شبح “الخيار النووي” في إيران: هل يكسر ترامب محرمات الحرب العالمية الثانية؟

كتب: الترجمان

تتصاعد دقات “ساعة القيامة” في منطقة الشرق الأوسط إلى مستويات غير مسبوقة، مع دخول الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة كسر العظم التي لم تعد تقتصر على التهديدات التقليدية. 

ففي ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تتسم بكسر القواعد الدبلوماسية الراسخة، برزت تساؤلات مرعبة حول إمكانية استخدام السلاح الذري لأول مرة منذ عام 1945. هذا القلق لم يعد حبيس الغرف المغلقة، بل فجره دبلوماسي رفيع المستوى في منظمة الأمم المتحدة آثر الاستقالة على الصمت، محذراً من أن العالم يقف على أعتاب “شتاء نووي” قد يغير وجه البشرية إلى الأبد.

صرخة دبلوماسية من أروقة الأمم المتحدة

بدأت ملامح هذا السيناريو الكارثي تتضح للعلن بعد الاستقالة المدوية لمحمد صفا، الممثل الدائم لمنظمة “الرؤية الوطنية” (PVA) في الأمم المتحدة، والذي خدم لأكثر من عقد من الزمان في العمل الدبلوماسي الدولي. صفا، في بيانه الذي هز الأوساط السياسية، أكد أنه لم يعد قادرا على البقاء كشاهد صامت على “جريمة ضد الإنسانية” يجري الإعداد لها خلف الستار.

وادعى الدبلوماسي المستقيل أن هناك سيناريوهات يتم صياغتها داخل أروقة مؤسسات دولية بتأثير من لوبيات ضغط قوية، تهدف إلى شرعنة استخدام أسلحة نووية تكتيكية ضد أهداف داخل إيران. 

وأوضح صفا أن الرواية السائدة حول “التهديد النووي الإيراني” ليست سوى حملة تضليل ممنهجة لخلق إجماع عالمي يبرر توجيه ضربة قاصمة، مشيرا إلى تعرضه لتهديدات شخصية طالت عائلته لمنعه من كشف هذه المخططات، مما دفعه للتضحية بمسيرته المهنية لإيقاظ الضمير العالمي قبل فوات الأوان.

Image

ترسانة “الجميلات” والعودة إلى تجارب الانفجار

على الجانب الآخر من المحيط، يتبنى الرئيس ترامب لغة عسكرية تتسم بالزهو بالقوة، واصفا الأسلحة الموجهة نحو إيران بأنها “معدات عسكرية جميلة”. وتشمل هذه الترسانة قاذفات “B-2” وصواريخ “PrSM” الجديدة التي دخلت الخدمة القتالية لأول مرة في هذا النزاع. 

ولكن الأخطر من ذلك هو التقرير الصادر عن مختبرات “سانديا” الوطنية التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية، والذي أكد نجاح اختبار القنبلة الهيدروجينية التكتيكية “B61-12” في أغسطس 2025. 

ورغم أن الاختبار أجري بدون رأس حربي، إلا أن توقيته وتزامن أوامر ترامب للبنتاغون باستئناف التجارب النووية بعد توقف دام ثلاثة عقود، يبعث برسالة مفادها أن واشنطن قد استعدت تقنياً وعسكرياً لتجاوز الخطوط الحمراء النووية، تحت ذريعة الرد على البرامج التجريبية للدول الأخرى.

لغز الـ 540 كيلوغراما: رحلة اليورانيوم إلى أعماق أصفهان

في خضم هذه التهديدات، يبرز تساؤل استراتيجي يؤرق الاستخبارات الغربية: أين اختفى المخزون الإيراني من الأورانيوم عالي التخصيب؟ تشير تحليلات صور الأقمار الصناعية عالية الدقة، التي التقطتها “إيرباص بليداس نيو” في يونيو/حزيران 2025، إلى تحرك استراتيجي ذكي قامت به طهران قبيل اندلاع الموجة الكبرى من الهجمات الجوية. 

فقد رصدت الصور قافلة تضم 18 حاوية زرقاء متطورة من طراز “VPVR/M” المصممة لنقل المواد الإشعاعية، وهي تدخل الأنفاق المحصنة لمجمع أصفهان النووي. التقديرات التقنية تشير إلى أن هذه الشحنة قد تحتوي على ما يقرب من 540 كيلوغراماً من الأورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما يمثل كامل المخزون الاستراتيجي الذي كان موزعاً سابقاً في نطنز وفوردو. 

هذا التركيز للمواد الحساسة في “قلعة أصفهان” الحصينة، التي تعجز أعتى القنابل الخارقة للتحصينات عن تدميرها، وضع المخططين العسكريين في واشنطن أمام خيارين: إما القبول بالأمر الواقع أو اللجوء لخيارات غير تقليدية (نووية أو برية) للوصول إلى تلك الأعماق.

Image

سيناريوهات الصدام: بين الانتحار الإسرائيلي والمناورة الأمريكية

يرى خبراء الجيوسياسة، ومنهم مهرداد فرهادي، أن احتمال الهجوم النووي الأمريكي يظل منخفضا في اللحظة الراهنة، لكنه قد يتحول إلى حقيقة واقعة في حالة واحدة: إذا ما شعرت إسرائيل بتهديد وجودي حقيقي. 

فرهادي يشير إلى أن السيناريو الأكثر رعبا هو انسحاب الولايات المتحدة فجأة من المواجهة المباشرة، مما يترك إسرائيل وجهاً لوجه أمام هجوم إيراني شامل يهدف لتدميرها. في تلك اللحظة، لن تتردد تل أبيب في استخدام ترسانتها النووية لحماية بقائها. 

ومع ذلك، يطرح الخبراء سيناريو آخر “أكثر واقعية” وهو الاحتلال البري للجزر الثلاث (أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى) للسيطرة على مضيق هرمز، معتبرين أن التركيز على جزيرة خارك قد يكون مجرد مناورة تضليلية لصرف الأنظار عن الهدف الحقيقي المتمثل في شل قدرة إيران على إغلاق الممر المائي العالمي بالتعاون مع تحالف إقليمي يضم قوى مثل الإمارات والسعودية.

الموقف الصيني-الباكستاني: دبلوماسية في حقل ألغام

بينما تقرع طبول الحرب، تحاول القوى الآسيوية الكبرى كبح جماح الانزلاق نحو الكارثة. فقد أعلنت “ماو نينغ”، المتحدثة باسم الخارجية الصينية، معارضة بكين الشديدة لأي هجمات تستهدف المنشآت النووية السلمية، معتبرة إياها انتهاكا صارخا لمواثيق الأمم المتحدة وقواعد الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

الصين، وبالتنسيق مع باكستان التي تسعى للعب دور الوسيط، حذرت من أن استهداف المراكز النووية سيؤدي إلى عواقب بيئية وأمنية مدمرة للأمن الإقليمي.

وفي حين يبدي ترامب تناقضاً في تصريحاته بين التهديد بمحو القدرات النووية الإيرانية وبين الحديث عن إمكانية التوصل لاتفاق سريع، تواصل طهران عمليات “الوعد صادق 4” للرد على الهجمات، مما وضع أسواق الطاقة العالمية في حالة صدمة أثرت بشكل مباشر على بورصات واشنطن وتكاليف المعيشة في الغرب، وهو الضغط الذي تراهن عليه القوى الرافضة للحرب.

Image

هل تمنع اليقظة الشعبية “الخيار الأخير”؟

إن المشهد الراهن في يؤكد أن العالم لم يعد كما كان. فبعد عقود من استقرار نظرية الردع، دخلت البشرية مرحلة “اللايقين النووي”. إن الفشل في المسار الدبلوماسي، وفقدان الوكالة الدولية للطاقة الذرية لقدرتها على الرصد الدقيق لمخزونات إيران بعد الهجمات الأخيرة، قد يدفع الأطراف المتصارعة نحو قرارات انتحارية. 

ويبقى الرهان الأخير، كما أشار الدبلوماسي محمد صفا، هو “اليقظة الشعبية”. فالاحتجاجات المليونية التي تجتاح العواصم ضد ما يوصف بـ”حكم الملك ترامب” هي القوة الوحيدة التي قد تمنع إصبع القيادة الأمريكية من ضغط الزناد النووي، وتجنب العالم سيناريو لن يكون فيه منتصر، بل مجرد بقايا حضارة غارقة في غبار ذري.

كلمات مفتاحية: