خبير إيراني: يجب أن تكون كل زيارة خارجية لإيران اقتصادية

Image

نشرت وكالة “خبر أونلاين” الخميس 11 ديسمبر/كانون الأول 2025 حوارا مع بهرام أمير أحمديان، الخبير في شؤون أوراسيا، حول زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تركمانستان وكازاخستان، واصفا إياها بأنها زيارة ذات قيمة، وموضحا أنه في ظل الفتور الذي يعتري العلاقات بين إيران وأوروبا، يتعيّن على طهران الدخول إلى آسيا الوسطى بنظرة تنافسية وواقعية. وفي ما يلي نص الحوار:

ما هي أهداف وأهمية زيارة الرئيس مسعود بزشكيان، إلى تركمانستان وكازاخستان؟

تجري هذه الزيارة في وقت تتعرّض فيه إيران لضغوط غربية، كما أن علاقاتها مع أوروبا تتجه نحو البرود؛ ولذلك فهي زيارة ذات قيمة كبيرة. تُعَدّ كازاخستان دولة واسعة ومهمة اقتصاديا، سواء من حيث المساحة أو من حيث إنتاجها الكبير من المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية. كما أنها دولة مصدّرة للطاقة وتتمتّع بدور مؤثّر، نظرا لامتلاكها موارد معدنية ضخمة ومتنوعة—من مختلف أنواع المعادن، وصولا إلى اليورانيوم—وهو ما يمنحها قدرات كبيرة. كما تمثّل عضوية كازاخستان في «الاتحاد الاقتصادي الأوراسي» نقطة مهمة أيضا.

ولكي تتمكن إيران من الوصول برا إلى كازاخستان، فإنها مضطرة لعبور الأراضي التركمانية، لأنها لا تملك ارتباطا بريا مباشرا مع كازاخستان. لذا، إذا أردنا إقامة اتصال بري مع كازاخستان، فيجب أن نمر بتركمانستان؛ ومن هنا جاءت أهمية إدراج تركمانستان ضمن برنامج الزيارة. وفي الحقيقة، فإن الطريق الوحيد لإيران للوصول إلى الدول الأربع الأخرى في آسيا الوسطى يمر أيضا عبر تركمانستان، لأنها الدولة الوحيدة التي تتشارك الحدود البرية مع إيران في تلك المنطقة.

وبناء على ذلك، ينبغي لترکمانستان أن توفّر الإمكانات والتسهيلات اللازمة لتعزيز العلاقات التجارية بين إيران ودول آسيا الوسطى. إحدى القضايا في هذا الإطار هي رسوم الترانزيت. وحسب ما أعلم، فإن تكلفة عبور الشاحنات تبلغ منذ سنوات نحو دولار ونصف عن كل كيلومتر. ف

على سبيل المثال، التجار الإيرانيون الذين يصدرون السلع إلى طاجيكستان—التي تشترك معنا في اللغة—يجب أن يعبروا الأراضي التركمانية ثم الأوزبكية للوصول إلى طاجيكستان. ولا أعرف المسافة بدقة، لكن تقديري أن الشاحنة تدفع حوالى 1500 دولار رسوم ترانزيت للذهاب، و1500 دولار أخرى للعودة؛ أي ما يقارب 3000 دولار فقط رسوم عبور، إضافة إلى تكاليف الشحن والوقود والشاحنة والسائق. وهذه التكلفة الباهظة ترفع السعر النهائي للبضائع الإيرانية وتقلّل قدرتها التنافسية، فيفضّل المشترون في السوق—مثلا—السلع التركية الأرخص.

وعليه، ينبغي لرئيس الجمهورية أن يعالج هذه المشكلة مع تركمانستان ويؤكّد ضرورة تعزيز التعاون وخفض تكلفة عبور الشاحنات الإيرانية، سواء في ما يتعلق بالترانزيت أو الرسوم الجمركية. كما كانت لدينا في السابق خلافات مع تركمانستان بشأن الغاز، ونأمل أن يتم حلّها الآن. فإذا نجحنا في تيسير العلاقات، فسيصبّ ذلك في مصلحة إيران، ويساعدها على تثبيت موقع أقوى في آسيا الوسطى والحصول على فرص أفضل هناك.

Image

إيران تربطها علاقات بحرية وسككية مع كازاخستان، عبر السفن بين الموانئ وخط حديد يمتد من الساحل الشرقي لبحر قزوين مرورا بتركمانستان وصولا إلى إيران. يمكن استخدام هذا المسار لنقل البضائع من الصين، وهناك مئات القطارات متوقعة، ما يستلزم تجهيز شحنات تصديرية لإعادتها، لضمان جدوى النقل ثنائي الاتجاه.

وينبغي على الرئيس بزشكيان والوفد المرافق مناقشة هذه القضايا، مع إشراك القطاع الخاص وتقليل الاعتماد على الموظفين الحكوميين. ويجب أن تكون كل زيارة خارجية اقتصادية، إذ لا يمكن للعلاقات الثقافية أو السياسية أن تنجح من دون اقتصاد قوي، ويجب التركيز على الطرق، والنقل، والترانزيت، والموانئ، وسوق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.

دول آسيا الوسطى لا تلبي كل احتياجات إيران، خصوصا في مجال التكنولوجيا، كما أن عملاتها غالبا محدودة الاستخدام. ومع ذلك، يشكّل سوق أوراسيا—بعضويته كازاخستان وبيلاروسيا وروسيا وأرمينيا—سوقا مهما يستلزم تسهيل التعاون، مع الحفاظ على استقرار المعاملات وجودة السلع.

المنطقة ليست حكرا على إيران، فالصين والولايات المتحدة وأوروبا نشطة هناك، خصوصا الصين التي تستورد الطاقة عبر كازاخستان وتشارك في مبادرة «الحزام والطريق». اقتصادات آسيا الوسطى—خاصة أوزبكستان وتركمانستان وكازاخستان—مرتبطة بثلاثة أسواق رئيسية: شرقا (الصين)، غربا (أذربيجان وتركيا وأوروبا عبر بحر قزوين)، وشمالا (روسيا).

لا يمكن لإيران تلبية كل احتياجات كازاخستان، ولا العكس، لكنها تستطيع تعزيز صادراتها عبر التعاون في بحر قزوين والممرات البرية والسككية، خصوصًا مع الخط الحديدي الممتد من كازاخستان مرورًا بتركمانستان إلى إيران، مع التخطيط لعودة القطارات محملة بصادرات إيرانية لتخفيض تكاليف النقل وجعل الأسعار أكثر تنافسية.

Image

بالنظر إلى ما أوضحتموه من أهمية تطوير العلاقات الاقتصادية لإيران مع دول آسيا الوسطى، لماذا بقيت هذه العلاقات حتى اليوم محدودة؟ وبعبارة أخرى، ما العوامل التي حالت دون توسعها، رغم المبررات الاقتصادية والأهمية الإقليمية؟

روسيا وبعض دول آسيا الوسطى وحتى أذربيجان جميعها مصدّرة للنفط الخام. وعندما يكون المقصد دولا مستهلكة للطاقة، فمن الطبيعي أن تلبي تلك الدول حاجتها من المصدرين الرئيسيين، ولا يتبقى لإيران سوى قدر محدود، وبالتالي يصبح نطاق التجارة لإيران محدودا جدا.

غالبا ما نطرح في وسائل الإعلام توقعات لا تتوافق مع الواقع الاقتصادي لهذه الدول. كما ذكرت، الهيكل الاقتصادي لها محدد، وأسواقها تتركز شرقا وغربا وشمالا نحو روسيا.

هل يمكن القول إن رغبتهم في تطوير العلاقات الاقتصادية مع إيران محدودة؟

العلاقات الاقتصادية لا تديرها الحكومات وحدها؛ فالحكومة فقط توفر القوانين والبنية التحتية القانونية والمصرفية والتأمينية والنقلية والطرق والحدود… وفي النهاية، القطاع الخاص هو الذي يدفع عجلة التجارة لأنه يمتلك البضائع والشاحنات.

لتطوير التجارة، يجب أن يمتلك البلد سلطة قضائية قوية، وحكومة مسؤولة، وأمنا على الطرق، وسهولة في عمليات التحميل والتفريغ. عندما يتم نقل عشرات آلاف الأطنان من البضائع، إذا كانت الطرق غير آمنة أو الحدود معقدة، فلن تحدث التجارة.

من جهة أخرى، دول آسيا الوسطى غالبا ما تكون مصدّرة للطاقة والمواد الخام، وتحافظ عمدا على صادرات محدودة. لذلك، لا ينبغي أن نتوقع أن نغطي كل احتياجاتهم أو أن نحصل على كل أسواقهم. هذه المنطقة ساحة تنافس؛ فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين والدول المجاورة جميعها نشطة هناك. فلماذا نفترض أن السوق سيكون كله لنا؟

التجارة العالمية تقوم على المنافسة، لا على العلاقات السياسية أو الشعارات الودية. لا أحد يتنازل عن مصالحه لمجرد الصداقة مع دولة أخرى، وإذا فعل، فسيتضرر اقتصاده كما حدث في عهد الاتحاد السوفييتي.

الاقتصاد الصحي يعني أن يراعي الطرفان مصالحهما. ولتطوير التجارة، هناك حاجة إلى قواعد واضحة: قوانين وأنظمة شفافة، مصرف وتأمين فعّال، حدود سريعة، نافذة واحدة للاستيراد والتصدير، طرق آمنة، محطات وقود، مراكز خدمة، أماكن استراحة، وأمن البضائع أثناء النقل.

عندما تنقلب شاحنة ويسرق الناس البضائع وتنتشر مقاطع الفيديو، فهذا يعني انعدام الأمن، وهو ما يعيق التجارة. إذا لم تتوفر السلامة والسهولة، فإن الشركات تختار فورا مسارا بديلا. لذلك، يبقى الحدّ من العلاقات مرتبطا ببنية اقتصادهم، والمنافسة في المنطقة، ونقص البنية التحتية لدينا، وعدم وجود بيئة آمنة ومستقرة للتجارة.

كيف تُفسَّر تدخلات القوى العالمية في آسيا الوسطى: تنافس اقتصادي أم صراع سياسي؟

أرى أن النظر إلى الموضوع من زاوية عسكرية أو أمنية غير صحيح. لا توجد حرب هنا؛ الأمر يتعلق بالتنافس، لا بالصراع. كل قوة تدخل المنطقة تهدف إلى الاستفادة من قدرات آسيا الوسطى. لا ينبغي القول إن آسيا الوسطى هي «الحياة الخلفية لروسيا»، فهذه الدول مستقلة وتتخذ قراراتها بنفسها بشأن علاقاتها. صحيح أن بعض الدول عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، لكن مثلا تركمانستان ليست عضوا وتمضي في طريقها الخاص.

وجود الولايات المتحدة أيضا ليس عسكريا؛ لم يدخل أحدهم بالمدرعات، بل الهدف هو النشاط الاقتصادي. وإذا نجحوا، فيجب أن نفهم السبب، وهو أنهم يمتلكون التكنولوجيا ورأس المال والبنية التحتية المصرفية والتأمينية اللازمة. نحن أيضا إذا أردنا المنافسة، يجب أن نوفر البنية التحتية والمعايير اللازمة.

على سبيل المثال، يجب أن يقدّم المصدر سلعة بمعايير عالية، مع تغليف مناسب، وبناء علامة تجارية موثوقة. الأسواق الخارجية تحتاج إلى استقرار؛ يجب أن يعرف الطرف التجاري أنه يمكنه إدخال سلعة لسنوات دون تغييرات مفاجئة في القرارات الجمركية التي تمنع استيرادها. هذه الأمور تؤدي إلى فقدان الثقة في التجارة الخارجية.

Image

كيف تقيمون دور إسرائيل في هذه المنطقة؟

في الواقع، لا أفهم سبب المبالغة في الحديث عن دور إسرائيل في آسيا الوسطى. إسرائيل ماذا تستطيع أن تفعل؟ هل ستهاجم شاحناتنا، أو تعتقل سائقينا، أو تغلق شركاتنا؟ هم أيضا مجرد منافسين، تماما مثل اللاعبين الآخرين، ويجب أن ننافس نحن كذلك.

شعوب آسيا الوسطى أساسا لا تنظر إلى هذه الأمور أيديولوجيا؛ المهم لديهم جودة السلعة، التغليف المناسب والمعايير المطلوبة، سواء كانت من إيران، إسرائيل أو أي دولة أخرى. المستهلك يملك حرية الاختيار. المشكلة الأساسية عندنا، فنحن لا نلتزم بالمعايير التجارية، من جودة السلعة إلى ثبات اللوائح. أحيانًا نشحن شاحنة، لكن لا نتابعها، أو تتغير القوانين فجأة فتفقد الثقة الخارجية.

يجب على الدولة توفير البنية التحتية: مصرف جيد، وتأمين موثوق، وتأمين دولي، وطرق آمنة، ومحطات استراحة ومعايير واضحة. الأمن وإزالة العقبات وتسهيل التجارة ضرورية، وهذه الأمور طال الحديث عنها لكنها لم تُنفذ بشكل كافٍ.

هل تعتبرون هذه القضايا وتواجد القوى المختلفة في المنطقة مجرد مسألة اقتصادية؟

عندما يسافر رئيس إيران إلى آسيا الوسطى، ما المطلوب منه؟ هل عليه أن يطلب من كازاخستان قطع علاقاتها مع إسرائيل؟ هذا غير منطقي ولا ممكن. طبيعي أن لكل دولة، سواء الصين أو الولايات المتحدة أو غيرها، أهداف سياسية إلى جانب الاقتصادية، لكن لا يجب ربط علاقاتنا بهذه الأمور. عندما يسافر الرئيس، يجب التركيز على المصالح الوطنية لكل طرف والعمل على أساسها.

في المنطقة هناك عدة لاعبين، من بينهم روسيا. لا ينبغي أن نفترض أن روسيا إلى جانبنا من منطلق ود خاص؛ فهي تتبع مصالحها أيضا. مثال على ذلك سوريا: قدمت إيران الكثير من التضحيات، لكنها اليوم خسرت العديد من الإمكانات بينما حافظت روسيا على قواعدها. هذا يعني أنه يجب علينا التصرف بحذر.

إذا طلبنا من الدول ألا تقيم علاقات مع دولة معينة، سيردون علينا بأن هذا اختيارهم. كل دولة تحدد بنفسها من يكون صديقها ومن يكون خصمها. علينا التركيز على تطوير العلاقات الثنائية: ما الذي نصدره، وما الخدمات التي نقدمها، وكيف نلبي الاحتياجات المتبادلة.

العلاقات الاقتصادية لا تقتصر على تصدير السلع؛ إيران يمكن أن تكون نشطة في مجالات الخدمات الهندسية، وشركات الطرق والبناء والموانئ. المستثمر الإيراني يمكن أن يوجه استثماراته إلى كازاخستان، التي توفر ضمانات للاستثمار. هذه التعاونات مفيدة للطرفين وتوجد فرص كبيرة لها.

السفارات موجودة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية، لكن نظرا لإمكانات إيران الاقتصادية المحدودة، يجب التصرف بحكمة. الإنفاق الثقافي فقط، مثل إقامة المهرجانات أو طباعة الكتب، بدون دعم اقتصادي لا يثمر؛ والتجربة أظهرت أن هذه الجهود غالبا بلا جدوى. لذا يجب أن يكون للسفارات دور اقتصادي، والقسم القنصلي مسؤول عن تسهيل العقود ومتابعة حقوق التجار.

عندما ينشط الاقتصاد، تتعزز المجالات الأخرى، مثل التعاون الجامعي. كازاخستان تمتلك جامعات مرموقة، ويمكن المشاركة في تبادل الأساتذة والطلاب. كما توجد فرص ثقافية مشتركة مثل الاحتفال بعيد النيروز، إضافة إلى الروابط الدينية والتاريخية والثقافية التي تسهّل التعاون الإقليمي.