- زاد إيران - المحرر
- 350 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
نشرت صحيفة “فرهختكان“، الأصولية، الثلاثاء 16 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا أفادت فيه بأنّ موضوع «المرحلة ما قبل الابتدائية» مطروح في النظام التعليمي الإيراني منذ قرابة قرن، إلا أنّ مكانتها لا تزال غير واضحة ومستقرة.
وأشارت الصحيفة إلى أنّ كل مرة يُثار فيها الحديث عن تعديل وتطوير هذه المرحلة الحساسة، ينشأ جدل واسع بين مؤيدين ومعارضين؛ فهناك من يعتبرها مفتاح العدالة التعليمية وضمان مستقبل الأجيال، فيما يقلق آخرون بشأن حذف دور رياض الأطفال وزيادة العبء المالي على الدولة.
وتابعت أنّ البرلمان أعاد هذه الأيام طرح مشروع جديد حول «إلزامية التعليم قبل الابتدائي بطبيعته الحكومية وغير الحكومية»، وهو مشروع يرى فيه الخبراء التربويون أنّه قد يغيّر مصير نظام التعليم والتربية في إيران.
وأوضحت الصحيفة أنّ “أهمية هذا المشروع تكمن في أنّه يجيب على أحد الأسئلة الأساسية للنظام التعليمي: متى يجب أن يبدأ التعليم وبأي جودة، وأي جهة تتحمل مسؤوليته؟”، وأفادت بأنّ التجارب العالمية تشير بوضوح إلى أنّ الاستثمار في سنوات الطفولة المبكرة يحقق أعلى عائد على مستقبل الفرد والمجتمع بمتوسط الأطفال الذين يلتحقون بسنة واحدة على الأقل في مرحلة ما قبل الابتدائية يحققون أداء أفضل في الاختبارات الدولية، ويبدأون التعليم الابتدائي بثقة أكبر واستعداد أعلى للتعلم.
وأضافت أنّ الوضع في إيران مختلف فبعد تغيّر السياسات في السنوات الأخيرة وتحميل كامل مسؤولية مرحلة ما قبل الابتدائية على الأسر والمراكز غير الحكومية، انخفض معدل تغطية هذه المرحلة إلى نحو 40%، وأنّ هذا المعدل المنخفض يؤثر بشكل أكبر على الأطفال الذين يعيشون في أسر محدودة الدخل أو مناطق محرومة أو ناطقة بلغتين؛ فهم الأكثر حاجة إلى التعليم المبكر، لكنهم أول من يُحرم منه.
ولفتت إلى أنّ الخبراء والعديد من المسؤولين يرون أنّ إلزامية التعليم قبل الابتدائي وتوفيره مجانا ليس خيارا، بل ضرورة لتحقيق العدالة التعليمية.

أهمية مرحلة ما قبل المدرسة
ذكرت الصحيفة أنّ فهم أهمية هذه المرحلة يستلزم النظر إلى الدراسات العالمية، حيث أظهرت الاختبارات الدولية مثل TIMSS (اختبار يقيس مستوى الطلاب في الرياضيات والعلوم على مستوى العالم) أنّ الأطفال الذين التحقوا ولو لعام واحد برياض ما قبل المدرسة حصلوا في المتوسط على نتائج أعلى بنحو 30 نقطة مقارنة بأقرانهم الذين لم يمرّوا بهذه التجربة وأنّ هذا الفارق ليس بسيطا، إذ يمكن لعشرات النقاط هذه أن تغيّر موقع أي دولة في التصنيفات التعليمية العالمية.
ونوّهت إلى أنّ أبحاث علم الأعصاب أثبتت أنّ الوجود في بيئات تعليمية منظّمة خلال مرحلة ما قبل المدرسة يساهم حتى في نمو الدماغ وتشكيل أفضل للمهارات الإدراكية ولهذا السبب ارتفعت نسبة الالتحاق برياض الأطفال في كثير من الدول إلى ما يفوق 90% بفضل السياسات الداعمة.
وأبرز مثال على ذلك بلدان اسكندنافيا؛ ففي الدنمارك والنرويج والسويد، يدخل أكثر من 90% من الأطفال ابتداء من سن الثالثة إلى مؤسسات ما قبل المدرسة، وكانت النتيجة أن أصبحت أنظمتها التعليمية رائدة ومؤشراتها في التنمية البشرية في مستويات متقدمة.

إلزامية ومجانية التعليم ما قبل المدرسة
أوضحت الصحيفة أنّ البرلمان طرح مشروعا يقوم على محورين أساسيين: إلزامية التحاق جميع الأطفال في سن الخامسة برياض ما قبل المدرسة، وإنشاء مؤسسات حكومية مجانية إلى جانب المراكز غير الحكومية.
وبينت أنّ الهدف من المشروع هو تعميم التعليم ابتداء من سن الخامسة والقضاء على التمييز التعليمي، بحيث لا يُحرم أي طفل من هذه الفرصة بسبب العجز المالي.
وأضافت أنّ خبراء التعليم يرون في هذا المشروع خطوة قادرة على تقليص الفجوة الطبقية في النظام التعليمي.
وكما يوضح أحد المتخصصين في التربية: «حين يلتحق طفل من حي ميسور في طهران بروضة ما قبل المدرسة، بينما يُحرم نظيره في قرية محرومة من هذه التجربة، فإن فجوة يصعب سدّها تتكوّن منذ العام الدراسي الأول وترافقها حتى نهاية مسيرتهم التعليمية».
تأخر إيران في مرحلة ما قبل المدرسة
ذكرت الصحيفة، نقلا عن محمد صادق عبد اللهي مدير مجموعة التعليم والتربية في مركز أبحاث البرلمان، قوله إنّ البرلمان يتابع مشروعا يقوم على محورين: «إلزامية مرحلة ما قبل المدرسة» و«تحويلها إلى مؤسسات حكومية».
وأضاف عبد اللهي أنّ هذه المرحلة في الوقت الراهن اختيارية، حيث يمكن للأسر إرسال أطفالها إليها أو لا، كما أنّها تُدار بالكامل عبر القطاع الخاص ولا وجود فعلي لرياض حكومية، وهو ما يؤدي إلى أنّ الأسر المقتدرة ماديا تستطيع إلحاق أبنائها بهذه المرحلة والاستفادة من مزاياها، فيما تُحرم الأسر ذات الدخل المحدود من هذه الفرصة الأساسية.
وأشار إلى أهمية هذه المرحلة تتجلى في نتائج الاختبارات الدولية، التي وإن لم تُعتمد بصورة كاملة، إلا أنّها تُعدّ المؤشر المتاح حاليا وأظهرت هذه الاختبارات أنّ الالتحاق برياض ما قبل المدرسة يترك أثرا كبيرا على تهيئة الطفل ذهنيا ونفسيا لدخول التعليم الابتدائي، وأنّ أداء من التحقوا بها ولو لعام واحد يختلف جذريا في السنوات اللاحقة.
ونوهت الصحيفة إلى أنّ نتائج اختبار «TIMSS» تؤكد أنّ التلاميذ الذين قضوا عاما واحدا في ما قبل المدرسة سجّلوا أداء أفضل بنحو 30 نقطة مقارنة بأقرانهم الذين لم يلتحقوا بها، وهو فارق كبير.
وبيّنت أنّه وفقا لذات الاختبار، جاءت إيران في المرتبة 47 من أصل 58 دولة مشاركة، ما يعني أنّ 46 دولة تقدّمت عليها في هذا المجال وبالمقارنة، فإنّ بلدانا مثل الدنمارك والنرويج والسويد والمجر تشهد مشاركة أكثر من 90% من الأطفال في رياض ما قبل المدرسة لثلاث سنوات أو أكثر.
وتابعت الصحيفة أنّ الأبحاث العلمية وحتى صور الأشعة الدماغية أثبتت أنّ الأطفال الذين التحقوا بهذه المرحلة يمتلكون نموا عقليا وقدرة على التعلّم أفضل من غيرهم.
ومع ذلك، ما زالت هذه المرحلة تُدار في إيران عبر القطاع الخاص فقط، ما يؤدي إلى استفادة أبناء الأسر الميسورة وحدهم، فيما يُحرم منها أبناء الأسر الفقيرة أو أولئك الذين يعيشون في مناطق بلا مؤسسات ما قبل المدرسة.
انخفاض تغطية ما قبل المدرسة
ذكرت الصحيفة، نقلا عن نائب وزير التعليم الابتدائي، أنّه «حتى قبل عدة سنوات، بلغت نسبة تغطية مرحلة ما قبل المدرسة نحو 60%، إلا أنّ التغير في السياسات خلال الحكومة السابقة والتحول نحو الخصخصة الكاملة لهذه المرحلة أدى إلى نتيجة عكسية، حيث تراجعت النسبة إلى نحو 40%».
وأضافت أنّ هذا التراجع كان الأكثر ضررا على أطفال المناطق الفقيرة والأسر محدودة الدخل، مشيرة إلى أنّه مع تحميل الأسرة الأعباء المالية، كانت الفئة الأولى التي تُحرم من التعليم هي هؤلاء الأطفال.
وتابعت أن التجربة العالمية أثبتت أن أعلى عائد من التعليم ما قبل المدرسة يكون لهذه الفئات الاجتماعية بالذات، مؤكدة أنّه عندما تضطر الأسرة لدفع ملايين التومان مقابل عام واحد من التعليم ما قبل المدرسة، فمن الطبيعي في ظل التضخم والضغوط الاقتصادية أن يتخلى العديد من الأسر منخفضة الدخل عنه، «مما يعني الإقصاء التدريجي للأطفال الذين هم الأكثر حاجة».
فجوة العدالة التعليمية في رياض الأطفال
ذكرت الصحيفة أن بعض مديري رياض الأطفال ما زالوا يعبرون عن قلقهم بشأن مستقبلهم، ونقلت عن إلهه رضائي، مديرة إحدى الروضات وأحد الداعمين للاحتجاج الأخير أمام البرلمان، قولها إنه يعمل نحو 700 روضة في طهران، وإذا تم تنفيذ هذا المشروع، ستفقد رياض الأطفال دورها التعليمي، وستذهب جهود المعلمين لسنوات عدة لتعليم الأطفال المبكر هباء منثورا.
كما أنّ وزارة التربية لم تحقق حتى الآن إنجازات ملحوظة للطلاب الأكبر سنا، فما بالكم بهذا القطاع؟ هذا القرار يعدّ نوعا من مقاطعة رياض الأطفال.
وأضافت أنّه مع ذلك، إذا اعتُبر العمر المناسب للطفل في الروضة بين سنتين وخمس سنوات، فلن تتأثر الروضات بالكامل حتى بعد نقل الأطفال في سن الخامسة إلى النظام الرسمي وأنّ التكاليف العالية للروضة تجعل كثيرا من الآباء العاملين في المدن الكبرى غير قادرين على دفع الرسوم أو لا يرونها ضرورية، ما يؤدي إلى حرمان بعض الأطفال من تجربة الروضة تماما.

وتابعت الصحيفة أنّ السؤال الأساسي هو: هل ينبغي أن تُتخذ القرارات التعليمية بناء على قدرات العاصمة ومصالح بعض الأفراد، أم يجب إعطاء الأولوية للمناطق الفقيرة وتحقيق العدالة التعليمية؟
وأوضحت أنّ الأطفال من الأسر الميسورة يمكنهم التسجيل في أفضل الروضات، وتعلم لغات أجنبية، وتعزيز مهاراتهم الاجتماعية والمعرفية خلال سنوات قليلة، في حين أنّ الأطفال من الأسر محدودة الدخل في المدن الصغيرة قد لا يحظون حتى بيوم واحد في مرحلة ما قبل المدرسة.
ونوهت إلى أن هذه الفجوة تظهر بوضوح في السنة الأولى من المدرسة الابتدائية، حيث يتعلم الطفل التمتع بالتعليم المبكر القراءة والكتابة بسرعة، بينما يبدأ الطفل المحروم متأخرا بخطوة خلفه.
وأشارت الصحيفة نقلا عن نائب وزير التعليم الابتدائي، إلى أنه «لا يوجد مؤشر يوضح مستوى تنمية الدولة بقدر ما يوضح تغطية مرحلة ما قبل المدرسة، حتى أنّ نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية أقل أهمية»، مؤكدة أنّ دخول الطفل غير مستعد إلى المدرسة يزيد من احتمال التسرب الدراسي، والتراجع الأكاديمي، وانخفاض الدافعية في المراحل اللاحقة.
إلزامية ما قبل المدرسة لتحقيق العدالة
ذكرت الصحيفة أنّ عبد اللهي أكد أنّ البرلمان يسعى، بناء على الدراسات التي أُجريت، إلى جعل عام واحد من مرحلة ما قبل المدرسة إلزاميا، ومنح الدولة الحق في إنشاء رياض أطفال حكومية، بحيث تتمكّن الأسر التي لا تستطيع تسجيل أطفالها في المراكز الخاصة من الاستفادة من المراكز الحكومية.
واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أنّه في هذا السياق ظهرت سوء تفاهمين؛ الأول أنّ بعض الأشخاص اعتقدوا أنّ المقصود هو إدخال الأطفال في سن الخامسة مباشرة إلى الصف الأول الابتدائي، وهذا غير صحيح، إذ المقصود هو حضور الأطفال في سن الخامسة عاما واحدا في مرحلة ما قبل المدرسة.
أما سوء الفهم الثاني، فهو أنّ البعض ظنّ أنّ تحويل مرحلة ما قبل المدرسة إلى حكومية يعني إغلاق المراكز الخاصة، وهذا أيضا غير صحيح، فكما توجد مدارس حكومية وخاصة في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ستستمر الخيارات متاحة في مرحلة ما قبل المدرسة، حيث يمكن للعائلات اختيار إرسال أطفالهم إلى مراكز حكومية أو خاصة.

