البرلمان الإيراني يبدأ إصلاح نظامه الداخلي لمواجهة هدر الوقت وتعزيز فعالية الرقابة على الوزراء

Image

ترجمة: ساره شعبان المزين

نشرت وكالة أنباء “إيرنا” الإيرانية، الجمعة 12 ديسمبر/كانون الأول 2025، تقريرا أفادت فيه بأنه استنادا إلى المادة 88 من الدستور الإيراني، يمكن لنواب البرلمان الإيراني استدعاء رئيس الجمهورية أو وزرائه إلى البرلمان وطرح الأسئلة عليهم. 

وقد نصت هذه المادة على أنه في أي حالة يسأل فيها ما لا يقل عن ربع نواب البرلمان الإيراني الرئيس أو أي وزير مسؤول عن إحدى مهامه، يكون الرئيس أو الوزير ملزما بالحضور في البرلمان والرد على السؤال، ولا يجوز تأجيل هذا الرد أكثر من شهر بالنسبة للرئيس أو أكثر من عشرة أيام بالنسبة للوزير، إلا بعذر مبرر يقرره البرلمان.

وأضافت الوكالة أنه وبالرغم من استمرار العلاقات بين قصر الرئاسة (الباستور) والبرلمان (بهارستان) في مدار التوافق على مدى أكثر من عام، إلا أنه قد تؤثر كثرة استدعاءات النواب لبعض الوزراء على هذا التوافق الثمين، خاصة مع استمرار النواب في الأيام الماضية بالضغط لاستمرار هذه الممارسة، حيث شهد الدورة الثانية  عشرة للبرلمان الإيراني موجة جديدة من الأسئلة الموجهة إلى أعضاء حكومة مسعود بزشکیان.

وتابعت أنه لا يمكن التحقق حاليا مما إذا كانت هذه الحدة في طرح الأسئلة على الوزراء ناتجة عن حرص على تلبية مطالب المواطنين فقط، أم أن وراءها أهداف سياسية؛ وهو أمر سيكشفه الزمن لكن ما لا يخفى على أحد هو أن الاستدعاءات المتكررة للوزراء للحضور إلى اللجان المتخصصة أو إلى جلسات البرلمان، بالإضافة إلى وضعهم في حلقة مستهلكة ذهنيا، تستهلك الكثير من وقت المسؤولين التنفيذيين في البلاد، وفي النهاية، فإن أداة الرقابة المتمثلة في سؤال الوزراء لا تفقد فاعليتها فحسب، بل قد تؤدي إلى نقض الغرض منها أيضا.

إحصاءات مذهلة عن تسجيل أسئلة النواب للوزراء

ذكرت الوكالة أنه في 21 أغسطس/آب 2024، عندما مرّت أقل من 100 يوم على تشكيل حكومة بزشکیان، أعلن محمد رشيدي عضو هيئة رئاسة البرلمان عن تسجيل 450 سؤالا من النواب للوزراء، أي بمعدل حوالي أربعة أسئلة لكل يوم من أداء حكومة ناشئة. 

وأضافت الوكالة أن معدل تسجيل الأسئلة استمر في الأشهر التالية بالارتفاع الحاد، حيث كشف رئيس البرلمان في 31 يوليو/تموز 2025، ردا على اعتراض نائب مشهد وکلات، عن إحصاءات غريبة بشأن الأسئلة.

وتابعت أنه في تلك الجلسة، أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قالیباف، ردا على اعتراض حسن علي أخلاقي أميري بشأن عدم النظر في أحد أسئلته بعد ستة أشهر، أن هناك 1920 سؤالا من النواب للوزراء والوقت المخصص للجنة محدود، مما يؤدي إلى بطء في معالجة الأسئلة، كما أشار إلى أن بعض الأسئلة أحيانا غير ضرورية أو غير منطقية، إلا أن النواب يصرون على اعتبارها وطنية.

Image

وأوضحت أن النائب حسن علي أخلاقي أميري استنادا إلى المادة 207 من النظام الداخلي للبرلمان، أشار إلى أن أحد أدوات الرقابة للنواب هو طرح الأسئلة على الوزراء، وأن اللجنة لها 15 يوما بعد استلام السؤال لمراجعته، مؤكدا أنه قدم في 12 ديسمبر/ كانون الأول 2024 سؤالا لوزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وأحالت هيئة الرئاسة السؤال إلى اللجنة المختصة، إلا أنه لم يتم النظر فيه بعد مرور ستة أشهر.

وأضافت الوكالة أن كشف الإحصاءات المرتفعة لتسجيل أسئلة النواب للوزراء لم يتوقف عند الرقم الذي أعلن عنه قالیباف، إذ كشف نائب رئيس البرلمان بعد أسبوع عن إحصاءات جديدة، حيث أعلن حميد رضا حاجي بابايي في جلسة الثلاثاء 7 يوليو/تموز 2025، ردا على تذكرة مجموعة من النواب حول عدم إدراج أسئلتهم في جدول الأعمال، أن 2238 سؤالا من النواب للوزراء تم تسجيلها، وأن حركة الأسئلة كثيفة جدا، مؤكدا ضرورة طرح الأسئلة التي لها صفة وطنية وتؤثر في البلاد والبرلمان بحيث تؤدي دورها الرقابي بفعالية.

أسئلة غير رقابية؛ من هدر الوقت إلى الإضرار بالثقة العامة

ذكرت الوكالة أنه منذ تشكيل حكومة بزشكيان، أدى حرص بعض النواب على تسجيل أسئلة متعددة، والتي أحيانا أدت إلى استدعاء الوزراء إلى اللجان المتخصصة أو جلسات البرلمان، إلى تكبد الحكومة وحتى الهيئة التشريعية للبلاد تكاليف كبيرة، الأمر الذي جعل ضرورة تعديل القوانين الداخلية للبرلمان أمرا لا مفر منه منذ فترة طويلة.

وتابعت الوكالة أن أحد أكبر أضرار هذا النهج الحالي يتمثل في هدر وقت وجهد الوزراء والبرلمان نفسه.

وأضافت أن نائب الرئيس الأول، في 17ديسمبر/كانون الأول 2025، خلال اجتماع المجلس الأعلى لتوجيه برنامج التقدم السابع، أشار إلى أهمية تضافر جهود الهيئة التشريعية مع الجهاز التنفيذي للبلاد، مؤكدا أن حق النواب يشمل السؤال، والتحقيق، والتفحص، والتنبيه، واستجواب الوزراء، لكن عليهم أن يدركوا أن طرح سؤال واحد على وزير يستغرق منه ما لا يقل عن 20 ساعة من وقته، بالإضافة إلى 80 إلى 100 ساعة من وقت الوزارة للرد على السؤال. 

وأشار إلى أنه إذا كان طرح السؤال يهدف إلى دفع الأمور الرئيسية للبلاد، فإن الوقت المستغرق قد يصل إلى 200 ساعة، مضيفا أن الوزير إذا قضى 20 ساعة للرد على سؤال وما يعادله في اجتماعات الحكومة، فمتى سيوفر الوقت لأداء مهامه الأساسية.

Image

وأكدت الوكالة أن الأسئلة غير الضرورية ليست مجرد سبب لهدر وقت الوزراء، بل أن بعضها قد يتحول إلى سباق سياسي، ما يجعل الضرر أعظم من الحالة الأولى وفي هذا السياق، يتضرر إلى جانب الحكومة ثقة المجتمع العامة في الهيئة التشريعية.

وبينت الوكالة أن الرأي العام خلال الأشهر الأخيرة تساءل مرارا عما إذا كانت جميع هذه الأسئلة الموجهة للوزراء فنية بالفعل أم أن هناك أهدافا سياسية خفية وراءها، وهو سؤال أجابت عليه مجموعات سياسية داخلية وخارجية بأجوبة متباينة، ومن المعروف أن بعض هذه الإجابات تخالف المصالح الوطنية.

وأضافت أن أحد النشطاء السياسيين طرح سؤالا على ابن رئيس الجمهورية جاء فيه: هل تنفون فعليا وجود اتفاق بين الحكومة والبرلمان بشأن تغيير بعض الوزراء؟ وهو أحد التكهنات العديدة حول تنقل الوزراء المتكرر إلى البرلمان، والتي على الرغم من شيوعها، تؤثر تأثيرا أقل على الرأي العام مقارنة بكمية الشائعات المكثفة المنتشرة في هذا المجال.

وأكدت الوكالة أن يوسف بزشکیان رد عليه قائلا إن السؤال قد طرح على الرئيس الإيراني وقد تم نفيه تماما، مشيرة إلى أن هذه التكهنات وردودها مرتبطة باستجواب محتمل لبعض الوزراء، إلا أن تكرار الأسئلة غير المثمرة من بعض النواب قد يشغل بال الوزراء عن تقديم إجابات والتفاعل بشكل مناسب، ويفتح المجال لاحتمال استجوابهم مستقبلا.

Image

توجيهات المرشد الأعلى للنواب بشأن الأسئلة الحكومية

ذكرت الوكالة أن المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، منذ تشكيل حكومة الوفاق، في مناسبات مختلفة، أكد على ضرورة خلق والحفاظ على الوحدة بين السلطات، لا سيما بين الحكومة والبرلمان. 

وبينت أنه في 31يوليو/تموز 2024 خصص جزءا من كلامه خلال لقاء نواب البرلمان في الدورة الثانية عشرة لمناقشة لوازم استخدام أدوات الرقابة البرلمانية تجاه الحكومة، مقدما تذكرين للنواب الأول، أن الهدف من الرقابة هو تعزيز كفاءة الحكومة، ولذلك يجب ألا تُستخدم أدوات الرقابة لأسباب سياسية أو شخصية أو حزبية والثاني، ضرورة تجنب الإفراط أو التفريط في طرح الأسئلة على الوزراء.

وأضافت الوكالة أن المرشد الأعلى لإيران، أشار خلال اللقاء إلى أن وزراء الحكومات السابقة كانوا يراجعونه غالبا يشتكون من كثرة الأسئلة في البرلمان، موضحا أن هذه الأسئلة تأخذ ساعات من وقتهم سواء في جلسات البرلمان أو اللجان، مطالبا بأن تُمارس الرقابة حيث يجب أن تكون ولكن بشكل منصف وعادل.

وأوضحت أنه في 21 يونيو/حزيران 2025، كرر المرشد الأعلى لإيران، تذكيره للنواب بعدم إشغال الوزراء بكثرة الأسئلة، مؤكدا أن أحد أشكال التعاون مع الحكومة هو تجنب إرهاق المسؤولين بكثرة الاستدعاءات والأسئلة في البرلمان، وأنه يجب الاقتصار في الإجراءات الرقابية على الأمور الضرورية فقط.

ذكرت الوكالة أن هذا التوصيف يأتي في ظل التحديات الكبيرة التي واجهت حكومة الوفاق منذ يوم أداء اليمين، والتي بلغت ذروتها خلال الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوما، مشيرة إلى أن ضرورة تعاون النواب مع الحكومة ازدادت أهمية. 

وأوضحت أن هذا التعاون، كما يعتقد أعضاء الحكومة، لا يعني التنازل عن المهام الرقابية للبرلمان، بل هو مفتاح لتجاوز هذه الأيام الصعبة من خلال احترام وقت المسؤولين الحكوميين لحل مشكلات المواطنين والحفاظ على الوحدة بين الحكومة والبرلمان.

وأضافت الوكالة أن الالتزام العملي بتوصيات المرشد الأعلى لإيران في هذا المجال يجب أن ينعكس في تعديل النهج الرقابي للنواب بشكل ملموس.

إصلاح النظام الداخلي لتعزيز التكامل بين السلطتين

ذكرت الوكالة أن عدة أشهر بعد تذكيرات المرشد الأعلى لإيران وملاحظات كبار مسؤولي حكومة بزشكيان واحتجاجات الأوساط السياسية، أشارت الأخبار من لجنة النظام الداخلي للبرلمان إلى أن النظام الداخلي المثير للجدل في البرلمان قد بدأ في مسار الإصلاح، وذلك لمنع بعض النواب من طرح أسئلة بلا جدوى وطنية أو رقابية قد تهدر وقت وجهد المسؤولين.

وأضافت الوكالة أنه بموافقة أعضاء اللجنة، تقرر أنه بعد هذا التعديل، إذا طُرح سؤال على وزير في جدول أعمال الجلسة العامة، سيتم التصويت فورا في البرلمان على مدى رضا أو عدم رضا النواب عن إجابة الوزير، مع حذف مرحلة إقناع أو عدم إقناع السائل نفسه.

Image

وبينت أن التحضيرات لهذا القرار ظهرت في الإعلام بعد جلسة البرلمان بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، حينما رد هادي قوامي، نائب اسفراین، على سؤال حامد یزیدیان، نائب أصفهان، الموجه لوزير الطاقة بالاستناد إلى المادة 88 و 89 من الدستور، قائلا: «عندما يُطرح السؤال في اللجنة ولا تقنع اللجنة، يجب على البرلمان اتخاذ القرار في هذا الشأن، في هذه الجلسة لم يُطرح شيء لإقناع نائب أصفهان، وكان بالإمكان متابعة ذلك في اللجنة مباشرة لتوفير وقت البرلمان، الذي يخص كل شعب إيران».

وأوضحت الوكالة أن محمد باقر قالیباف، رئيس البرلمان، أقر بملاحظة قوامي وأعلن أنه سبق أن طلب من لجنة النظام الداخلي للبرلمان التأكد من طرح أي سؤال يُحال إلى الجلسة للتصويت عليه في البرلمان، وأن اللجنة يجب أن تتابع وتعدّل هذا الموضوع حتى يحصل على موافقة ثلثي النواب عند إقراره، ليتم تصحيح الخلل.

واختتمت الوكالة بالإشارة إلى أن رضا جباري، أحد أعضاء هيئة رئاسة البرلمان، أعلن أن الاقتراح حصل على موافقة اللجنة وسيُرسل قريبا إلى هيئة الرئاسة، مشيرة إلى أنه يجب متابعة تنفيذ هذا القرار لمعرفة متى سيصبح نافذا، لضمان إزالة أحد العوائق أمام استغلال النواب والمسؤولين الحكوميين لوقت خدمتهم للشعب، لا سيما مع تراكم مشاريع القوانين التي تنتظر التصويت في البرلمان لفترات طويلة ويُعرقلها هدر الوقت في الجلسات.