- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 303 Views
تشهد منطقة الشرق الأوسط لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها أزمات الأمن الإقليمي مع التحولات الكبرى في السياسة الدولية، ومع تصاعد الضغوط المتبادلة بين القوى العالمية، تلوح في الأفق مؤشرات على رغبة متبادلة بين واشنطن وطهران لفتح قنوات اتصال جديدة، أو على الأقل تخفيف حدّة التوتر بما يسمح بإعادة ترتيب قواعد الاشتباك في المنطقة.
هذا الانفراج النسبي لا يظهر فقط عبر الرسائل الدبلوماسية المباشرة، بل أيضا من خلال ردود الفعل الإقليمية، وخاصة في لبنان، الذي يجد نفسه دائما في موقع حساس بين النفوذ الإيراني والمواقف الغربية، وفي هذا السياق، جاءت سلسلة من المواقف اللبنانية والإيرانية لتعكس مرحلة جديدة قد تحمل ملامح محتملة لإعادة هندسة للعلاقات المتشابكة بين القوى الإقليمية والدولية.
مشاهد سريعة على صفيح ساخن
صرح وزير الخارجية اللبناني، يوسف رجي، الأربعاء 10 ديسمبر، كانون الأول 2025، عن أعلن استعداد بلاده لبدء مرحلة جديدة من العلاقات مع إيران، مؤكدا أن بيروت مستعدة للدخول فيما وصفه بحقبة بناءة تتأسس على الاحترام المتبادل، وعلى قاعدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية، كما حرص رجي على الإشارة إلى أن لبنان لا يسعى إلى تبديل تحالفاته أو تغيير اتجاهاته الاستراتيجية، بل إلى إدارة علاقاته الخارجية بما ينسجم مع الظروف الجديدة في المنطقة، وأضاف وزير الخارجية اللبناني في معرض تصريحاته أنه يؤمن إيمانا راسخا بأن بناء دولة قوية لا يكون إلا من خلال حصر السلاح بيد الدولة والجيش الوطني، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد السلطة الشرعية الرسمية في البلاد.

تأتي تلك التصريحات في لحظة يواجه فيها لبنان ضغوطا دولية وإقليمية واسعة، ويبدو فيه أن الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة فتح قنوات تواصل محسوبة مع جميع الأطراف، بما في ذلك إيران، دون أن ينعكس ذلك على علاقاتها الغربية أو مصالحها السياسية الداخلية.
من جهتها، التقطت طهران هذه الإشارة سريعا، فقد بادر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى الترحيب بموقف نظيره اللبناني، وأكد في رسالة الرسمية أن إيران مستعدة لبحث آفاق العلاقة وتطويرها بما يخدم مصالح البلدين، وأعاد عراقجي في رسالته التأكيد على حرص إيران على دعم لبنان سياسيا واقتصاديا، وعلى استعدادها للانخراط في حوار مباشر حول الملفات الثنائية والإقليمية، كما دعا وزير الخارجية الإيراني نظيره اللبناني إلى زيارة رسمية إلى طهران في أقرب فرصة، معتبرا أن الحوار المباشر بين الجانبين يشكل خطوة ضرورية لإزالة الالتباسات وتعزيز التعاون، مؤكدا خلال دعوته ثقته بأن الشعب والحكومة في لبنان سيتمكنان من تجاوز التهديدات والتحديات القائمة بنجاح.

لكن بيروت، والتي تعيش تحت ضغط سياسي وأمني مكثف، فضلت التعاطي بحذر مع الدعوة الإيرانية، فقد رد وزير الخارجية اللبناني برسالة أعرب فيها عن تقديره للدعوة، إلا أنه أوضح أن الظروف الراهنة لا تسمح بزيارة رسمية إلى طهران، مؤكدا أن رفض الزيارة لا يعني رفض الحوار، وإنما يعود إلى اعتبارات داخلية وإقليمية دقيقة تستوجب إدارة التواصل بطريقة لا تفهم على أنها اصطفاف سياسي، واقترح الوزير اللبناني أن يجري اللقاء في دولة ثالثة محايدة، الأمر الذي عكس رغبة بيروت في الحفاظ على مستوى من الندية والابتعاد عن أي رسائل سياسية قد تفسر على أنها انحياز لمحور إقليمي على حساب آخر.

ورغم الحذر اللبناني، فقد حرص عراقجي على احتواء الموقف بطريقة دبلوماسية، فخلال منشور على حسابى عبر منصة إكس، قال” في حين أشكر يوسف رجي على دعوته اللطيفة، فإن قراره عدم الترحيب برد إيران على كرم ضيافته أمر يثير الاستغراب، علاوة على ذلك، فإن وزراء خارجية الدول التي تربطها علاقات أخوية وكاملة من الناحية الدبلوماسية لا يحتاجون إلى مكان محايد للاجتماع”.

وتابع” وبالنظر إلى الاحتلال الإسرائيلي والانتهاكات الصارخة لوقف إطلاق النار، فإنني أتفهم تماما سبب عدم استعداد نظيري اللبناني الموقر لزيارة طهران، ولذلك، فسأقبل بكل سرور دعوته للمجيء إلى بيروت، نحن أيضًا نسعى إلى فصل جديد في العلاقات الثنائية، قائم على المبادئ الدقيقة التي طرحها الوزير رجي”.
يأتي رد عراقجي كجزء من استراتيجية إيرانية واضحة تظهر في تصريحات أخرى لمسؤولين إيرانيين، وتسعى إلى تقديم إيران كطرف منفتح ومرن في التعامل مع الحكومة اللبنانية الجديدة، خاصة بعدما أثارت تصريحات علي أكبر ولايتي حول ضرورة وجود حزب الله ردود فعل غاضبة داخل لبنان، وقد حاول عراقجي عبر تصريحه أن يخفف من أثر تلك التصريحات وأن يثبت أن العلاقات بين طهران وبيروت يمكن أن تدار عبر القنوات الرسمية لا عبر التصريحات السياسية العابرة.

التقارب الإيراني اللبناني وموقع حزب الله… قراءة في تفاصيل المشهد
يمكن قراءة رسالة وزير الخارجية اللبناني إلى نظيره الإيراني ضمن طبقات متداخلة من الاعتبارات السياسية التي تجمع بين ضغوط الداخل وتحولات الخارج ومسار التوازنات الدولية، وهي اعتبارات تتصل بشكل مباشر بالمشهد الإقليمي الذي يشهد بدوره حالة تهدئة نسبية بين إيران والولايات المتحدة، والتي يصفها البعض بأنها أشبه بالهدوء الذي يسبق العاصفة.
هذه التهدئة انعكست على السلوك السياسي للفاعلين الإقليميين في الشرق الأوسط، ومنها لبنان الذي يتحول عادة إلى ساحة اختبار لأي تبدل في المزاج الدولي تجاه طهران، وهو ما جعل بيروت تتحسس اللحظة السياسية الجديدة وتعيد ترتيب مقاربتها لعلاقاتها مع إيران ضمن إطار أكثر حذرا، فتظهر رسالة رجي مدى تعقد الموقع اللبناني بين ضغوط أمريكية وإسرائيلية وعربية تتنامى بهدف نزع سلاح حزب الله وإعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي، وبين ضرورة عدم خسارة خطوط التواصل مع طهران التي تبقى لاعبا مركزيا في المعادلة اللبنانية رغم الحرب التي دخلت فيها وأضعفت مما يسمى بمحور المقاومة.

كذلك، يعكس تأكيد الوزير اللبناني على أن احتكار السلاح يجب أن يكون بيد الدولة والجيش الوطني هذا المشهد المركب، فهو، حسب تحليلات إيرانية، من جهة رسالة إلى القوى الغربية والعربية بأن بيروت تتحرك باتجاه تعزيز السلطة الرسمية، ومن جهة أخرى محاولة لطمأنة الداخل اللبناني بأن الحكومة الجديدة تلتزم خطابا مؤسساتيا في إدارة التوازنات الحساسة.
هذه الرسالة، بما تحمله من دلالات، تتقاطع مع التحولات الإقليمية التي بدأت تفتح فجوة لمساحة مناورة أوسع أمام لبنان، في ظل إدراك بيروت أن أي انفراج في العلاقة بين طهران وواشنطن يتيح لها فرصة لإعادة بناء علاقاتها الخارجية بطريقة أقل تصادما وأكثر اتزانا، ويتأكد هذا الاتجاه من خلال طلب لبنان عقد اللقاء مع إيران في دولة ثالثة محايدة، وهو طلب يعكس إدراكا عميقا بأن أي خطوة دبلوماسية غير محسوبة مع طهران قد تفهم، سواء من دول عربية أو من واشنطن وتل أبيب، على أنها اصطفاف سياسي في ظرف إقليمي ضاغط.
وفي الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى صياغة علاقة منضبطة وتحت الرقابة مع إيران، تبدو طهران من جانبها معنية باستخدام الانفراج النسبي في علاقتها مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط المزدوجة عليها وعلى حزب الله، فالحزب، الذي تعرض في العام الأخير لهجمات إسرائيلية مؤثرة واستهدافات دقيقة لبنيته التحتية وقياداته، بات في موقف يستوجب إعادة ترتيب أولوياته، فيما تستمر واشنطن في دعم خطط نزع سلاحه ومحاولة دفع الجيش اللبناني للعب دور أوسع في الجنوب.

كما تدرك طهران أن مقاربتها التقليدية في خطابها السياسي تجاه لبنان قد تستغل من خصومها الإقليميين والدوليين، ما يجعلها تميل إلى خطاب أقل حدة وأكثر دبلوماسية، وهو ما ظهر في رد عراقجي الذي حاول امتصاص الرفض اللبناني للدعوة دون تصعيد، وتقديم موقف مرن ينسجم مع ما يواجهه لبنان من ضغوط، كما تلعب إسرائيل دورا محوريا في تكثيف حساسية المرحلة، إذ أدت عملياتها العسكرية المستمرة إلى خلق بيئة إقليمية فائقة التوتر، دفعت طهران إلى تجنب أي رسائل قد تفسر بأنها محاولة لتأجيج الوضع.
وتكشف ردود الفعل اللبنانية على تصريحات علي أكبر ولايتي بشأن أهمية حزب الله مستوى الحساسية التي تغلف الحالة اللبنانية، ما جعل طهران أكثر حرصا على ضبط إيقاع رسائلها السياسية. وفي هذا السياق، تصبح العلاقة بين بيروت وطهران انعكاسا مباشرا للانفراج النسبي بين الولايات المتحدة وإيران، انفراج يسعى الطرفان من خلاله إلى إدارة التوتر لا إنهائه، وإلى الحفاظ على النفوذ لا توسيعه، وإلى حماية موقع حزب الله دون استفزاز الغرب.
العلاقات الإيرانية اللبنانية… اتجاهات مستقبلية وسيناريوهات محتملة
تشير التطورات الدبلوماسية الأخيرة بين لبنان وإيران إلى أن علاقتهما تدخل مرحلة جديدة تتسم بالانضباط والحساسية، في ظل بيئة سياسية داخلية وإقليمية معقدة، فالتحركات اللبنانية، سواء عبر تصريحات وزير الخارجية أو من خلال طريقة الرد على الدعوة الإيرانية، تكشف رغبة بيروت في إعادة تشكيل علاقتها بطهران ضمن إطار يراعي الضغوط الدولية التي تتعرض لها، وفي الوقت نفسه لا يقطع خط التواصل الحيوي مع دولة تلعب دورا مركزيًا في التوازن اللبناني.
ويبدو أن بيروت تدرك اليوم أن استمرار علاقاتها مع إيران بالشكل التقليدي قد يعرضها لاصطفافات خطرة، خصوصا في ظل وجود خريطة طريق أمريكية تهدف إلى نزع سلاح حزب الله وإعادة توزيع موازين القوة داخل الدولة اللبنانية. هذا التوجه، وفق تحليلات، يضع الحكومة اللبنانية أمام خيارين أحلاهما مر إما الامتثال للضغوط الأمريكية ما يعني تهديد العلاقة مع إيران، أو التمسك بعلاقتها مع طهران ما قد يؤدي إلى عزلة عربية ودولية، من هنا، تأتي فكرة تعديل شكل العلاقة بدلا من تغيير جوهرها، أي الانتقال إلى علاقة محكومة بضوابط سياسية ودبلوماسية تسمح لبيروت بالمناورة بين الضغوط المتعارضة.
في هذا الإطار، يمكن رسم ملامح ثلاثة سيناريوهات للنظر في مستقبل العلاقة بين البلدين، السيناريو الأول، الذي يبدو الأكثر ترجيحا، يقوم على التوازن الحذر، وفيه تستمر العلاقات الدبلوماسية بين بيروت وطهران، لكن دون توسع كبير أو خطوات سياسية مفاجئة، ويعني هذا السيناريو أن لبنان سيحافظ على التواصل مع إيران ضمن حدود محسوبة للغاية، بحيث لا تظهر بيروت وكأنها تتجه نحو محور سياسي معين، هذا السيناريو يتناسب مع الخطاب اللبناني الذي يسعى لتأكيد استقلالية القرار الوطني رغم التعقيدات السياسية الداخلية.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في التصعيد، وهو سيناريو وارد إذا اشتدت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على الحكومة اللبنانية في ملف حزب الله، فإذا دفعت واشنطن باتجاه فرض شروط صارمة على الجيش اللبناني، أو إذا استمرت إسرائيل في عملياتها العسكرية التي تستهدف الحزب والبنية التحتية اللبنانية، فقد تجد بيروت نفسها مضطرة إلى الابتعاد عن طهران ولو بشكل مؤقت، لإظهار استعدادها للتعاون مع المساعي الدولية، وقد يؤدي ذلك إلى فتور دبلوماسي وتراجع مستوى التواصل السياسي، لكنه لن يصل إلى حد القطيعة الكاملة بحكم تشابك الملفات بين البلدين.
أما السيناريو الثالث فهو الأقل احتمالا، لكنه يظل ممكنا في ظل تغيرات إقليمية كبرى، وهو سيناريو الحوار العميق، وهذا السيناريو يتطلب ظروفا إقليمية ودولية أكثر استقرارا، وربما رعاية دولية، خصوصا من جانب فرنسا التي حاولت لعب دور الوسيط في أكثر من محطة، فيما قد يفتح هذا السيناريو الباب أمام إعادة صياغة موقع حزب الله ضمن إطار تفاوضي يضمن الاستقرار الداخلي، ويطمئن القوى الدولية المتخوفة من دور الحزب، وقد تتضمن هذه الصياغة تفاهمات بين إيران والدول الغربية حول حدود النفوذ الإيراني في لبنان، وهو أمر طالما كان محورا للنقاشات غير المعلنة في السنوات الماضية.
تشير قراءة هذه السيناريوهات إلى أن لبنان يفضّل التأني واتخاذ خطوات محسوبة، فالعلاقة مع إيران لا يمكن قطعها فجأة، ولا يمكن توسيعها بلا ضوابط. أما إيران، التي تواجه ضغوطا أمريكية وإسرائيلية متصاعدة، فإنها تميل إلى تبني خطاب أكثر توازنا تجاه لبنان لتجنب خلق جبهات سياسية جديدة. وبذلك، تبدو العلاقة بين طهران وبيروت مقبلة على مرحلة من الانضباط السياسي الذي يهدف إلى إدارة التوازنات، لا تعديلها جذريا، بانتظار ما ستسفر عنه التحولات الإقليمية في الأشهر المقبلة.

