- زاد إيران - المحرر
- 519 Views
استجواب آخر يواجه حكومة بزشكيان، فبعد مرور عام على توليه السلطة يجد بزشكيان وحكومته أنفسهم في مأزق صعب، فبين الوضع الداخلي المتأزم بسبب قلة الثقة الشعبية والفساد والعقوبات المستمرة، والوضع الخارجي الذي وصل إلى حد المواجهة المباشرة مع إسرائيل، وبين جناح الداخل الآخر، الذي يرى أن الحكومة وأسلوبها في إدارة الأمور هي السبب الذي أوصل الأوضاع إلى ما آلت إليه، هذا في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لوحدة الصف الداخلي ومحاولة حل بعض المشكلة التي قد يؤدي تفاقهما إلى حدوث أزمة.
ففي تطور لافت يكشف عن تصاعد الضغوط البرلمانية على حكومة بزشكيان، أعلنت هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، مساء يوم الأحد 3 أغسطس/آب 2025، عن استلام طلب رسمي لاستجواب وزير الطاقة عباس علي آبادي، مرفقا نحو مئة توقيع من نواب البرلمان، في خطوة تعد الثانية من نوعها ضد أحد وزراء حكومة بزشكيان خلال أقل من شهر واحد، ما ينذر بمرحلة صدام مبكر بين البرلمان والحكومة.

هذا وكان جواد نيك بين، النائب البرلماني عن مدينة كاشمر، قد كشف السبت 2 أغسطس/آب 2025 عن بدء إجراءات استجواب وزير الطاقة، مشيرا إلى أن الطلب تم تسجيله في نظام البرلمان مرفقا بـ 65 توقيعا من النواب وقت الإدلاء بتصريحاته.

وأوضح نيك بين أن أهم محور في هذا الاستجواب هو الاختلال في التوازن بمجالي المياه والكهرباء في البلاد، مؤكدا أن الوعود التي قطعها وزير الطاقة خلال جلسة نيل الثقة لم تنفذ حتى الآن، ما تسبب في سخط شعبي واسع، مضيفا: “إن الانقطاعات المفاجئة في المياه والكهرباء، خصوصا في فصل الصيف، قد سببت مشكلات كبيرة للمواطنين، كما أن تقصير الوزير وجهازه التنفيذي في الاستجابة السريعة للمشكلات يعد أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاستجواب”.
كما أشار نيك بين إلى أن من الانتقادات الجادة أيضا ضعف التعامل الحازم مع أجهزة التعدين غير المرخصة والآبار غير القانونية المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، معتبرا أن التعرف على هذه المخالفات ومواجهتها لا يعد أمرا معقدا، وكان من المتوقع أن تتعامل وزارة الطاقة معها بشكل أكثر فاعلية، لافتا إلى أن الوزير كان قد تعهّد سابقا بعدم قطع الكهرباء عن آبار الري الزراعية المجهزة بألواح شمسية والتي تنتج الكهرباء بقدر حاجتها، إلا أنه منذ شهر مايو/أيار 2025 تم قطع الكهرباء عن هذه الآبار أيضا، مما أثار استياء كبيرا بين المزارعين في مناطق متعددة من البلاد.
أما اليوم، فقد صرح النائب رضا سبه وند، عضو لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، بأن أكثر من 100 نائب وقَّعوا على طلب استجواب وزير الطاقة، متوقعا تمريره في الجلسة البرلمانية المقبلة، وأوضح أن “السبب يعود إلى تفاقم أزمات الكهرباء والمياه، نتيجة ضعف الاستثمارات الحكومية خلال العقود الماضية، وفشل الخطط التنموية في تحقيق أهدافها، حيث قال ” إن الخطط التنموية الستة التي وضعت في العقود الماضية لم تنفذ كما يجب، ولم تحقق أكثر من 33% من أهدافها”.

كما أشار إلى تأثير التغيرات المناخية وانخفاض معدلات الأمطار، ما تسبب في خروج عدد من محطات الكهرباء المائية من الخدمة، وأدى إلى أزمة شحّ في مياه الشرب والزراعة، وأكد سبه وند أن البرامج التي قدمها الوزير، سواء في إنتاج الكهرباء أو مشاريع الطاقة الشمسية وتحلية المياه، لم تنفذ بالشكل المطلوب،
وفي ما يخص سبل وزارة الطاقة لمواجهة أزمة النقص، قال سبه وند: “عندما حصل الوزير على الثقة، قدم برامج محددة، وكرر في لقاءاته مع لجنة الطاقة حديثه عن 14 مشروعا ضخما لإنتاج الكهرباء، وكان من المفترض أن تدخل 10 آلاف ميغاواط من الكهرباء إلى الشبكة الوطنية حتى الآن”.
واختتم قائلا: “منذ العام الماضي، أصبحت الوزارة ملزمة بإدارة ملف المياه بشكل جدي، لكن معظم تلك البرامج لم تنفذ. ولهذا السبب، فإن غالبية النواب، استجابة للمطالب الشعبية في دوائرهم، يواجهون تحديات كبيرة تتعلق بانقطاعات الكهرباء واختلالات شديدة في قطاعي المياه والكهرباء، أُرجح أنه إذا حضر إلى البرلمان، سيصوت لصالح استجوابه أيضا”.
ضربات متتالية للحكومة
يأتي هذا الاستجواب في الوقت الذي تشهد فيه الحكومة موجة من الانتقادات من قبل أعضاء البرلمان، حيث تلقى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، سيد عباس صالحي، بطاقة صفراء من البرلمان بعد فشله في إقناع النواب بأجوبته حول سلسلة من الاتهامات، شملت الإهمال الإداري، وسوء توزيع الموارد، وتعيينات وصفت بالمثيرة للجدل، وقد جاء هذا الاستجواب بناء على سؤال طرحه النائب فتح الله توسلي، ممثل دائرة كبودرآهنج وبهار، بالنيابة عن 35 نائبا آخرين.

وقد جاءت نتائج التصويت بـ119 صوتا معترضا، مقابل 119 موافقا، و8 أصوات ممتنعة، من أصل 247 نائبا حاضرا، ووفقا للنظام الداخلي للبرلمان الإيراني، فإن عدم حصول الوزير على أغلبية مقنعة في مثل هذه الحالة يعني منحه بطاقة صفراء كإشارة تحذير أولى، تحتسب ضده في حال تكررت المساءلة.
انقطاعات الطاقة.. أزمة وطنية متكررة
أزمات الكهرباء والماء ليست جديدة على الإيرانيين، لكنها بلغت في صيف عام 2025 مستوى غير مسبوق، وسط أجواء مناخية قاسية، وفشل حكومي واضح في الاستجابة للمطالب الشعبية، فقد شهدت البلاد موجات حر تجاوزت الأربعين درجة مئوية في معظم المحافظات، ما أدى إلى ارتفاع استهلاك الطاقة لأغراض التبريد، في وقت كانت فيه شبكات الكهرباء عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من الطلب.

في عدد من المدن الكبرى، وصلت ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى أكثر من 8 ساعات يوميا، ما تسبب في شلل تام لعدد من المرافق الحيوية، فالمستشفيات اضطرت لتأجيل العمليات غير الطارئة، وبعضها لجأ إلى تشغيل المولدات التي لا تكفي في حالات الضغط المرتفع.
أما المصانع، فقد اضطرت إلى وقف خطوط الإنتاج مؤقتا، الأمر الذي تسبب في خسائر مالية فادحة وتسريح مؤقت لبعض العاملين، وحتى شبكات الاتصالات والانترنت تأثرت، مع تعطل الأبراج بسبب انقطاع الكهرباء ما أثر بشكل مباشر على خدمات الطوارئ والتواصل اليومي للمواطنين.
وفي المناطق الريفية والزراعية، كانت الأزمة أكثر قسوة، فقد شهدت القرى نقصا حادا في مياه الشرب والري، ما يهدد الموسم الزراعي في مناطق مثل خوزستان وفارس وكرمان، ما اضطر بعض الفلاحين إلى التخلي عن أراضيهم مؤقتا، بسبب انعدام القدرة على سقي المزروعات أو تشغيل مضخات المياه.
وبحسب الخبراء، فإن جذور المشكلة تتوزع على ثلاثة محاور مترابطة أولها ضعف الاستثمار الحكومي المتراكم، حيث لم تنفذ الحكومات المتعاقبة مشاريع استراتيجية لزيادة قدرة توليد الطاقة أو بناء خزانات وسدود جديدة، ثانيا، يأتي الطلب المتزايد نتيجة النمو السكاني، والتوسع العمراني، وزيادة استهلاك القطاع الزراعي والصناعي، دون وجود سياسات ترشيد فعالة.
أما ثالثها، فهو تأثير التغير المناخي، حيث أدى انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة إلى تقليل حجم المياه السطحية والجوفية، وهو ما يزيد الضغوط على بنية تحتية باتت متهالكة وغير قادرة على التكيف مع الكوارث الطبيعية والضغط البشري المستمر.
الاستجوابات.. السلاح البرلماني لمواجهة بزشكيان
إن استجواب وزير الطاقة، والبطاقة الصفراء التي تلقاها وزير الثقافة، لا يمكن فصلهما عن السياق السياسي العام الذي يواجهه الرئيس الإيراني بزشكيان، الذي تولى منصبه بعد انتخابات رئاسية طارئة شهدتها البلاد في يونيو/حزيران 2024 عقب وفاة إبراهيم رئيسي.
ورغم أن بزشكيان يحظى بدعم نسبي من التيارات الإصلاحية، فإن البرلمان الإيراني ما يزال يغلب عليه الطابع الأصولي، ما يفسر سعي عدد من النواب إلى تطويق الحكومة بسلسلة من الاستجوابات، التي قد تصل، حسب المشاهدات الصحافية والتقارير، إلى وزراء آخرين مثل وزير الزراعة، ووزيرة الطرق، ووزير التعاون، والعمل.
وبهذا الصدد، يقول المحللون إن البرلمان يسعى إلى فرض توازن ردع مع الحكومة، عبر التلويح بسحب الثقة من الوزراء غير المتعاونين، وإجبار الرئيس على تعديل مسار فريقه التنفيذي، في المقابل، يحذّر آخرون من أن الإفراط في الاستجوابات قد يؤدي إلى شلل حكومي، وتفاقم الأزمات بدل حلها، خصوصا أن حكومة بزشكيان لم تمنح الوقت الكافي لتفعيل خططها في ظل الظروف والاضطرابات التي مرت بها خلال العام.

وفي ظل تفاقم أزمة الكهرباء والماء، وتصاعد الغضب الشعبي والنيابي، يجد وزير الطاقة عباس علي آبادي نفسه أمام استجواب قد يكون مصيريا، خاصة مع إشارات برلمانية واضحة تفيد أن الإقالة باتت على الأبواب، من جهة أخرى ومع تزايد الاستجوابات، واتساع رقعة الخلاف بين الحكومة والبرلمان، تبدو حكومة بزشكيان مقبلة على معركة برلمانية مفتوحة، قد تحدد مسارها خلال الأشهر القليلة المقبلة، خصوصا إن استمر النواب في استخدام الاستجواب كأداة للضغط والتأثير.

