التشيع في بني العباس

كتب: محمد فتحي النادي

كان أمر العباسيين والعلويين واحداً، ثم فرَّقتهم السياسة، وسالت بينهم الدماء.

ولم تخرج نظرة خلفاء بني العباس للصحابة عما كان مستقرّاً في الأمة من تفضيل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي على الترتيب المعروف.

وإن كان هناك اختلاف بين بعض دوائر أهل السُّنة في التفضيل بين عثمان وعلي، رضي الله عنهما.

وكان للعباسيين السلطة الزمنية على الأمة، وللطالبيّين سلطة روحية تقاسموها مع أعلام الأمة، ومن نازع العباسيين سلطتهم الزمنية عصفوا به كائنًا من كان.

وكثر خروج العلويين على العباسيين، فجاء عهد المأمون قُبيل انقضاء المائة الثانية والتي حاول فيها رأب الصدع بين أبناء العمومة من العباسيين والطالبيين.

ورغم أن بداية عهد المأمون كثرت فيها الفتن والقلاقل والخروج؛ مثل خروج زيد النار بالبصرة، والجزار في اليمن، لكنه مضى فيما استقر عليه رأيه، وركن إليه ضميره، وثبت عليه اعتقاده.

وقد دُعي للمأمون بالخلافة في آخر سنة خمس وتسعين ومائة، إلى أن قُتل الأمين، فاجتمع الناس عليه، “ثم بايع بالعهد لعلي بن موسى الرضا، ونوه بذكره، ونبذ السواد، وأبدله بالخضرة، فهاجت بنو العباس، وخلعوا المأمون، ثم بايعوا عمه إبراهيم بن المهدي”.

والمأمون قبل ذلك “قد همَّ أن ينزل له عن الخلافة فأبى عليه ذلك، فجعله ولي العهد من بعده”.

وقد يكون اختيار المأمون لعلي الرضا خطوة للمّ الشمل وتوحيد الصف، لاسيما وأنهما بدآ معاً في مجابهة الدولة الأموية، وإن ترددت الخلافة بينهما فلن تخرج من بيت النبوة الطالبي أو العباسي.

وقيل إنه اختار عليّاً الرضا؛ لأنه رآه “خير أهل البيت، وليس في بني العباس مثله في عمله ودينه”.

لكن هذا الاختيار لم يعجب بني العباس أصحاب الدولة والصولة والجم الغفير؛ فقد طلب المأمون إحصاء العباسيين “فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى”.

ولعل هذا الاختيار قد صدر من المأمون ديانة واعتقاداً قبل أن يكون سياسة؛ فقد قال عنه الذهبي: “كان شيعيّاً”، وقال فيه ابن كثير: “كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسُّنة الصحيحة… وكان على مذهب الاعتزال؛ لأنه اجتمع بجماعة منهم بشر بن غياث المريسي فخدعوه وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل.

وكان يحب العلم ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهراً، وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته”.

والتآخي بين التشيع والاعتزال قديم، وحمى بعضهما الآخر، وبقي الاعتزال إلى اليوم في ثنايا عقائد الشيعة بمختلف طوائفهم، رغم اندثاره كطائفة مستقلة.

وقد كان علي بن موسى الرضا صادق النصح للمأمون يعرف مواطن الفتن ومباعث الشرور، ولم يغشه؛ فقد أخبر الرضا المأمون “بما الناس فيه من الفتن والاختلاف بأرض العراق، وبأن الهاشميين قد أنهوا إلى الناس بأن المأمون مسحور ومسجون، وأنهم قد نقموا عليك ببيعتك لعلي بن موسى، وأن الحرب قائمة بين الحسن بن سهل وبين إبراهيم بن المهدي.

فاستدعى المأمون بجماعة من أمرائه وأقربائه فسألهم عن ذلك فصدقوا عليًّا فيما قال بعد أخذهم الأمان منه”.

وقد أراد المأمون تمتين وتوطيد العلاقة بينه وبين الرضا فزوجه بابنته أم حبيب، بل وزوج المأمون محمد بن علي بن موسى بابنته الأخرى أم الفضل.

وأحب إشاعة ولاية العهد بين عموم المسلمين؛ فأمر بأن يحج “بالناس إبراهيم بن موسى بن جعفر أخو علي الرضا، ودعا لأخيه بعد المأمون”.

لكن هذا الأمر لم يدم طويلاً؛ ففي أول سنة ثلاث ومائتين “أكل علي بن موسى الرضا عنباً فمات فجأة، فصلى عليه المأمون ودفنه إلى جانب أبيه الرشيد، وأسف عليه أسفًا كثيرًا فيما ظهر.

وكتب إلى بني العباس يقول لهم: “إنكم إنما نقمتم علي بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضا، وها هو قد مات، فارجعوا إلى السمع والطاعة، فأجابوه بأغلظ جواب كتب به إلى أحد”.

ولو افترضنا أن الموت لم يكن مدبراً، فإن المأمون وجد فيه خلاصاً من أزمته مع بني العباس، ولم يعمل على مناوأتهم مرة أخرى بأن يعين زوج ابنته محمد بن علي الرضا وليًّا للعهد.

وهذا يبعث في النفس الشك في موت الرضا.

لكننا نفرق هنا بين أمرين: السياسة والاعتقاد؛ فإن المأمون وإن تراجع عن تشيعه سياسة؛ فإنه لم يتراجع عن تشيعه اعتقاداً.

فقد بعث المأمون “منادياً، فنادى في الناس ببراءة الذمة ممن ترحم على معاوية، أو ذكره بخير”.

ولم يكتفِ بذلك بل “أمر بالنداء بإباحة المتعة -متعة النساء، فدخل عليه يحيى بن أكثم، فذكر له حديث عليّ بتحريمها، فلما علم بصحة الحديث رجع إلى الحق، وأمر بالنداء بتحريمها”.

وقد كان مذهب المأمون في التشيع تقديم علي على سائر الصحابة، رضوان الله عليهم، مع عدم الطعن والسب والشتم.

وقد أبان عن مذهبه هذا في أبيات شعرية نظمها قال فيها:

أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا

حب علي بعد النبي ولا … أشتم صديقًا ولا عمرا

ثم ابن عفان في الجنان مع … الأبرار ذاك القتيل مصطبرا

ألا ولا أشتم الزبير ولا … طلحة إن قال قائل غدرا

وعائش الأم لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا

وقد علق ابن كثير على ذلك بقوله: “وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة.

وقد قال جماعة من السلف والدارقطني: من فضَّل عليّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، يعني: في اجتهادهم ثلاثة أيام ثم اتفقوا على عثمان وتقديمه على علي بعد مقتل عمر.

وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر.

وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: لا أوتي بأحد فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري.

وتواتر عنه أنه قال: خير الناس بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر.

فقد خالف المأمون الصحابة كلهم حتى علي بن أبي طالب”.

وظل على ذلك حتى مماته؛ إذ أوصى أن يكبر عليه الذي يصلي عليه خمساً وهو مذهب الشيعة في صلاة الجنازة، وهو مذهب صحيح في كل الأحوال.

وكذلك أوصى أخاه المعتصم “بالعلويين خيراً أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأن يواصلهم بصلاتهم في كل سنة”.

ومذهب التشيع عند المأمون وصفه ابن تيمية بأنه التشيع المتوسط الذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره.

ورأى ابن تيمية أن هذا لم يكن “من إحداث الزنادقة”.

فللمأمون بدعتان فظيعتان -حسب قول ابن كثير- “إحداهما أطم من الأخرى، وهي القول بخلق القرآن.

والثانية تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رسول الله ﷺ.

وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيرًا فاحشا، وأثم إثماً عظيماً”.

وقد تابع المأمون على قوله ومذهبه في القول بخلق القرآن النابع عن مذهب الاعتزال خلفاء من بني العباس كـ: المعتصم والواثق، لكنه لم يتابعه على تشيعه أحد من الخلفاء.

فبقي التشيع في بني العباس فلتة من الفلتات التي لم تستمر، ولم يُكتب لها الدوام.