- زاد إيران - المحرر
- 636 Views
لم يكن الاقتصاد الإيراني يوما بمعزل عن التحولات العسكرية والسياسية في محيطه، فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران بعد الثورة عام 1979، ارتبطت السياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية بمنطق الحرب والمواجهة، سواء مع خصومها الإقليميين، أو مع القوى الغربية، أو دعمها للجماعات المختلفة عبر المنطقة. ورغم أن هذا المنطق قد يفهم في سياق الحروب التقليدية، كما حدث في الحرب الطويلة مع العراق، بين عامي 1980 و1988، فإن استمرار هذا النمط في العصر الحديث، كما ظهر خلال الحرب القصيرة مع إسرائيل عام 2025، يكشف عن بنية اقتصادية متجذرة في عقلية الحرب، وليست فقط استجابة طارئة لها.
وبناء على ذلك، فإن الهدف من وراء السطور القادمة هو تفكيك وتحليل الاقتصاد الحربي الإيراني من خلال مقارنة نموذجين زمنيين، الأول خلال حرب الثماني سنوات ضد العراق، والحرب الأخيرة مع إسرائيل التي دامت اثني عشر يوما فقط، لكنها خلفت أثرا اقتصاديا واسعا، كما نحلل في هذا التحقيق كيفية تعامل الدولة مع الموارد والميزانيات، وطبيعة طبقات المستفيدين من الحروب، إلى جانب التأثيرات المعيشية على المواطن، كذلك نحاول الإجابة على سؤال مفاده هل تخوض إيران الحرب، أم أن الحرب أصبحت أسلوبا لإدارة الاقتصاد؟
الخلفية النظرية والسياسية للاقتصاد الحربي في إيران
إن مصطلح الاقتصاد الحربي ليس جديدا في الأدبيات الاقتصادية أو السياسية، إذ ظهر بوضوح خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين، حين لجأت الدول الكبرى إلى تعبئة مواردها الوطنية، الصناعية، والزراعية، والبشرية، في خدمة المجهود الحربي، غير أن ما يميز التجربة الإيرانية هو انتقال هذا المفهوم من كونه حالة مؤقتة مرتبطة بظرف عسكري، إلى كونه نمطا دائما للإدارة الاقتصادية والسياسية، وبعبارة أخرى، لم يعد الاقتصاد الحربي في إيران مجرد استجابة لأزمة أو نزاع، بل أصبح إحدى ركائز الحكم.

يرتبط هذا التحول البنيوي في المقاربة الاقتصادية بإيديولوجيا الثورة نفسها التي بني عليها كل شيء، والتي طرحت منذ البداية مشروعا مضادا للنظام العالمي القائم على الهيمنة الغربية، وخصوصا الأمريكية. ففي هذا السياق، صاغ المرشد الإيراني روح الله الخميني في كتاب “ولاية الفقيه” رؤية ترى في الصراع مع الاستكبار العالمي، كما وصفه هو، صراعا وجوديا مستمرا، لا ينتهي بانتهاء حرب أو توقيع اتفاق، هذا التصور سرعان ما تجذر في مؤسسات الدولة وميزان القوى الداخلية، حيث أصبحت الأجهزة العسكرية وشبه العسكرية، مثل الحرس الثوري، لاعبا اقتصاديا وسياسيا محوريا.

وعلى مدار العقود الأربعة الماضية، واجهت إيران سلسلة طويلة من التهديدات والعقوبات والعزلة الدولية، بدءا من الحرب مع العراق، ومرورا بالعقوبات الأمريكية المتكررة، وصولا إلى العقوبات الأممية بسبب برنامجها النووي. ومع كل أزمة، كانت الدولة الإيرانية لا تكتفي بردم وضعي، بل تعيد ضبط اقتصادها ليتماشى مع منطق المواجهة طويلة الأمد، هذه المواجهة لا تعني بالضرورة صداما عسكريا مباشرا، بل تشمل أيضا الحرب الاقتصادية، مثل تلك التي أعلنتها واشنطن رسميا ضد طهران بعد انسحابها من الاتفاق النووي عام 2018 في شكل سياسة الضغط الأقصى التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي حينها دونالد ترامب.


نقطة أخرى، وهي أن ما جعل الاقتصاد الحربي في إيران يتجاوز مفهومه التقليدي هو إدماجها في المنظومة المؤسسية، فبدلا من أن يكون مجرد سياسة ظرفية، فقد تحول إلى طريقة تفكير وهيكل إنتاج وتوزيع واستهلاك، فعلى سبيل المثال، تم تأسيس العديد من المؤسسات الاقتصادية التابعة للحرس الثوري أو لهيئات تحت إشراف مباشر من مكتب المرشد، لتتولى مشاريع البنية التحتية والصناعات الثقيلة، بل وحتى تجارة النفط والبتروكيماويات. وبذلك، أصبح منطق الاكتفاء الذاتي، والاقتصاد المقاوم، واقتصاد الظل، جزءا لا يتجزأ من عملية صنع القرار الاقتصادي في البلاد.

كما ينعكس هذا المنطق على إدارة الموارد، حيث توجه الميزانيات نحو تعزيز القطاعات المرتبطة بالأمن والدفاع والصناعات الإستراتيجية، على حساب قطاعات مدنية كالصحة والتعليم والتنمية الريفية، حيث تقدم هذه الأولويات بوصفها ضرورات أمن قومي في ظل الحرب المركبة التي تواجهها إيران، وهكذا، فإن أزمات المعيشة والتضخم والبطالة، وبدلا من أن تكون مؤشرات لفشل السياسات، يجري تأطيرها بوصفها تكاليف المقاومة التي يجب أن يتحملها الشعب.

هذا ولا يمكن تجاهل البعد الإعلامي والدعائي في ترسيخ هذا النموذج، فوسائل الإعلام الرسمية والخطاب السياسي يروجان لفكرة الحرب الدائمة، حيث تستدعى مفردات مثل الجبهة الداخلية، والمعركة الاقتصادية، وحصار العصر، كأدوات لتبرير السياسات التقشفية، وشرعنة الدور المتعاظم للمؤسسة العسكرية في إدارة الاقتصاد.

في المحصلة، لا يمكن فهم الاقتصاد الحربي في إيران باعتباره مجرد استجابة لأزمة خارجية، بل يجب النظر إليه كنتاج لتقاطع ثلاثة مسارات الإيديولوجيا الثورية، والعقوبات المزمنة، وبنية الدولة الممركزة حول السلطة الدينية والعسكرية، إنه اقتصاد صمم ليدير دولة لا تنوي، في نظرتها البعيدة للأمور على الأقل، الخروج من منطق الحرب، بل تعتبرها حالة دائمة تؤسس حولها مشروعية الحكم، وأولويات التنمية، ومفاهيم العدل، والمواطنة، والصمود.
الاقتصاد الحربى خلال الحرب الإيرانية العراقية
اندلعت الحرب الإيرانية العراقية في سبتمبر/أيلول 1980، بعد عام واحد فقط من قيام الثورة وتأسيس الجمهورية، في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تعيد ترتيب مؤسساتها وتواجه تحديات داخلية سياسية وأمنية، وفجأة وجدت الدولة نفسها في مواجهة نزاع دموي طويل الأمد مع نظام صدام حسين، الرئيس العراقي وقتها، فيما اعتبر اختبارا وجوديا مبكرا للنظام الوليد. أمام هذه التهديدات، دخل الاقتصاد الإيراني في حالة تعبئة شاملة، أعادت صياغة شكل الدولة والمجتمع لعقدٍ لاحق.
اعتمدت الدولة في هذه المرحلة على مركزية القرار الاقتصادي، حيث قامت بتأميم العديد من الشركات والصناعات الكبرى التي كانت مملوكة للنخب القديمة، ووضعت يدها على مفاصل الإنتاج والتوزيع، كما جرى تفعيل سياسات تقشفية وإدارية قاسية، هدفت إلى توجيه الموارد نحو جبهة القتال وضمان الحد الأدنى من المعيشة للمدنيين، كذلك فرضت قيود على الاستيراد، وتم ترشيد الاستهلاك عبر نظام تقنين شامل، شمل الغذاء، الكهرباء، الوقود، وحتى المياه في بعض المناطق، وكانت بطاقات التموين الأداة الأساسية التي استخدمتها الحكومة لضمان التوزيع العادل، ولو حتى نظريا، للسلع الأساسية.
لكن هذه السياسات، رغم أنها هدفت إلى تعزيز العدالة الاجتماعية ومواجهة الأزمة، أدت عمليا إلى نشوء ظواهر اقتصادية موازية. فقد نشطت السوق السوداء، وتكونت شبكات من المافيا تعمل على تهريب واحتكار السلع المدعومة، ما أنتج مفارقة بين الخطاب الثوري الموجه للشعب حول الصمود والتضحية، وبين الواقع الاقتصادي الذي كان يسمح بتكريس مكاسب غير عادلة لفئات محددة. ومع استمرار الحرب، ظهرت طبقة من المستفيدين من الحرب، ضمت مقاولين وتجارا ورجال أعمال على صلة بالحكومة أو بالحرس الثوري، المؤسسة الوليدة في تلك الفترة حيث تأسس في العام 1979، حصلوا على عقود توريد وبناء وخدمات لوجستية، ما جعلهم يشكلون نواة نخبة اقتصادية جديدة ظلت تتوسع لاحقا بعد انتهاء الحرب.


في موازاة ذلك، واجهت الدولة أزمة مالية حادة، إذ رغم اعتمادها الكبير على إيرادات النفط لتمويل الحرب، فإن العائدات لم تكن كافية بسبب انخفاض الأسعار في السوق العالمية من جهة، وتراجع الإنتاج بسبب استهداف المنشآت النفطية من جهة أخرى، ولتعويض العجز، فحسب بيانات البنك المركزي الإيراني، فقد لجأت الحكومة إلى طباعة العملة بشكل موسع، ما أدى إلى معدلات تضخم مرتفعة وغير مسبوقة، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ومما زاد من تعقيد الوضع، أن النفقات العسكرية ظلت تتضخم عاما بعد عام، دون وجود آفاق لإنهاء النزاع في الأفق القريب.

في هذا السياق، برز الحرس الثوري الإيراني كأحد أبرز الفاعلين، ليس فقط بوصفه مؤسسة عسكرية، بل أيضا كطرف اقتصادي مؤثر، فقد أسس الحرس، خلال الحرب، عددا من الشركات العاملة في مجالات البناء والنقل والدعم اللوجستي، بهدف تلبية احتياجات الجبهة، بفرعيها الداخلي والقتالي،ومع أن هذه الشركات تأسست تحت غطاء دعم المقاومة، فإنها تحولت لاحقا إلى كيانات اقتصادية مستقلة توسعت بعد الحرب لتصبح من أكبر الجهات الاقتصادية في البلاد، ما شكل البذور الأولى لاقتصاد عسكري مواز داخل إيران.

أما بالنسبة للمواطن العادي، فكانت سنوات الحرب سنوات شاقة من الحرمان والانقطاع والتقشف انخفضت فيها مستويات المعيشة بشكل كبير، واضطربت الخدمات العامة، وارتفعت نسب البطالة، فيما جرى حشد الناس عبر خطاب تعبوي ديني وطني يربط بين الصبر على المعاناة والنصر النهائي على العدو البعثي، وفي الوقت الذي كانت فيه الجبهات تنزف، كانت الدولة تطالِب الشعب بالثبات والتضحية، في ظل استثمار واضح للخطاب الديني والشعارات الثورية في خدمة أهداف الحرب والبقاء السياسي.
بهذه الطريقة، لم تكن الحرب فقط معركة عسكرية، بل كانت أيضا مختبرا لتشكيل اقتصاد حربي طويل الأمد، عزز من مركزية الدولة، وكرس دور الأجهزة العسكرية في الاقتصاد، وأعاد تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية بطريقة ستستمر تأثيراتها لعقود بعد توقف المعارك.
الاقتصاد الحربى خلال الحرب مع إسرائيل
رغم قصر مدة الحرب الأخيرة مقارنة بحرب الثمانينيات، فإن انعكاساتها الاقتصادية كانت شديدة العمق والتأثير، ليس فقط لأنها وقعت في ظرف زمني مضغوط، بل لأنها فاقمت اختناقات متراكمة في البنية الاقتصادية الإيرانية، هذه الحرب، التي اندلعت فجأة في ظل تصعيد مع إسرائيل في ليلة الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025، جاءت في وقت كان الاقتصاد الإيراني يعاني فيه من أقصى درجات الإجهاد عقوبات أمريكية وأوروبية متتالية، تضخم يتجاوز نسبا تاريخية، انهيار متواصل في قيمة العملة، وارتفاع معدلات البطالة، إضافة إلى فقدان متزايد للثقة الشعبية بمؤسسات الدولة، نتيجة سنوات من سوء الإدارة والفساد البنيوي.
دخلت، أو أجبرت إيران على الدخول، هذه الحرب وهي تعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على اقتصاد تهيمن عليه المؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها الحرس هذا الأخير لم يكن فقط ذراعا عسكرية وأمنية، بل كان وما يزال المحور الرئيسي للعديد من الكيانات الاقتصادية الكبرى، من شركات الإنشاءات إلى الصناعات الثقيلة، ومن التجارة الخارجية إلى إدارة الموارد النفطية والبتروكيماوية.
مع اللحظات الأولى للهجوم الإسرائيلي، لم تعلن الحكومة حالة طوارئ اقتصادية بشكل رسمي، لكنها فعليا فعلت ذلك على الأرض، فقد صدرت أوامر غير معلنة للبنوك والشركات الكبرى بسحب جزء من السيولة النقدية من السوق، ما أدى إلى ندرة في النقد وتباطؤ في المعاملات التجارية. وتم فرض رقابة على الأسعار، وتعليق عدد من الأنشطة التجارية تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار الوطني، فيما أُعيد توجيه الموارد المالية واللوجستية لصالح خطوط الإمداد العسكري، على حساب القطاعات المدنية والخدمية.


انعكاسات هذه السياسات ظهرت بسرعة في الأسواق. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية بشكل غير مسبوق في الأيام الأولى من القصف، نتيجة لحالة من الذعر الشعبي وارتباك في سلاسل التوريد، كذلك فإنَّ ضعف قدرة الدولة على التنظيم والتوزيع، وسط انقطاع الكهرباء والإنترنت، زاد من حالة الارتباك، بينما ظهرت سوق سوداء نشطة في السلع الأساسية والدولار والذهب، رغم تشديد الرقابة من قبل أجهزة الأمن والرقابة الاقتصادية.


الطبقة المستفيدة من هذه الحرب كانت في الواقع امتدادا مباشرا لتلك التي نشأت خلال حرب الثمانينيات، غير أنها تطورت من حيث الحجم والنفوذ والأدوات، فلم تعد هذه الطبقة تكتفي بعقود حكومية للبناء أو التموين، بل أصبحت تهيمن على سلاسل الإمداد والإنتاج وحتى الاستيراد والتصدير، من خلال شبكة معقدة من الشركات التي يصعب تتبعها، والتي ترتبط مباشرة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية.
على المستوى الإعلامي، فرضت الدولة رقابة صارمة على تداول المعلومات الاقتصادية، فلم يسمح بنشر أي بيانات حول الإنفاق العسكري أو حجم الخسائر المادية، وتم التضييق على الصحافة المستقلة، بل وحوربت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي فقط لأنها نشرت أسعار المواد الغذائية أو وثقت احتجاجات عفوية في الأحياء الفقيرة، وبينما كانت الدولة تدعو الناس لدعم الجبهة الموحدة للمقاومة، كان المواطن يعاني من انقطاعات مستمرة في الكهرباء والوقود والإنترنت، ومن ارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة، دون أي حماية أو دعم ملموس.
في النهاية، لم تكن الحرب قصيرة الأمد مجرد صدام عسكري محدود، بل شكلت تسارعا عنيفا لمنطق الاقتصاد الحربي الذي رسخته الدولة منذ عقود، فزاد اعتماد النظام على الموارد الأمنية والعسكرية، وتفاقم انكشاف المواطنين، بينما برزت بوضوح أوجه التفاوت واللامساواة، التي تحولت من نتائج جانبية إلى عناصر مكونة للبنية الاقتصادية والسياسية في إيران.
مقارنة تحليلية بين حربين
تكشف المقارنة بين الحرب الإيرانية العراقية في الثمانينيات والحرب الأخيرة مع إسرائيل أن نمط الاقتصاد الحربي في إيران ظل، من حيث الجوهر، ثابتا رغم تغير السياقات الزمنية والتكنولوجية والسياسية، فالخط العام للسياسة الاقتصادية في كلتا الحربين كان موجها نحو تعزيز سلطة الدولة المركزية، أكثر من كونه يستهدف حماية المواطنين أو تحقيق العدالة الاجتماعية. في كلتا الحالتين، تم تحويل الموارد الوطنية لخدمة الجبهة العسكرية، وجرى تقليص الدعم للقطاعات المدنية، فيما أُلقي العبء الأكبر على المواطن الذي طلب منه أن يصبر ويقاوم تحت شعارات دينية ووطنية تعبّوية.

أحد أبرز أوجه الشبه بين الحربين هو أدوات تمويل الحرب، ففي كلتا الفترتين، كان هناك اعتماد على تصدير النفط كمصدر رئيسي للتمويل، مما جعل الاقتصاد الإيراني رهينة للتقلبات في الأسواق العالمية،إلى جانب ذلك، توسع ما يُعرف بالاقتصاد الموازي، وهو اقتصاد غير خاضع للرقابة البرلمانية أو المؤسسات المستقلة، وتديره كيانات عسكرية أو شبه حكومية. الفرق الأساسي بين الفترتين هو أن هذه الكيانات، وعلى رأسها الحرس الثوري، لم تعد في الحرب الأخيرة مجرد فاعل اقتصادي طارئ كما كان في الثمانينيات، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من بنية الدولة الاقتصادية، تمتلك بنوكها الخاصة، وشركاتها الكبرى، ومصانعها، وحتى وسائل إعلامها.

هذا التحول الكيفي في دور الحرس الثوري يعكس اندماج المؤسسة العسكرية في صميم الدولة الإيرانية، بحيث بات من الصعب التمييز بين ما هو اقتصاد وطني وما هو اقتصاد مؤسساتي وعسكري، فالمؤسسات المرتبطة بالحرس اليوم تتحكم بجزء كبير من التجارة الخارجية، خاصة في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، ما يجعلها قادرة على إعادة تشكيل السوق وفقا لأولوياتها، بعيدا عن أي مساءلة ديمقراطية أو رقابة مدنية.
أما من حيث الطبقة المستفيدة من الحرب، فيمكن القول إن النظام الذي نشأ خلال الحرب الأولى قد تطور وتكرس بشكل أعمق في الحرب الثانية، ففي الحالتين، كانت هناك طبقة من المقاولين والتجار الذين يحصلون على امتيازات استثنائية بسبب قربهم من مراكز القرار، ربما تغيرت الأسماء، لكن الديناميكية بقيت واحدة، احتكار واردات، عقود مشبوهة، تلاعب في السوق، وتحقيق أرباح ضخمة في فترات الأزمات. هذه الطبقة تمثل الوجه الآخر للاقتصاد الحربي، حيث تتحول الحرب إلى فرصة لتراكم الثروة على حساب معاناة الناس.
عنصر آخر مشترك بين الحربين هو غياب الشفافية، فحتى اليوم، لا توجد أرقام دقيقة حول حجم الإنفاق العسكري في أي من الحربين، ولا يعرف حجم الخسائر الاقتصادية أو التفاصيل الحقيقية للصفقات التي أبرمت خلال فترات الطوارئ، الإعلام الرسمي في كلتا الحالتين ضخ خطابا تعبويا منتصرا، يتحدث عن الصمود والانجازات والانتصارات، بينما كان الواقع الميداني والاقتصادي يشير إلى أزمات عميقة وتصدعات بنيوية. هذه الهوة بين الخطاب الرسمي والحقيقة اليومية ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي فجوة يبدو أنها تتسع مع مرور الزمن وتكرار التجربة.
في المحصلة، فإن ما تكشفه مقارنة الحربين ليس فقط استمرار نموذج الاقتصاد الحربي، بل تحوله من ظرف طارئ إلى بنية مستقرة، تديرها منظومة متكاملة من المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتستثمر في الحرب كوسيلة للسيطرة، لا كمجرد استحقاق دفاعي.
في ظل هذا الواقع، تتعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، ويتاكل الرابط بين الأداء الاقتصادي ورضا المواطنين، فكلما طالت فترة ما بعد الحرب دون إصلاحات، ترسخت قواعد اللعبة التي لا تسمح بتوزيع عادل للثروات، ولا تضع التنمية هدفا، بل تبقي المجتمع في وضع استنزاف نفسي واقتصادي دائم، ما يهدد بتقويض الاستقرار الداخلي على المدى الطويل.
تشير مقارنة الاقتصاد الحربي الإيراني بين حرب الثمانينيات وحرب 2025 مع إسرائيل إلى أن الحروب في إيران لا تخاض فقط بالسلاح، بل تدار أيضا عبر منظومات اقتصادية متشابكة، يتم من خلالها إعادة ترتيب الطبقات، وتوزيع الثروة، وتثبيت السلطة. وبينما تغيّرت طبيعة التهديدات، ظلت السياسات الاقتصادية متكررة في جوهرها، قائمة على تسخير الموارد للجبهة العسكرية، وتهميش احتياجات المواطن، وإغلاق منافذ المساءلة والشفافية.
في ظل هذا النمط، تصبح الحرب وسيلة لضبط الداخل وتوجيهه، أكثر من كونها ردا على تهديد خارجي، والاقتصاد الحربي ليس فقط استجابة ظرفية، بل هو سياسة دائمة يعاد إنتاجها مع كل أزمة، ما يجعل المواطن الإيراني هو الخاسر الأكبر في معركة لا يد له في إشعالها.

