- زاد إيران - المحرر
- 592 Views
نشر موقع «ديده بان إيران» الخميس 11 ديسمبر/كانون الأول تقريرا حول التداعيات الاقتصادية والسياسية والتاريخية لسيطرة الإمارات على الجزر الإيرانية. واعتمد التقرير على معلومات تاريخية وإرشادات من المؤرخ خسرو متعضّد، كما أُجري حوار مع حسن مرادي، أستاذ القانون الدولي في جامعة طهران، ومع محمود خاقاني، المدير العام السابق في وزارة النفط، حول وضع الجزر الإيرانية التي جرى الاستيلاء عليها.
استهل الموقع التقرير بالقول أن العرب جاؤوا ليستأجروا الأرض ويرعوا ماشيتهم ويدفعوا المال مقابل ذلك. ثم مكثوا؛ ادّعوا الملكية، وبقوا. أمّا نحن فلم نَرَ شيئا، إذ كنّا غارقين في همومنا. يوما كانت أعيننا منشغلة بسعر الدولار، ويوما آخر معلّقة بمفاوضات الاتفاق النووي. لم يكن لدينا “عين ثالثة” لترى أن جزيرة أريانا بمساحتها البالغة 12 كيلومترا، وجزيرة زرکوه ذات الـ8 كيلومترات، تنفلتان من أيدينا.
وأضاف أن اليوم، تستخرج دولة الإمارات المتحدة يوميا نحو 550 ألف برميل من النفط من هاتين الجزيرتين. ولإدراك حجم هذا الرقم، يجدر التذكير بأن إيران، منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي وحتى وصول بايدن إلى السلطة، كانت تبيع ما بين 850 إلى 900 ألف برميل يوميا فقط. وهذا يعني أن الإمارات في السنوات الأخيرة تستخرج ما يعادل ثلث مبيعات النفط الإيرانية تقريبا من هاتين الجزيرتين وحدهما.
وأشار إلى أن هاتين الجزيرتين كانتا تُؤجّران في العهدين القاجاري والبهلوي لشيوخ العرب في الخليج، وقد خرجتا اليوم من يد إيران. ولا يقتصر “الثمن” على مساحة الأرض وحدها، بل يشمل كذلك المياه الغنية بالنفط، والموارد الطبيعية ذات القيمة السياحية التي كان يمكن توظيفها لجذب الزوار.
تاريخ الاستعمار
ذكر الموقع أن آخر تصريح رسمي من جهة قانونية في البلاد حول هاتين الجزيرتين يعود إلى عام 2016. حينها قال مسعود كودرزي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان آنذاك، إن الادعاءات التي تروّج لها بعض الدول العربية في المنطقة بشأن ملكية الجزر الإيرانية لا تتعدى كونها مواقف للاستهلاك الداخلي، وإن هذه الدول تثير مثل هذه الملفات بالنظر إلى ظروف المنطقة.
وأكد كودرزي في حديثٍ لموقع إخباري أن ملكية إيران لجزيرتي أريانا وزركوه مثبتة قانونيا بالوثائق، وأن وزارة الخارجية تتابع الموضوع. لكن ما حدث عمليا هو غيابٌ تام عن الملف، وكأن القضية طُويت، وظلّ موضوع ملكية الجزيرتين صامتا. وكأن صانع القرار خلال السنوات الثماني الماضية، بل قبلها أيضا، كان يرى أن لديه قضايا أهم من ملكية الجزر.
وأضاف الموقع أن هذا التساهل لا يخصّ العقود الخمسة الأخيرة ولا هاتين الجزيرتين فقط؛ فمثلا في العهد القاجاري، كان يُؤجَّر بندر لنجه لأحد شيوخ جنوب الخليج بموجب نظام “المقاطعة”. والمقاطعة تعني إسناد مهمة ما لأحد ما مقابل أجر محدد. كما أن بندر عباس، قبل أن ينهي أمير كبير هذا النظام، كان مؤجّرا لأحد من عُمان.

لماذا نظام المقاطعة؟
ذكر الموقع أن الحكومة الإيرانية آنذاك كانت تعتبر شيوخ الخليج رعايا لها، ولم تكن دولة الإمارات قد وُجدت بعد. ولذلك كان يُنظر إلى الشيوخ بوصفهم أشخاصا تمنحهم الحكومة الإيرانية حق الإدارة وفق نظام “المقاطعة”. فمثلا، كان حاكم عُمان يعرض على الدولة الإيرانية مبلغا محددا، ويقول إنه سيدفع سنويا مائة ألف ريال مقابل أن تسمح له إيران بإدارة المنطقة وجباية ضرائبها. وبما أن نادرشاه كان قد بسط سيطرته عليهم بقوة البحرية الإيرانية، ولم تكن الإمارات قد ظهرت بعد، فقد بدا هذا الطلب منطقيا في نظر حكّام تلك الفترة.
وأضاف أن أصفهان ثم طهران –عاصمتا إيران في تلك الفترات – كانتا غارقتين في مشكلات مع الروس والعثمانيين والأوزبك، ولم تكن تولي اهتماما لمثل هذه القضايا. كما أن نفوذ إيران في الخليج كان ثابتا؛ فحين تعرّض الخليج في أوائل القرن السادس عشر لهجوم، سقطت جميع سواحل الجنوب الإيراني من حيث يلتقي شط العرب بالخليج إلى تشابهار وكواتَر بيد البرتغاليين، وكانوا يطلقون على مجموع تلك الجزر اسم “البلاد المقدّسة”. حتى جاء الشاه عباس فاستعاد السيطرة وأعاد الجزر إلى إيران.
ولفت إلى أن المؤرخين ذكروا أن جذور هذه الممارسات تعود إلى العصر الصفوي، ثم إلى فترة الاحتلال البريطاني لجنوب إيران، وتفاقمت في العهد القاجاري. وكان المناخ الجنوبي لإيران جذّابا جدا بالنسبة لشيوخ الخليج، مما جعلهم يدفعون مبالغ كبيرة للحكومة الإيرانية. وكان شيخ الشارقة – بسبب قرب بلاده من هاتين الجزيرتين – يستخدمهما في البداية كمرفأ مؤقت لقوارب الصيد، وكمعسكر استراحة ومرعى للماشية. لكن مع مرور الوقت بدأت الاكتشافات تظهر؛ فقد اكتُشف النفط في جزيرة زرکوه، وتزايدت الأهمية السياحية لجزيرة أريانا.
وأشار إلى إن مناخ جنوب إيران، وخاصة جزرها، يجعل بعض هذه الجزر تشهد في الشتاء أمطارا غزيرة فريدة من نوعها، تتجاوز أحيانا ما يسجَّل في شمال البلاد. وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى أن تستغل بريطانيا – الطامعة تاريخيا في الخليج – هذه الظروف لتزعم أنها “اكتشفت” تلك الجزر، وبالتالي تمنحها لدول أخرى! غير أن الوثائق الموثوقة تؤكد أن جزيرتي أريانا وزركوه، اللتين احتلّتهما أولا بريطانيا ثم الإمارات لاحقا، تعودان لإيران. ومن بين تلك الأدلة خريطة ملاحية رسمها البريطانيون في أوائل القرن العشرين، تظهر فيها الجزر المتنازع عليها، وكل سواحل الخليج، بلون يشير بوضوح إلى تبعيتها لإيران.
وأوضح أنه من الناحية القانونية أيضا، فإن أريانا وزركوه تعودان لإيران، إذ لا توجد أي معاهدة دولية رسمية نقلتهما إلى ملكية الإمارات. وهاتان الجزيرتان محتلتان بصورة غير قانونية ومن دون أي اتفاق أو وثيقة منذ نحو عام 1971، أي منذ نشوء دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد أنفقت الإمارات مبالغ ضخمة لتغيير اسمي الجزيرتين، وخاصة أريانا، واستندت إلى مبررات واهية مثل القرب الجغرافي وصغر المساحة، لتزعم أنها المالك الشرعي لهما.
وبين أن على خلاف ما يتوهم البعض، فإن الجزيرتين ليستا داخل البحر الإقليمي للإمارات، إذ إن لكل دولة حق السيادة على مسافة 24 ميلا بحريا (نحو 44 كيلومترا) فقط من سواحلها، في ما يُعرف بالمياه الداخلية والبحر الإقليمي. بينما تبعد جزيرتا زرکوه وأريانا أكثر من 60 كيلومترا عن السواحل الإماراتية.
وشدد على ضرورة أن تبادر وزارة الخارجية الإيرانية، وقبل أن تنجح الإمارات عبر نفوذها الدولي في تثبيت سيطرتها على الجزيرتين، إلى تشكيل لجنة أو فريق مختص لتقديم تقارير ثم إعداد ملف رسمي لتقديمه إلى الهيئات الدولية ذات الصلاحية. كما يجب – إلى حين التوصل إلى نتيجة – منع أي وجود أو بناء أو نشاط إضافي للإمارات داخل هاتين الجزيرتين.

أريانا
ذكر الموقع أن سير أبو نُعير – التي يكتبها العرب بحرف الصاد – هي نفسها جزيرة أريانا ذات المساحة البالغة 12 كيلومترا مربعا. وأضاف أن دولة الإمارات العربية المتحدة لم تُنشأ إلا عام 1971، ولديها عدد من الجزر، لكن جزيرة سير أبو نعير التي تغيّر اسمها في عهد رضا شاه إلى أريانا تقع جنوب جزيرة أبو موسى ولا تُعد قريبة جغرافيا من الإمارات.
وأوضح أن تتميز جزيرة أريانا تتميز بشواطئ جميلة ذات رمال بيضاء. وبسبب طبيعتها الفريدة والأنواع الحيوانية النادرة فيها، أُدرجت منذ عام 2012 على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
وأشار إلى أنه من الناحية الجغرافية تقع الجزيرة جنوب الخليج ، وتبعد نحو 80 كيلومترا عن كل من جزيرة سيري وأبوظبي. وقد أنشأت الإمارات في الجزيرة مركزا سياحيا كبيرا، وأصبحت تستقطب السياح الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين والصينيين. كما بُني فيها مطار كبير وفندق خمس نجوم، بالإضافة إلى عدد كبير من المطاعم. وتضم الجزيرة جميع النماذج البيئية النادرة الخاصة بمناخها.

زرکوه
ذكر الموقع أن مساحة جزيرة زرکوه تبلغ نحو 8 كيلومترات مربعة، وتحتوي على موارد نفطية شديدة الثراء. ويُقال إن المياه المحيطة بها تنتج نحو 550 ألف برميل من النفط يوميا، وتوجد فيها منشآت نفطية ضخمة تابعة لشيوخ أبوظبي في هذا الموقع المحتل.
وأضاف أن جغرافيا تقع الجزيرة في المياه الواقعة بين الدوحة وأبوظبي، وتبعد 140 كيلومترا عن أبوظبي و160 كيلومترا عن الدوحة، بينما المسافة بينها وبين اليابسة الإماراتية تبلغ حوالي 80 كيلومترا. وكما سبق ذكره، تؤكد جميع الخرائط والوثائق التاريخية أن هاتين الجزيرتين جزء من الأراضي الإيرانية، وأن الطرف الإماراتي لا يمتلك أي وثيقة قانونية تثبت أحقيته بالسيادة عليهما.
وأشار إلى أن الجزيرة في الماضي كانت من أهم مواقع استخراج اللؤلؤ. ويقع فيها حقل زاكوم النفطي الذي ينتج – كما ذكر سابقا – نحو 550 ألف برميل نفط يوميا. كما توجد في الجزيرة منطقة ترفيهية وخدمات متكاملة لموظفي شركة زاكوم، إضافة إلى مطار خاص صغير تديره شركة تطوير حقل زاكوم.
وأوضح أن الجزيرة ذات شكل بيضوي وسطح منبسط، يبلغ طولها حوالي 4 كيلومترات وعرضها نحو كيلومترين، وترتفع تدريجيا نحو الجنوب لتصل إلى قمة يبلغ ارتفاعها 450 قدما.
ولفت إلى أنه رغم أن الجزيرة بلا ماء ولا أشجار، فإنها تحتوي على أعشاب وشجيرات صحراوية، وشواطئ صخرية ورملية. وتضم بيئة الجزيرة سلاحف بحرية وطيورا بحرية نادرة، كما تنتشر على شواطئها أكبر مواقع تعشيش السلاحف في إمارة أبوظبي.
وأشار إلى أنه اكتُشف حقل النفط في الجزيرة عام 1963، وتم تطويره بواسطة ائتلاف شركتَي بي بي وتوتال. ويُعد حقل زرکوه، باحتياطات تبلغ 50 مليار برميل من النفط الخام، من الأصول التابعة لشركة النفط الوطنية في أبوظبي.

تجاهل ملف أريانا وزركوه يضرّ بإيران
ذكر الموقع أن حسن مرادي، أستاذ القانون الدولي للطاقة في جامعة طهران، أعرب عن أسفه العميق لضياع هاتين الجزيرتين من يد إيران، ويستهل حديثه لموقع «دیدهبان ایران» بعبارة: ” كل ساعة يخرج من هذا البستان ثمر جديد”.
وقال مرادي إن الجزيرتين رغم صغرهما تشكلان أهمية كبيرة من حيث السيادة على الموارد، لأن وجود أي جزيرة يمنح الدولة مالكة السيادة عليها نطاقا واسعا من المياه الإقليمية والمياه الساحلية التي تُعد جزءا من ممتلكاتها البحرية.
وأضاف أن على إيران إعادة طرح ملف السيادة عليهما في المحافل الدولية، ليس بسبب مساحتهما، بل بسبب الثروات الهيدروكربونية الموجودة في مياههما.
وذكر أن هاتين الجزيرتين يجب أن تخضعا لتحديد حدود دقيق وواضح؛ فمجرد الادعاء لا يُثبت الملكية في القانون الدولي للبحار. وقال: ينبغي الرجوع إلى الخرائط الدولية، ودراسة انتماء الجزيرتين من الناحية الجغرافية، ثم اتخاذ القرار بناءً على تلك المعطيات إضافة إلى الحقائق التاريخية المتعلقة باستغلال مواردهما.
وتابع موضحا أن عناصر عدة تؤثر في تحديد وضع السيادة، من بينها وجود قوات إيرانية أو إماراتية في الماضي، وسجلات السكن أو النشاط البشري، وفترات السيطرة الأجنبية على الجزر.
وأضافت: “حتى أنا بصفتي متخصصا في القانون الدولي لا أستطيع إصدار حكم قاطع دون دراسة كاملة”. وشدد على ضرورة التحقيق في تاريخ الجزر، وهل كانت مهملة أو بلا سيطرة واضحة في الفترات الماضية، ومن الذي اكتشف مواردها للمرة الأولى.
وتأسف لصمت إيران الطويل، مؤكدا أن مرور الزمن في القضايا التاريخية ليس في صالح إيران. ويذكّر بتجربة الجزر الثلاث، قائلا إن إيران كان ينبغي أن تتخذ الموقف ذاته تجاه أريانا وزركوه، خاصة أن الإمارات لم تكن موجودة حين كانت تلك الجزر تحت السيادة الإيرانية. وتساءل: هل كانت الجزر صالحة للاستعمال قديما، أم أنها ظهرت فوق مستوى البحر حديثا؟ هذه كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة.
وأكد أن الحل اليوم هو اللجوء إلى التحكيم الدولي ورفع دعوى لدى المنظمة الدولية لقانون البحار، مشيرا إلى أن الإهمال في هذا الملف قد يلحق بإيران أضرارا كبيرة.
ما مسؤولية الدولة تجاه جزيرتَي أريانا وزركوه؟
ذكر الموقع أن محمود خاقاني، المدير العام السابق في وزارة النفط، قال إن التعامل مع تاريخ الجزر يجب أن يكون بإنصاف. فمن الناحية القانونية، إن كانت الجزر واقعة ضمن نطاق المياه الإيرانية فلا يمكن أن تتجاهلها الجهات المختصة في وزارتي الداخلية والخارجية. ووصف القول بأن الجزر كانت مغمورة تحت الماء ثم ظهرت وأن النفط يُستخرج منها حاليا بأنه «ادعاء كبير» يستوجب التحقق.
وأضاف خاقاني أن إيران تمتلك شركة نفطية قوية في الخليج، وأن هناك جهات رسمية كان يجب أن تدلي برأيها، لكن حتى الآن لم يصدر أي تصريح رسمي من وزارة النفط أو الداخلية أو الخارجية بخصوص هاتين الجزيرتين. وإن كانت قد انتقلت إلى سيطرة الإمارات بعد عهد الشاه، فيجب التحقيق بدقة في ذلك.
وأشار إلى أن توقيت إثارة هذا الملف – في عهد الرئيس مسعود بزشكيان – يطرح علامات استفهام، وقد يضع الحكومة الجديدة أمام تعقيدات مع بعض الجيران. ويشير إلى أن الحكومة لديها ملفات حساسة قيد العمل، مثل حقل آرش، وحقول فرزاد A وB، والمرحلة 11 من حقل بارس الجنوبي.
واستعرض تفاصيل تعثر المرحلة 11، من خروج «توتال» بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، ورفض «سينوبك» الصينية المشاركة، إلى تعاقد قطر مع الشركات نفسها مما عزز موقفها في الحقل المشترك. وأكد أن أي تفاوض جديد مع العراق أو الشركاء غير الإيرانيين يتطلب موقفا قويا ومستنيرا.
وأشار إلى أن العديد من حقول إيران – نحو 300 حقل – تضررت أو تعطلت نتيجة أعمال هندسية غير فنية، وأن قضايا الطاقة معقدة للغاية ولا تحتمل الإهمال.
وتابع أن وزارة النفط في الحكومة السابقة أعلنت عن جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات، لكنها لم توضّح نوع العقود، وهل هي عقود مشاركة في الإنتاج أو عقود امتياز.
واختتم بالتأكيد إن كانت الجزر تقع قانونيا ضمن البحر الإقليمي الإيراني، فإن على الحكومة الحالية أن تضع هذا الملف في مقدمة أولوياتها، لأنه ليس مجرد مسؤولية حكومية بل مسؤولية دولة بأكملها.

