التوطين الصناعي في إيران : المحرك الرئيسي لتعزيز صمود الاقتصاد أمام التقلبات والتحولات

Image

ترجمة: سارة شعبان المزين

نشرت صحيفة “رسالت” الإيرانية، الثلاثاء 9 ديسمبر/كانون الأول 2025، تقريرا أفادت فيه بأن الاقتصاد الإيراني في السنوات الأخيرة تعرض لضغوط نتيجة العقوبات، وتقلبات أسعار الصرف، والقيود الدولية، وأن أحد أهم التساؤلات كان حول كيفية السير في مسار التنمية الصناعية بثبات دون الاعتماد على واردات باهظة التكلفة.

وأضافت الصحيفة أن الإجابة واضحة؛ وهي توطين المعدات الصناعية، وتطوير قدرات الشركات المحلية، والتحرك بذكاء نحو خفض الاعتماد على العملة الصعبة وتعزيز مقاومة الاقتصاد.

وتابعت  بأن الحاجة إلى المعدات المستوردة باهظة الثمن ما تزال قائمة، خاصة في الصناعات الأساسية مثل النفط والغاز، والبتروكيماويات، والحديد والصلب، والنقل، والطاقة، وربما في الصناعات الناشئة، مشيرة إلى أن الشركات المعرفية والباحثين المحليين والمصنعين الصناعيين تمكنوا من تصميم وإنتاج جزء كبير من هذه المعدات.

وأوضحت أنه بالرغم من هذه القدرات الموثوقة، فإن العديد من المشاريع الصناعية في البلاد ما تزال تميل نحو الاستيراد، وهو ما يؤدي إلى ضغط كبير على العملة الأجنبية ويهمش القدرة المحلية.

وبيّنت الصحيفة أنه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، فإن التوطين ليس شعارا أو توصية جانبية، بل ضرورة منطقية وعلمية للاقتصاد، إذ يتم إنفاق مليارات الدولارات سنويا على استيراد معدات يمكن إنتاجها محليا بشكل كبير.

وأشارت إلى أن لهذا الأمر ثلاثة تأثيرات مباشرة على الأقل، أولها الضغط على الميزانية وسوق الصرف الأجنبي، موضحة أنه حين تلجأ الصناعات الكبرى لشراء المعدات الأجنبية، يتضاعف الضغط على احتياطات العملة الأجنبية للبلاد، لافتة إلى أن المعدات الصناعية في مجالات النفط، وقطاع معالجة النفط في المصافي والنقل بالسكك الحديدية والكهرباء والصلب تُعد من السلع المكلفة جدا، وقد يصل استيرادها أحيانا إلى مئات ملايين الدولارات.

وأضافت أن من آثار الاعتماد على الاستيراد أيضا توقف المشاريع، بمعنى أن الاعتماد على الموردين الأجانب يؤدي إلى توقف العديد من المشاريع، حيث قد لا تصل القطع والمعدات الأساسية في الوقت المناسب أو بأسعار مضاعفة، في حين أن الشركات المعرفية والمصنعين الكبار المحليين أعلنوا جاهزيتهم الكاملة لإنتاج مختلف المعدات، إلا أن عدم الثقة الكافية، ونقص الدعم المستدام، وتفضيل بعض منفذي المشاريع للمشتريات الأجنبية، حال دون استثمار قدراتهم.

وتابعت الصحيفة أن التوطين اليوم ليس خيارا اقتصاديا انتقائيا، بل هو السبيل المنطقي الوحيد لتجاوز الضغوط الخارجية وتحقيق التنمية المستدامة.

قدرة الشركات المحلية على تصنيع المعدات الصناعية

ذكرت الصحيفة أن النظر إلى الإنجازات الصناعية خلال العقدين الأخيرين يظهر أن البلاد لا تتمتع فقط بالقدرة على إنتاج العديد من المعدات، بل وصلت في بعض المجالات إلى مستوى المنافسة مع الشركات الأجنبية.

وأضافت الصحيفة أن إيران تمتلك حاليا القدرة على تصميم وصناعة جزء كبير من المعدات الأساسية لآبار النفط، والضواغط، والتوربينات، ومضخات الضغط العالي، وأنظمة القياس.

وتابعت أن الشركات المحلية، في بعض المجالات الحساسة مثل المحفزات الكيميائية التي كانت مستوردة بالكامل في السابق، أصبحت اليوم المنتج الرئيسي لها، كما أن إنتاج المعدات عالية الضغط، والمحولات، وتوربينات محطات الطاقة، ومعدات التحكم الصناعي شهد خلال السنوات الأخيرة قفزة كبيرة، وبدأت بعض الشركات الإيرانية بتصدير هذه المعدات.

وأوضحت أن الشركات الإيرانية حققت أيضا الاكتفاء الذاتي في مجالات معدات الصب، والآلات الثقيلة، وقواطع الكهرباء، والأنظمة الكهربائية ومعدات التحكم، ما يتيح تلبية احتياجات الصناعات الكبرى للحديد والصلب على نطاق واسع.

Image

وأشارت الصحيفة إلى أن القطع الحساسة للقطارات، وتصنيع العربات، وأنظمة الإشارات، والمعدات الإلكترونية المتقدمة تُنتج حاليا في البلاد، مع وجود إمكانيات كبيرة لتطويرها.

وبيّنت أن الشركات التكنولوجية والمعرفية تمكنت من إنتاج معدات كان يُعتقد لسنوات طويلة أن الدول المتقدمة وحدها قادرة على صناعتها، بما في ذلك الحساسات، والمعدات الذكية، والبرمجيات الصناعية، والمعدات المختبرية، وأنظمة التشغيل الآلي.

وأوضحت  بأن دراسة هذه القدرات تظهر أن إيران ليست في مرحلة البداية، بل في مرحلة تثبيت القدرة المحلية، وأنها بحاجة فقط إلى دعم استراتيجي وسياسات موجهة لتحويل التوطين إلى تيار مستدام.

عوامل تفضيل بعض المشاريع للاستيراد

ذكرت الصحيفة أنه رغم القدرات المحلية المميزة، إلا أن بعض العقبات تدفع المشاريع نحو الاستيراد وأن بعض مديري المشاريع يعتقدون أن المعدات الأجنبية أفضل بشكل افتراضي، في حين أن التجربة أظهرت أن العديد من المعدات المستوردة تُشترى من نفس الشركات الصينية والآسيوية التي تتوفر منتجات مشابهة لها في إيران.

وأضافت أنه بالرغم من وجود قانون اليوم لدعم الإنتاج المحلي، إلا أن ضمان تطبيقه في بعض الأجهزة غير كافٍ، ما يؤدي إلى تجاهل القدرات الداخلية وأن الشركات المحلية بحاجة إلى رأس المال العامل لتطوير خطوط الإنتاج أو توسيع القدرات، لكنها لا تحصل على الدعم البنكي الكافي وأن إزالة هذه العقبات يمكن أن يسهل مسار التوطين ويحول دون هدر الموارد النقدية الأجنبية.

Image

دور التوطين في خفض الاعتماد على العملة الأجنبية

ذكرت الصحيفة أن التجربة العملية للشركات الصناعية أظهرت أن التوطين يسهم بشكل مباشر وغير مباشر في تحقيق التوفير المالي الكبير في العملة الأجنبية، وأن هذا التوفير يتحقق عبر عدة محاور رئيسية.

فأولها إلغاء الواردات المكلفة، حيث تُحسب غالبية أسعار المعدات الأجنبية وفق أسعار صرف مرتفعة، في حين يقلل الإنتاج المحلي من التكاليف بنسبة تتراوح بين 30 و70٪.

أما المحور الثاني فهو منع خروج العملة الخفية، إذ تُضاف في كثير من العقود الأجنبية نفقات الدعم الفني، والتدريب، وخدمات ما بعد البيع بالعملة الأجنبية، فيما يقلل الإنتاج المحلي هذه المصاريف.

وأكدت الصحيفة أن تجميد رأس المال في انتظار الواردات يشكل ضغطا على الاقتصاد، فالمشاريع التي تنتظر لعدة أشهر توفير قطعة أجنبية تواجه تأخيرات بمليارات الريالات.

وأشارت الصحيفة إلى أن التوطين يساهم أيضا في إنشاء سلسلة قيمة محلية، تعزز الصناعات العليا، وتوفر فرص عمل، وتنقل التكنولوجيا، وتطور شركات الموردين، مما يحقق آثارا اقتصادية مضاعفة على مستوى الاقتصاد الوطني.

تأثيرات التوطين على تعزيز صمود الاقتصاد

ذكرت الصحيفة أن الاقتصاد المقاوم، الذي أكد عليه في السياسات العليا، يهدف إلى إنشاء اقتصاد غير قابل للتأثر بالضغوط الخارجية وأن توطين المعدات الصناعية يلعب ثلاثة أدوار رئيسية في هذا النموذج.

فأولها أن الدور الأول هو تحييد أثر العقوبات، إذ عندما تُصنع المعدات الاستراتيجية محليا، لا تمنع العقوبات التنمية فحسب، بل تتحول أيضا إلى عامل يقوي القدرة الداخلية.

وأضافت الصحيفة أن من بين التأثيرات الأخرى زيادة الأمن الصناعي، حيث تستمر المشاريع النفطية ومحطات الطاقة والصناعات الحديدية والإنشائية دون توقف بسبب القيود الخارجية. 

كما أكدت أن من مزايا هذا التوجه أيضا زيادة فرص العمل المتخصصة، فالتوطين يسهم مباشرة في توفير وظائف للخبراء الفنيين والمهندسين والقوى العاملة الماهرة، ويمنع هجرة الكفاءات الوطنية.

خطة عمل لدعم المنتجات المحلية

ذكرت الصحيفة أن تحويل التصنيع المحلي إلى سياسة مستدامة يتطلب تنفيذ عدة استراتيجيات أساسية مدرجة ضمن جدول الأعمال. 

وأشارت إلى أن المشاريع يجب أن تُلزم بعدم استيراد المنتجات طالما وُجدت بدائل محلية مطابقة للمعايير كما يمكن أن يُسهم الدعم المالي المستهدف للمُنتجين في تعزيز خطوط الإنتاج المحلية، مشددة على ضرورة زيادة دور الشركات المعرفية في المشاريع الوطنية. 

Image

وأوضحت الصحيفة أن الوقت حان الآن لأن تعتمد المشاريع الصناعية الكبرى في البلاد على القدرات العلمية للشركات المعرفية بدلا من التطلع إلى الخارج.

وأضافت أن إنشاء بنك معلومات حول المعدات الصناعية المحلية يحظى بأهمية خاصة، حيث يتيح وجود نظام شامل يعرّف الصناعات بالقدرات المحلية، مما يلعب دورا أساسيا في تقليل الاستيراد غير الضروري. 

Image

وأكدت الصحيفة أيضا على ضرورة الدعم الإعلامي لمشاريع التصنيع المحلي، مشيرة إلى أن تسليط الإعلام الضوء على نجاحات التصنيع المحلي يعزز الثقة العامة والصناعية في الإنتاج المحلي.

النظرة النهائية

ذكرت الصحيفة أن توطين تصنيع المعدات الصناعية ليس خيارا أو شعارا، بل هو مسار علمي واقتصادي وواقعي لتطوير البلاد وتقليل الاعتماد على الخارج. 

وأوضحت أن قدرات الشركات المحلية خلال السنوات الماضية أثبتت أن إيران تمتلك قدرة عالية على إنتاج المعدات المتقدمة، وأنها تحتاج فقط إلى دعم مستهدف ومستدام على ثلاثة مستويات: التشريع، التمويل، والتوعية الثقافية.

وأختتمت الصحيفة أنه إذا تم متابعة هذا المسار بجدية، فإن عدة نتائج واضحة ستتحقق، مثل: خفض كبير للاعتماد على العملة الأجنبية، تعزيز الأمن الصناعي، ازدهار الإنتاج، توفير فرص عمل متخصصة، إبطال مفعول العقوبات بشكل كامل، وتقوية القاعدة الاقتصادية وأن الوقت قد حان اليوم لكي يلمع القطاع الصناعي المحلي، ليس كمستهلك للمعدات الأجنبية، بل كمنتج للمعدات الصناعية في المنطقة، ويؤسس أعمدة الاقتصاد المقاوم أقوى من أي وقت مضى.