علي لاريجاني في السعودية.. فماذا يفعل؟

بقلم رئيس التحرير/ محمود شعبان

في خطوة جديدة على مسار الانفتاح المتدرج بين طهران والرياض، وصل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، يوم الثلاثاء الماضي إلى العاصمة السعودية الرياض، في زيارة حملت أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية. الزيارة، التي تُعد الثالثة له إلى المنطقة منذ توليه منصبه في أغسطس الماضي بعد بغداد وبيروت، جاءت استكمالاً للزخم الذي أحدثته زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى طهران في إبريل 2025 حين التقى كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي.

رافق لاريجاني وفد رسمي رفيع ضم نائبه للشؤون الخارجية في المجلس وكبير المفاوضين النوويين السابق علي باقري كني، إضافة إلى مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون الخليج محمد علي. وقد شملت أجندة الزيارة لقاءات مع كبار القادة السعوديين، وفي مقدمتهم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ووزير الدفاع. وتشير تركيبة الوفد إلى أن الملفات المطروحة لم تقتصر على الجوانب الأمنية فحسب، بل امتدت إلى الدبلوماسية الإقليمية والاقتصاد والتجارة.

وبحسب مصادر إيرانية قريبة من مكتب لاريجاني، فإن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حمل معه إلى الرياض ثلاثة ملفات رئيسية.

الملف الأول يتعلق بسلاح حزب الله في لبنان، وهو من أعقد القضايا التي تثير خلافات إقليمية ودولية متشابكة. ففي حين تتمسك إيران، ومعها الحزب، بضرورة الحفاظ على ترسانته باعتبارها سلاح المقاومة ضد إسرائيل، ترى الحكومة اللبنانية ومعها الرئاسة اللبنانية أن السلاح بات يشكل عبئاً داخلياً ويستوجب تسوية، خاصة في ظل المهلة التي منحتها الإدارة الأميركية لبيروت لمعالجة هذه المسألة. وبذلك، وجد لاريجاني نفسه أمام اختبار صعب: كيف يوازن بين التمسك الإيراني بسلاح حزب الله وبين السعي إلى طمأنة السعودية التي تنظر بقلق إلى هذا الملف.

أما الملف الثاني، فيتعلق بإحياء الاتفاقيات الثنائية التي جرى التطرق إليها خلال اتفاق بكين في مارس 2023 برعاية الصين، والذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة طويلة. فقد اعتُبرت اتفاقية التعاون الأمني الموقعة عام 2001 بين الرياض وطهران أساساً يمكن البناء عليه لإعادة صياغة مسار أمني جديد يراعي التغيرات الإقليمية.

في 17 إبريل 2001، وقّعت المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الإيرانية اتفاقية تعاون أمني في الرياض، وُصفت آنذاك بأنها اختراق سياسي ودبلوماسي في العلاقات بين البلدين بعد عقود من التوتر الذي تصاعد إثر الثورة الإيرانية عام 1979 وحرب الخليج الثانية عام 1991. الاتفاقية جاءت في فترة انفتاح نسبي قادها الرئيس الإيراني محمد خاتمي، وسعت الرياض وطهران عبرها إلى وضع إطار للتعاون بعد سنوات من الشكوك المتبادلة.

تضمنت الاتفاقية مجموعة من المحاور الرئيسية أبرزها مكافحة الإرهاب والتنسيق في مواجهة الجماعات المتطرفة التي تهدد أمن البلدين والمنطقة، التصدي للجريمة المنظمة بما في ذلك تهريب الأسلحة والمخدرات وغسل الأموال، التعاون في حماية الحدود البرية والمياه الإقليمية، وتبادل المعلومات الأمنية المرتبطة بالتهريب والتسلل، إضافة إلى التنسيق في التحقيقات الأمنية وتبادل الخبرات والتدريب بين الأجهزة الأمنية.

اعتُبرت الاتفاقية خطوة رمزية مهمة إذ مثلت نقطة تحول في العلاقة بين الرياض وطهران، التي شهدت طوال التسعينيات حالة من التنافس الإقليمي الحاد. وبحسب ما نشرته صحيفة الحياة فإن الاتفاقية شكلت اختراقاً غير مسبوق، حيث نقلت العلاقة من التوتر المستمر إلى محاولة تأسيس قنوات تعاون أمني. صحيفة الشرق الأوسط بدورها وصفتها بأنها خطوة استراتيجية لتجاوز عقود من العداء، لكنها أشارت إلى أن التطبيق العملي كان مرهوناً بتطورات إقليمية لاحقة.

غير أن الاتفاقية لم تُفعّل بالشكل المأمول، إذ جاءت بعدها أحداث 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من غزو أميركي لأفغانستان والعراق، ما زاد من حدة التنافس الإقليمي بين السعودية وإيران. تقارير مراكز الدراسات، مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أشارت إلى أن الاتفاقية بقيت إطاراً نظرياً لم يُبنَ عليه الكثير، خاصة مع بروز ملفات حساسة مثل النفوذ الإيراني في العراق بعد 2003 والصراعات الإقليمية اللاحقة في لبنان واليمن.

إعادة استدعاء هذه الاتفاقيات يعكس رغبة مشتركة في إيجاد أرضية مؤسسية للتعاون بدل الاكتفاء بترتيبات ظرفية قد تنهار مع أول أزمة. وهو ما يتوافق مع ما رشح عن اللقاءات الأخيرة من اتفاق على تشكيل مجموعات عمل متخصصة تتولى متابعة القضايا الأمنية والاقتصادية.

أما الملف الثالث فتمحور حول التعاون الاقتصادي المباشر بين إيران والسعودية، حيث شدد لاريجاني في تصريحاته على أن مستوى العلاقات الاقتصادية ما يزال منخفضاً للغاية ويحتاج إلى دفعة قوية. وأشار إلى ضرورة إزالة العقبات أمام التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات المشتركة، معتبراً أن أي تقارب سياسي لن يكون ذا جدوى ما لم يُترجم إلى مشاريع ملموسة.

ومن القضايا الأكثر حساسية التي طرحها لاريجاني خلال مباحثاته مسألة التعاون الدفاعي بين السعودية وإيران. فقد أعلن صراحة أنه ناقش مع ولي العهد السعودي أوجه التعاون الدفاعي، مؤكداً أن الطرفين اتفقا على تنظيم هذا التعاون ضمن مجموعات عمل متخصصة. هذه الخطوة تعكس رغبة مشتركة في الانتقال من مرحلة التصريحات السياسية إلى صياغة آليات تنفيذية، رغم ما يحمله هذا الملف من تعقيدات، خاصة في ظل التباينات الكبيرة حول أزمات المنطقة.

لاريجاني أوضح أيضاً أن اللقاءات تطرقت إلى مستقبل العلاقات الإقليمية وأوضاع الدول الإسلامية، إضافة إلى بحث قضايا استراتيجية تتعلق بالاستقرار في الشرق الأوسط. وربط في تصريحاته بين الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر وإعادة صياغة الرؤية السعودية للمخاطر في المنطقة، معتبراً أن دولاً عدة توصلت إلى القناعة التي طرحتها إيران مراراً، وهي أن وجود عنصر مغامر في المنطقة سيحول دون تحقيق الاستقرار.

لا يمكن قراءة زيارة لاريجاني بمعزل عن التطورات الإقليمية الأوسع. فإيران في المرحلة الحالية تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب احتمالات التصعيد مع إسرائيل، ما يجعلها أكثر تمسكاً بأوراقها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله. في المقابل، تسعى السعودية إلى تثبيت رؤيتها الجديدة للأمن الإقليمي عبر خفض التوترات والانفتاح على الخصوم التقليديين، بما ينسجم مع استراتيجيتها “رؤية 2030” القائمة على تنويع الشراكات وتعزيز الاستثمار.

زيارة لاريجاني تأتي كذلك في أعقاب جولاته السابقة في بغداد وبيروت، حيث نقل رسائل مشابهة إلى حلفاء طهران بشأن ضرورة حماية مكاسبها الإقليمية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. وفي بيروت أكد أن طهران تتوقع بقاء ترسانة حزب الله كما هي، معتبراً أن تفكيكها سيضعف موقف إيران في أي مواجهة محتملة. هذه الرسائل توضح أن طهران تتحرك بخطة إقليمية متكاملة تسعى لربط الملفات المحلية في لبنان والعراق بمسار الحوار مع السعودية.

الزيارة حملت في طياتها رسائل متعددة. فمن الجانب الإيراني حرص لاريجاني على التأكيد أن طهران جادة في الانفتاح على السعودية ومستعدة لتنظيم التعاون الأمني والدفاعي بشكل غير مسبوق. ومن الجانب السعودي أظهرت القيادة مرونة محسوبة، إذ قبلت فتح نقاش حول ملفات كانت تُعتبر سابقاً خطوطاً حمراء مثل التعاون الدفاعي وسلاح حزب الله.

غير أن هذه المرونة لا تعني بالضرورة تنازلات كبيرة، بل هي جزء من استراتيجية سعودية أوسع تهدف إلى تقليل حدة التوترات الإقليمية وفتح مجالات جديدة للاستثمار والشراكات من دون التفريط بالمصالح الأمنية الحيوية.

باختصار، لم تكن زيارة علي لاريجاني إلى السعودية بروتوكولية بحتة، بل جسدت مرحلة جديدة من الحوار الإيراني السعودي في ظل واقع إقليمي معقد. الملفات التي طُرحت، من سلاح حزب الله إلى إحياء الاتفاقيات القديمة وتوسيع التعاون الاقتصادي والدفاعي، تعكس حجم الرهانات الملقاة على عاتق الطرفين. وإذا ما نجحت الرياض وطهران في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية، فقد يشكل ذلك نقطة تحول في مسار الاستقرار الإقليمي. لكن يبقى السؤال: هل تسمح طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية بإعطاء هذا الانفتاح فرصة حقيقية للنمو، أم أن صراعات المنطقة ستعيد الأمور إلى المربع الأول؟

كلمات مفتاحية: