الحرب تعيد تشكيل العقار الإيراني… انهيار الثقة وهروب الاستثمارات

في ظل تحولات إقليمية متسارعة وضغوط اقتصادية متراكمة، يجد الاقتصاد الإيراني نفسه أمام اختبار جديد يعيد رسم ملامح العديد من قطاعاته الحيوية. ويبرز القطاع العقاري بوصفه أحد أكثر القطاعات تأثرا بهذه المتغيرات، نظرا لحساسيته العالية تجاه الاستقرار السياسي وحركة رؤوس الأموال. وبين تقلبات حادة في المؤشرات الاقتصادية وتبدل سلوك المستثمرين، تتشكل ملامح مرحلة جديدة تتسم بعدم اليقين وتعدد السيناريوهات. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة السوق على الصمود، ومساراته المحتملة في ظل بيئة معقدة تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية بشكل غير مسبوق.

لحظة الانفجار… كيف قلبت الحرب قواعد سوق العقارات رأسا على عقب؟

يقول الخبراء أن العام 2025 لم يكن عاما عاديا في تاريخ سوق العقارات الإيراني، بل شكل نقطة انعطاف حادة أعادت تعريف طبيعة هذا السوق ووظائفه وديناميكياته، ففي الوقت الذي دخل فيه العام محملا بآمال سياسية واقتصادية، خصوصا مع تصاعد الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهمات دولية تخفف من وطأة العقوبات وتنعش الاقتصاد، جاءت الحرب على إيران، بنسختيها، لتبدد تلك التوقعات خلال فترة زمنية قصيرة، وتدفع السوق إلى واحدة من أعنف صدماته في السنوات الأخيرة.

في المرحلة الأولى من اندلاع الحرب، لم يكن التأثير اقتصاديا فقط، بل كان نفسيا بالدرجة الأولى، فقد دخلت السوق في حالة ذعر جماعي، انعكست بشكل مباشر على سلوك المالكين الذين سارعوا إلى عرض ممتلكاتهم للبيع. لم يعد الهدف تحقيق أرباح أو حتى الحفاظ على القيمة، بل أصبح التخلص من الأصول العقارية وسيلة لتقليل المخاطر، خصوصا مع تصاعد احتمالات توسع العمليات العسكرية وعدم وضوح أفقها الزمني.

Image

هذا السلوك أدى إلى زيادة مفاجئة في المعروض، وهو ما لم يكن نتيجة نمو طبيعي في السوق، بل نتيجة ضغط نفسي وأمني دفع العديد من الملاك إلى اتخاذ قرارات بيع سريعة. وفي المقابل، كان الطلب في أدنى مستوياته، حيث انسحب المشترون من السوق، سواء كانوا مستثمرين أو حتى مشترين لأغراض السكن، في ظل غياب الاستقرار وصعوبة التنبؤ بالمستقبل.

وقد انعكس هذا الخلل في التوازن بين العرض والطلب على الأسعار بشكل مباشر، ففي بعض المناطق، خصوصا في شمال طهران والمناطق القريبة من بؤر التوتر، سجلت انخفاضات حادة وصلت إلى مستويات لافتة، فعند أخذ متوسط الأسعار قبل الحرب، والذي كان يعادل نحو ١,٩٠٨,٠٠٠,٠٠٠ ريال إيراني للمتر المربع، ما يقارب ٧٥٤ دولارا، فإن بعض الصفقات الاضطرارية جرت عند مستويات أقل بكثير، ما يعني أن السوق شهد تآكلا سريعا في القيمة خلال فترة زمنية قصيرة.

Image

لكن الأهم من الانخفاض السعري كان الشلل شبه الكامل في آليات السوق، فقد أُغلقت العديد من مكاتب الوساطة العقارية، وتوقفت الاتصالات بين الأطراف، كما تعطلت الأنظمة المصرفية والمالية، مما جعل تنفيذ أي صفقة أمرا معقدا أو حتى مستحيلًا. في هذه المرحلة، لم يعد السوق يعاني من ضعف السيولة فقط، بل من غياب البنية التشغيلية التي تسمح بحدوث المعاملات أصلا.

كذلك، لعب العامل الجغرافي دورا مهما في تحديد حجم التأثر، فالمناطق التي شهدت تهديدات مباشرة أو غير مباشرة كانت الأكثر تضررا، بينما حافظت بعض المناطق الأخرى على قدر من الاستقرار النسبي، ومع ذلك، فإن التأثير النفسي العام كان شاملًا، إذ لم يكن المستثمر أو المشتري يميز كثيرا بين منطقة وأخرى، بل كان يتعامل مع السوق ككل باعتباره بيئة عالية المخاطر.

Image

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة هروب رؤوس الأموال كأحد أهم ملامح المرحلة، حيث اتجهت السيولة إلى أسواق أكثر مرونة وسرعة في التسييل، مثل الذهب والعملات الأجنبية، بينما فقد العقار جزءا من جاذبيته التقليدية كملاذ آمن. هذا التحول لم يكن مؤقتا فقط، بل حمل دلالات عميقة على تغير نظرة المستثمرين إلى العقار في ظل الأزمات.

ويمكن القول إن المرحلة الأولى من الحرب لم تؤد فقط إلى اضطراب السوق، بل أعادت تشكيل بنيته بالكامل، حيث انتقل من سوق يعتمد على التوقعات الاقتصادية إلى سوق تحكمه المخاطر الجيوسياسية، وهو تحول من شأنه أن يترك آثارا طويلة الأمد حتى بعد انتهاء الحرب.

التكيف تحت الضغط… صعود الإيجارات وتحول أنماط الطلب والاستثمار

يفيد خبراء سوق العقارات الإيراني أنه مع انحسار الصدمة الأولى للحرب في نهاية يونيو/ حزيران 2025، دخل السوق إلى مرحلة من التهدئة النسبية، إلا أنه لم يرجع إلى طبيعته السابقة، بل دخل في مرحلة جديدة اتسمت بمحاولات التكيف مع واقع اقتصادي وسياسي معقد. هذه المرحلة كشفت عن تحولات عميقة في بنية السوق، سواء من حيث طبيعة الطلب أو أنماط الاستثمار أو حتى أولويات المستهلكين.

أحد أبرز ملامح هذه المرحلة كان الانتقال التدريجي لمركز الثقل من سوق البيع إلى سوق الإيجارات، فمع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع حالة عدم اليقين، أصبح شراء العقار خيارا صعبا بالنسبة لغالبية الأسر، مما أدى إلى زيادة الطلب على الإيجارات بشكل ملحوظ. وقد انعكس ذلك في ارتفاعات كبيرة في الأسعار، حيث وصلت تكلفة الإيجار الشهري لبعض الوحدات إلى نحو ٣١٨,٠٠٠,٠٠٠ ريال إيراني، ما يعادل حوالي ١٢٦ دولارا، قبل أن ترتفع في بعض الحالات إلى ما يقارب ٤٧٧,٠٠٠,٠٠٠ ريال، نحو ١٨٩ دولار.

Image

هذا الارتفاع لم يكن مجرد انعكاس لزيادة الطلب، بل نتيجة تفاعل عدة عوامل، منها انخفاض العرض بسبب تراجع الاستثمار في البناء، وخروج جزء من الوحدات من السوق نتيجة الهجرة أو الاحتفاظ بها كأصول غير متداولة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل عام.

في الوقت ذاته، شهدت السوق تحولا واضحا في هيكل الطلب. فقد تراجعت حصة المستثمرين بشكل كبير، بينما أصبح السوق يعتمد بشكل أساسي على الطلب الاستهلاكي، أي الأفراد الذين يشترون أو يستأجرون لأغراض السكن فقط. لكن حتى هذه الفئة لم تكن في وضع مريح، إذ واجهت ضغوطا متزايدة نتيجة التضخم وتراجع الدخول الحقيقية.

ومن أبرز التحولات أيضا، زيادة الطلب على الوحدات صغيرة المساحة، خصوصًا في المناطق الوسطى والجنوبية، فالوحدات التي كانت تعتبر في السابق خيارا ثانويا أصبحت الخيار الأساسي لشريحة واسعة من المشترين والمستأجرين، بسبب انخفاض تكلفتها نسبيا. فعلى سبيل المثال، أصبحت الوحدات التي تقل قيمتها عن ٦٣٦,٠٠٠,٠٠٠,٠٠٠ ريال إيراني، نحو ٢٥,١٥٧ دولارا، هي الأكثر تداولا في السوق، مقارنة بالوحدات الأكبر التي خرجت من دائرة الاهتمام بسبب ارتفاع أسعارها.

Image

في المقابل، استمر جانب العرض في التراجع، حيث واجه المطورون تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف البناء. فقد تراوحت تكلفة بناء المتر المربع بين ٣١٨,٠٠٠,٠٠٠ و٥٥٦,٥٠٠,٠٠٠ ريال إيراني، أي ما بين ١٢٦ و٢٢٠ دولار، وهو ما قلص هوامش الربح بشكل كبير، وجعل العديد من المشاريع غير مجدية اقتصاديًا.

كما لعبت الأسواق الموازية دورا حاسما في هذه المرحلة، حيث جذبت السيولة بعيدا عن العقارات. فقد شهدت أسواق الذهب والعملات ارتفاعات كبيرة، ما جعلها أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بالعقار، الذي يتطلب رأسمال أكبر ويعاني من ضعف السيولة.

ورغم بعض المؤشرات على عودة النشاط، فإن السوق بقي في حالة توازن هش، حيث يعتمد على عوامل خارجية أكثر من اعتماده على أساسياته الداخلية. ويمكن القول إن هذه المرحلة لم تكن مرحلة تعافٍ حقيقي، بل مرحلة إدارة للأزمة ومحاولة التكيف معها، دون القدرة على تجاوزها بالكامل.

ركود ممتد ومستقبل غامض… هل يخرج السوق من عنق الزجاجة في 2026؟

مع اقتراب نهاية العام وعودة التوترات العسكرية بشن حرب على إيران، دخل سوق العقارات مرحلة أكثر تعقيدا، حيث تحول الركود من حالة مؤقتة إلى سمة هيكلية للسوق. ففي شتاء 2025، شهدت السوق حالة من الجمود شبه الكامل، حيث توقفت المعاملات، واستقرت الأسعار عند مستويات معينة، واختفى معظم الفاعلين من المشهد.

وفي فترة قصيرة، تراجعت الأسعار من نحو ٢,٣٥٣,٠٠٠,٠٠٠ ريال إيراني للمتر المربع، حوالي ٩٣٠ دولار، إلى نحو ٢,٢٠٩,٠٠٠,٠٠٠ ريال، نحو ٨٧٤ دولار، وهو انخفاض يعكس حساسية السوق الشديدة للأحداث السياسية والعسكرية. لكن الأهم من ذلك، أن السوق لم يعد يعمل وفق قواعد العرض والطلب التقليدية، بل أصبح في حالة تعليق حسب تعبير الخبراء، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع.

Image

في هذه المرحلة، لم يعد السعر هو العامل الحاسم، بل القدرة على تنفيذ الصفقة نفسها، فقد أدت الاضطرابات في الأنظمة المالية والمصرفية إلى تعطيل عمليات الدفع والتحويل، كما أثرت القيود الإدارية على تسجيل العقود، مما جعل إتمام المعاملات أمرا بالغ الصعوبة.

كما شهدت السوق خروجا شبه كامل للمستثمرين، الذين لم يعودوا يرون في العقار خيارا مناسبا في ظل هذه الظروف. حتى المشترين لأغراض السكن أصبحوا أكثر حذرًا، حيث فضّل كثيرون تأجيل قراراتهم، بانتظار وضوح الصورة.

هذا الوضع ترك إرثا ثقيلا لما سيكون عليه السوق في عام 2026 والربع الأول من العام 2027، يتمثل في ركود عميق، وضعف في العرض، وتراجع في الطلب، وهروب رؤوس الأموال. كما أن الفجوة بين تكاليف البناء وأسعار البيع أصبحت تهدد استدامة القطاع، حيث لم تعد المشاريع الجديدة تحقق عوائد كافية.

أما مستقبل السوق، فيبقى مرهونا بشكل كبير بالتطورات السياسية، فيشير الخبراء أنه في حال انتهت الحرب وعاد الاستقرار، يمكن أن يشهد السوق انتعاشا تدريجيا، مدفوعا بعودة الثقة وزيادة الطلب، أما في حال استمرار التوترات، فإن السوق قد يظل في حالة ركود، وربما يدخل في مرحلة أكثر تعقيدًا من الركود التضخمي.

Image

وفي كل الأحوال، فإن تجربة عام 2025 أظهرت أن سوق العقارات في إيران لم يعد مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبح مرآة تعكس التفاعلات السياسية والأمنية، وهو ما يجعل مستقبله مفتوحا على جميع الاحتمالات، بين التعافي والانكماش.