إلى إدارة الفنون الدرامية، كما التحق بفرقة الفن الوطني، ليصبح جزءا من حركة مسرحية تسعى إلى تجديد الشكل والمضمون.

في تلك السنوات، تفرغ بيضائي بشكل متزايد للكتابة المسرحية، فكتب نصوصا مبكرة مثل الدمى والغروب في ديار غريبة، ثم قصة القمر الخفي، التي نشرت لاحقا في كتاب واحد، هذه الأعمال المبكرة كشفت عن ملامح لغته الخاصة، وعن ميله إلى توظيف الرمز والأسطورة في قراءة الواقع المعاصر، وفي الوقت نفسه، أنجز أول تجربة سينمائية قصيرة مستخدما كاميرا مستعارة، غير أن محدودية الإمكانات الإنتاجية حالت دون استمراره في صناعة الأفلام خلال تلك الفترة.

على أن الكتابة المسرحية شكلت جوهر مشروع بيضائي الفني والفكري، فقد كتب أكثر من ثلاثين مسرحية، من بينها يموت البطل أكبر، موت يزدجرد، فتح‌ نامه كلات، الرحلة الثامنة لسندباد، الندبة، قتل سهراب، سلطان الأفاعي، أربعة صناديق، مجلس عزاء سنمار، ذكريات ممثل الدور الثاني وتاراج ‌نامه، فيما تميزت هذه النصوص بقراءة نقدية للتاريخ والسلطة ومصير الإنسان، وبأسلوب لغوي وبنيوي مختلف عن التيار السائد في زمنه.

ومع مطلع سبعينيات القرن العشرين، انتقل بيضائي بشكل أكثر وضوحا إلى السينما، ففي عام 1971 أخرج أول أفلامه الروائية الطويلة الطوفان الذي حظي بإشادة نقدية واسعة، رغم أن نجاحه التجاري كان محدودا، وقد تناول الفيلم قصة مثلث عاطفي في حي فقير، مقدما معالجة إنسانية واجتماعية عميقة، ومعلنا عن ولادة صوت سينمائي جديد يحمل بصمة مسرحية واضحة.

Image

توالت بعد ذلك أفلامه التي جمعت بين الحس المسرحي واللغة السينمائية الخاصة، من بينها «لغريب والضباب، وموت يزدجرد، وهو الفيلم المقتبس عن مسرحيته الشهيرة، والذي قدم قراءة متعددة الزوايا للتاريخ، مستندا إلى روايات متناقضة حول مقتل آخر ملوك الساسانيين. هذا العمل عد من أكثر أعماله تكثيفا لفلسفته الفنية القائمة على نسبية الحقيقة وتعدد وجهات النظر.

Image

ومن أبرز أعماله السينمائية أيضا باشو الغريب الصغير، الذي يعد واحدا من أكثر الأفلام شهرة وتأثيرا في تاريخ السينما الإيرانية، فقد تناول الفيلم قضايا الحرب والهجرة والهوية والتعايش، من خلال قصة طفل نازح يجد نفسه في بيئة جديدة، بلغة إنسانية بسيطة وعميقة في آن واحد. وقد اكتسب الفيلم مكانة خاصة لدى الجمهور والنقاد، باعتباره عملا يتجاوز السياق الزمني ليطرح أسئلة دائمة حول الانتماء والآخر.

كما أخرج بيضائي أفلاما أخرى مثل ربما في وقت آخر، المسافرون وقتل الكلاب والذي يعد الأخير من أكثر أفلامه حضورا جماهيريا، إذ حقق عند عرضه عام 2001 نجاحا لافتا، واعتبر من الأعمال البارزة في سينما النقد الاجتماعي، بما حمله من تشريح لعلاقات السلطة والفساد والخديعة.

وعلى الرغم من هذا التأثير العميق، ظل إنتاجه السينمائي محدودا من حيث العدد، فمنذ بداية نشاطه وحتى سنواته الأخيرة، أخرج أو شارك في مونتاج 24 فيلما قصيرا وطويلا، وقد أقر بنفسه في أكثر من مناسبة أنه لم يصنع سوى تسعة أفلام طويلة وثلاثة قصيرة، رغم الجهد الكبير الذي بذله لإنجازها، وهو ما جعله يوصف كثيرا بأنه قليل الإنتاج، عظيم الأثر.

بعد انقطاع دام نحو عشر سنوات عن السينما، عاد بيضائي عام 2007 بفيلم عندما نكون جميعا نياما، وكان قد حاول قبل ذلك تنفيذ سيناريو بعنوان الوجهة، الذي حصل على تصريح إنتاج، إلا أن مشكلات متعددة حالت دون خروجه إلى النور، فاختار التريث، مفضلا عدم تقديم عمل لا ينسجم مع رؤيته الفنية.

Image

إلى جانب الإخراج والكتابة المسرحية والسينمائية، عمل بيضائي في مجالات أخرى، مثل المونتاج، وتصميم العناوين الافتتاحية، والإنتاج. كما كتب 51 سيناريو، وخمس روايات، وستة أبحاث، ما يعكس الطابع الموسوعي والمتعدد الأبعاد لمشروعه، الذي جمع بين الإبداع الفني والبحث المعرفي.

في أغسطس/آب 2010، وبعد تعثر محاولات إنجاز أعمال جديدة داخل إيران، غادر بيضائي إلى أوروبا، ثم إلى الولايات المتحدة بدعوة من قسم الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد، وهناك عمل أستاذا وباحثا في مركز الدراسات الإيرانية، واستمر في التدريس والبحث حتى نهاية حياته، دون أن يعود إلى إيران.

ورغم الاستقرار الأكاديمي في الخارج، ظل الحنين إلى إيران حاضرا بقوة في أحاديثه وتصريحاته، فكان يكرر أنه يشعر وكأنه لا يزال في طهران، وأن الثقافة الإيرانية شكلت جوهر لغته الفنية والفكرية، وأن اهتمامه بتاريخها وأساطيرها لم يتراجع حتى آخر أيامه.

برحيل بهرام بيضائي، فقدت الثقافة الإيرانية واحدًا من أكثر أصواتها عمقا وتأثيرا، فنانا آمن بأن المسرح والسينما ليسا مجرد أدوات تعبير، بل وسائل لفهم الإنسان والتاريخ والهوية. رحل بعيدا عن وطنه، لكنه بقي حاضرا في ذاكرة بلاده من خلال أعمال ستواصل طرح الأسئلة، وإعادة سرد الأسطورة، وتأكيد أن الفن، حين يكون صادقا، يمكن أن يتحول إلى وطن لا يزول.