- زاد إيران - المحرر
- 393 Views
شهد الداخل الإيراني خلال الأيام الماضية إحدى أكثر المواجهات الإعلامية والسياسية سخونة بين أحد نواب البرلمان ووكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري الإيراني، بعد أن وجه النائب الأصولي المنتمي لجبهة بايداري في البرلمان والمقرب من سعيد جليلي الأصولي الأشهر، أمير حسين ثابتي، انتقادات حادة لقائد الحرس الثوري بالعاصمة طهران، على خلفية زيارة الأخير لمعرض صناعي نسب إلى شركة إيران خودرو، وقد تطورت هذه الانتقادات سريعا إلى سجال واسع، شغل الرأي العام وأعاد إلى الواجهة قضية الرقابة على المؤسسات العسكرية والجدل حول الفساد في الشركات الحكومية الكبرى
ثابتي… إما جهل أو شيء أخر خلف الكواليس
خلال الجلسة البرلمانية التي عقدت يوم الثلاثاء، 9 ديسمبر/ كانون الأول 2025، ألقى ثابتي كلمة وجه فيها نقدا حادا وغير مسبوق لـ حسن حسن زادة، معتبرا أن حضور قائد الحرس في طهران لفعالية صناعية داخل إحدى منشآت شركة إيران خودرو يمثل إقرارا ضمنيا بسلامة هذه الشركة من الفساد، وقال مخاطبا القائد “السيد حسن زادة، قائد حرس طهران، ذهبت بمناسبة الاحتفال بأسبوع قوات التعبئة إلى شركة إيران خودرو وتقول إنها اليوم رمز الفكر الباسيجي؟ هل حقا لا تعلم أي عصابة مافيا وفساد تسيطر اليوم على إيران خودرو؟، إما أنكم لا تعلمون ما الذي يجري هناك، أو أن هناك ما يحدث خلف الكواليس”، فيما أثارت هذه العبارات صدمة داخل البرلمان، لا سيما مع وصف النائب للزي العسكري للحرس بأنه” زي مقدس لا يجوز أن يرتبط بالاستكبار الداخلي”.


ولم يكتف ثابتي بانتقاد القائد، بل ربط كلامه بملف الفساد داخل الشركة الأكبر في قطاع السيارات الإيراني، معتبرا أن الإشادة بإيران خودرو تعني تجاهلا لمعاناة المواطنين من تدني الجودة وارتفاع الأسعار، كما أشار في خطابه إلى أن ما يحدث داخل الشركة يمس حقوق الشعب، وأن صمته عن ذلك خيانة لمصالح الناس.
رد تسنيم… كذب واتهامات بالباطل ونفاق
هذا وقد لاقت هذه التصريحات انتشارا واسعا في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي فيما لم يمر وقت طويل حتى أصدرت وكالة تسنيم، المقربة من الحرس، ردا شديد اللهجة على اتهامات ثابتي، في مقال مطول اتهمت فيه النائب بالكذب والنفاق، وجاء في المقال” طالب ثابتي، خلال حديثه المليء بالأكاذيب والاتهامات، من العميد حسن زاده احترام هذا الزي المقدس للحرس الثوري، وهذا من غرائب المفارقات، ففي خطابه الذي بث علنا وعلى نطاق واسع من منصة البرلمان ولا يزال منشورا على قناته الخاصة حتى هذه اللحظة، قد وجه كلاما ضد حسن زادة لا تخلو جملة واحدة فيه من خطأ أو افتراء!، حيث قال ثابتي 126 كلمة، كانت أول كلمتين منها نفاقا والباقي كله كذبا محضا”، في إشارة مباشرة إلى بداية خطابه بعبارة أخي العزيز التي اعتبرتها الوكالة رياء مكشوفا.

وتضيف الوكالة” إن ما زاره حسن زادة لم يكن تابعا لإيران خودرو، بل معرض الاكتفاء الذاتي والصناعة الذكية الذي أُقيم بإشراف تعبئة عمال ومصانع الحرس في طهران الكبرى، والذي عقد في مبنى سابكو فقط، أما ما تم عرضه، فهو منتجات نحو 100 شركة معرفية و صناعية وإنتاجية، منها شركة الصناعات الالكترونية الايرانية، بارس إلكتريك، منظمة الصناعات الدفاعية، مدينة الذكاء الاصطناعي، الصناعات الكهرو بصرية، شركات تابعة لمؤسسات المستضعفين، وبعض شركات تصنيع السيارات وقطع الغيار، وهذا كله لا علاقة مباشرة له بإيران خودرو”.
وتابعت” كما أن ما قاله حسن زادة لا صلة له بما ادعاه السيد ثابتي، فالقائد لم يصف إيران خودرو بأنها رمز الفكر الباسيجي أو تحويل التهديدات إلى فرص، بل إنه في مقابلة أجراها في المعرض أشار إلى شكاوى الناس من الأسعار والجودة وغيرها، وما قاله بشأن التهديد والفرصة هو أنه إذا استطعنا تحقيق هدف رئيس الجمهورية بتصنيع محرك سيارة إيراني يستهلك أقل من 5 لترات من الوقود، فهذا يعني أننا حولنا التهديد إلى فرصة، وهذه العبارات لا علاقة لها بما نسبه إليه ثابتي”.

وتابعت تسنيم انتقادها اللاذع للنائب” السيد ثابتي، الذي يهاجم حسن زادة بكم من الأكاذيب والاتهامات، يدعي الحرص على احترام الزي المقدس للحرس، ويا لها من مفارقة مضحكة! فالشخص الذي لا يراعي حرمة إنسان وقائد عسكري، ويلجأ إلى الشائعات والافتراءات الثقيلة، ويهاجم ليس فردا فقط، بل مؤسسة ولباسا، كيف يطلب الآن احترام هذا اللباس؟”.
وأضافت” من جهة أخرى، على قائد في الحرس أن يكون حذرا في أدائه، والتجربة أظهرت أن الحرس من أنزه المؤسسات، وقد ثبت كذب ادعاءات السيد ثابتي بالكامل، ولكن ألا يجب على ثابتي أن يسأل نفسه هل حافظ هو على مكانة البرلمان ومقامه؟ أم أنه في بعض الأحيان قصف هيئة البرلمان بمدافعه عبر ادعاءات غير صحيحة؟ من يصرخ بكل ما يخطر بباله دون بحث أو تحقق، ويعلن ذلك من منصة رسمية، و يتقاعس عن تصحيح كلامه، ومن يفضل اللعب بسمعة الأشخاص على المساعدة الصحيحة للحكم، فكيف يمكن أن يكون ممثلا جيد للأمة؟”.
وختمت الوكالة بالقول” كان العقل والانصاف يقتضيان أنه عندما يصله خبر كهذا، خاصة عن قائد في الحرس الثوري، الذي يدعي السيد ثابتي احترامه لزيه، أن يتحقق من مصادر موثوقة، أو يتواصل مع السيد حسن زادة أو المحيطين به، حتى لا يهجم على شخص بمعلومات كاذبة ويثير البلبلة في الرأي العام، إن الانفعال والشتائم لا يليقان بمقام النيابة، وهذا من نائب يصف نفسه بأنه من أهل العدالة والمبادئ، كان يجب أن يكون أكثر حرصا من غيره”.
إعلام ممول وتضليل للرأي العام
ثابتي لم ينه الموضوع عند ذلك، فخلال تسجيل صوتي نشره على قناة تابعة له على يوتيوب، الخميس 11 ديسمبر/ كانون الأول 2025، قال فيه ” وجهت في جلسة البرلمان الماضية انتقادا إلى حسن زادة، قائد حرس طهران، وفورا، وكما كنت أتوقع، بدأت بعض وسائل الإعلام المعينة وبعض الأشخاص الذين أعرفهم حملة هجوم وتخريب ضدي، وقالوا إنني أهاجم الحرس، وإنني أخطئ في التصرف، لكنني أرى أن الموضوع واضح جدا”.
وتابع” ‘إن نظرتي ليست نظرة تنظيمية، بل نظرة مبدئية، فأنا أعتقد أنه، حتى لو أخطأ شخص يرتدي الزي المقدس للحرس، يجب قطعا أن ننبهه وننتقده، وهذا أصل ديني، وهو المعنى الحقيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن تنتقد الكبار عندما يخطئون. والآن، ما هي القصة؟ انظروا لوسيلة إعلام مثل تسنيم، التي لا نتوقع منها أصلا نشر الحقيقة، موقفها معلوم، فهي ليست مستقلة، ومن الواضح من أين تحصل على ميزانيتها، وأنا أعتقد أن الأخ الذي يكتب الأخبار هناك في النهاية، في أعماق قلبه وضميره، يعرف أنه ينشر كلاما غير صحيح. لكن هؤلاء ليسوا محور حديثي الآن”.

وأضاف” أين كان خطأ حسن زادة؟ إن مجرد الحضور في مكان ظل نواب طوال عام كامل يصرخون بأن هذا المكان خاضع لعصابة فاسدة، مجرد هذا الحضور خطأ بحد ذاته. ولا فرق مَن يكون الحاضر حسن زادة أو أي شخص آخر؛ فالنتيجة واحدة، ومنذ عام ونحن، نواب برلمانيين، نقول إن هذه الشركة تدمر المال العام، وإنها مليئة بالفساد، ثم يأتي قائد في الحرس ولا ينتبه إلى أين يضع قدمه، ويذهب هناك بحجة أنها شركة تابعة! وبعد ذلك يبدأ هناك بتوجيه الشكر لرئيس إيران خودرو ورئيسها الجديد، لقد شاهدت الفيديو الكامل، وهذا خطأ، ولن أسكت عنه أبدا”.
وأردف” لدينا اليوم آلاف العائلات التي دمرتها سيارات إيران خودرو الرديئة، والمليئة بالعطب وقلة الجودة، هناك قتلى، وهناك مصابون أصبحوا معوقين. نحن لا نرى هذه المآسي، ثم نذهب ونقول إن هذه الشركات رمز الفكر الباسيجي؟، هل نتوقع بذلك أن يزيد الناس ثقتهم؟ هذا غير معقول، بعض التيارات في النظام إذا اعتقدت أننا نتصرف سياسيا لأننا لا نهاجم أبناء تيارنا فهي مخطئة تماما، أنا لست من هذا النوع”.
ويشرح ثابتي” بعض الناس يقولون إن مكانة نائب البرلمان تحفظ بالصمت، لكن هذا خطأ أخر، فمكانة نائب البرلمان ليست أن يغطي أخطاء جماعته أو أن يتجاهل فسادهم، مكانة النائب تكون بأن ينزل إلى الميدان، ويتحدث بوضوح، ويطالب، ويدفع الأمور إلى الأمام، هذا ما أفهمه أنا. أما إذا كنتم تعتقدون أن مكانة النائب هي أن يبقى صامتا وأن وجوده وعدم وجوده سواء، فاذهبوا وأخبروا الناس بذلك، وفي الدورة الانتخابية المقبلة، إن أحب الناس أن يصوتوا لقوائمكم فليفعلوا، أما أنا فقد أخذت صوتي من الناس بشرط واضح، ألا أساوم في مثل هذه القضايا، وأن أقول رأيي بسرعة، وأن أكون صريحا، وأن أصرخ بما أراه حقا، وإن لم يعجبكم هذا، فليس مهما، فوسائل الإعلام التي تهاجمني كثيرة، والمال المتدفق عليها أكثر”.
تحليل المشهد
تعددت أسباب غرابة هذا المشهد، فمن جهة، أثار رد تسنيم نقاش أوسع حول حدود النقد في إيران، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات العسكرية، ومن جهة أخرى فليس من المعتاد أن يوجه نائب في البرلمان انتقادا مباشرا لقائد في الحرس الثوري، ما جعل البعض ينظر إلى خطوة ثابتي باعتبارها كسرا لخط أحمر، بينما رأى آخرون أن الوكالة بالغت في ردها بطريقة تضعف مبدأ الشفافية.
وعلى المستوى السياسي، فتح هذا السجال ملف حدود الرقابة البرلمانية على المؤسسات الأمنية والعسكرية، فالدستور يمنح البرلمان حق الرقابة الشاملة، لكن الواقع يبين أن انتقاد الحرس الثوري تحديدا أمر حساس للغاية، وقد اعتبر بعض المراقبين أن رد تسنيم مثل رسالة واضحة لأي نائب يفكر في تكرار خطوة ثابتي، كما أشاروا إلى أن السجال يعكس توترا كامنا بين تيارات سياسية داخل البرلمان، بعضها يميل إلى تعزيز سلطة الحرس في إدارة ملفات اقتصادية، بينما يتبنى آخرون خطابا يركز على مكافحة الفساد في الشركات الحكومية الكبرى، حتى لو أدى ذلك إلى الاحتكاك بالمؤسسات النافذة، وفي هذا السياق قد يقرأ موقف ثابتي باعتباره محاولة لانتزاع ملف إيران خودرو من دائرة النفوذ غير الرسمي.

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد ربط كثيرون كلام ثابتي بالاحتجاجات الشعبية على جودة سيارات إيران خودرو وارتفاع أسعارها، فقد أعاد النائب الأصولي تسليط الضوء على قضية حساسة تمس حياة المواطنين اليومية، الأمر الذي أكسب خطابه دعما من بعض الفئات، رغم الهجوم الإعلامي الشديد ضده، إلا أن رد تسنيم لم يتناول هذه القضية الأساسية، بل ركز على دحض الادعاء المتعلق بزيارة القائد للشركة وعلى الدفاع الشامل عن الحرس، فيما اعتبر أن الوكالة تجاهلت جوهر كلام ثابتي المتعلق بتدهور جودة السيارات وملف الفساد، ما أعطى الانطباع بأن الرد يهدف إلى حماية مكانة المؤسسة العسكرية أكثر من الخوض في النقاش حول الشركة.

في المحصلة، تسببت تصريحات النائب ورد تسنيم في خلق موجة جديدة من السجال السياسي والإعلامي، لم تتوقف عند حدود البرلمان، فالقضية مست ثلاث ملفات كبرى دفعة واحدة، مكانة الحرس الثوري، وأزمة الثقة في الشركات الحكومية الكبرى، وحدود حق النواب في التعبير. وإذا استمر هذا النوع من المواجهات، فقد يشكل ملامح مرحلة جديدة في السياسة الإيرانية تقوم على صراع مفتوح بين أجنحة داخل النظام حول إدارة الاقتصاد والشفافية.

