سباق “الفقهاء” إلى مجلس خبراء القيادة: قراءة في خريطة التحصين الدستوري والفرز الانتخابي

كتب: الترجمان

تُعد انتخابات مجلس خبراء القيادة في إيران واحدة من أكثر العمليات السياسية تعقيدا وحساسية، حيث تتداخل فيها المعايير الفقهية الصارمة مع الحسابات الانتخابية الدقيقة لتشكل مصفاةً دستورية لا يعبرها إلا من استوفى شروط “الاجتهاد” و”البصيرة”.

وفي ظل إعلان نتائج مراجعة أهليات المترشحين في العاصمة طهران، والتي كشفت عن خروج كتلة واسعة من السباق سواء بالانسحاب الإرادي أو عبر مقصلة “عدم إحراز الأهلية” من قِبل مجلس صيانة الدستور، يبرز التساؤل حول فلسفة هذا النظام الانتخابي الفريد الذي يربط بين الديموقراطية المباشرة وصلاحيات الفقهاء المطلقة.

غربلة الأسماء وحسابات الصندوق

تتجه الأنظار في العاصمة الإيرانية طهران نحو الاستحقاق الانتخابي المقبل لتمثيل المحافظة في مجلس خبراء القيادة، وهو الكيان الدستوري الأرفع المسؤول عن اختيار مرجع القيادة ومراقبته. وفي هذا السياق، كشف حسين خوش إقبال، حاكم مدينة طهران، عن نتائج مراجعة وتدقيق أهليات المترشحين لخوض غمار الانتخابات النصفية للدورة السابعة للمجلس. 

تعكس الأرقام المعلنة طبيعة “الفلترة” الدقيقة التي تخضع لها هذه الانتخابات، حيث تقدم في البداية 55 شخصا لنيل شرف العضوية عن دائرة طهران، إلا أن المسار الإجرائي والرقابي قلص هذا العدد بشكل دراماتيكي. فقد آثر 17 مترشحا الانسحاب من السباق قبل الوصول إلى مرحلة البت النهائي، مما ترك 38 اسما تحت مجهر الهيئة المركزية للنظارة على الانتخابات التابعة لمجلس صيانة الدستور.

تظهر النتائج النهائية المعلنة صرامة المعايير المطلوبة لشغل مقعد في هذا المجلس السيادي، إذ لم يحصل سوى 11 مرشحا على “صك التأیيد” لخوض المنافسة، بينما لم يتم إحراز أهلية 27 آخرين.

هذا الفرز لا يقتصر فقط على الجوانب الإدارية، بل يمتد ليشمل الكفاءة الفقهية والاجتهادية التي يشترطها القانون في ممثلي الخبراء. ومن المقرر أن تجرى هذه الانتخابات بالتزامن مع انتخابات المجالس المحلية والانتخابات النصفية للبرلمان، في موعد حددته السلطات في مايو/أيار 2026، لتشمل أربع دوائر انتخابية رئيسية هي طهران، وأذربيجان الشرقية، وخوزستان، وخراسان الجنوبية، مما يجعل من هذا اليوم عُرسا انتخابيا متعدد المستويات يحدد ملامح الخارطة السياسية والدينية في البلاد.

Image

مجلس الخبراء: من حرب العراق إلى استقرار المؤسسات

يعود تاريخ تأسيس مجلس خبراء القيادة إلى بدايات الثورة الإسلامية، حيث وُضع لبنته الأولى في ظروف استثنائية كانت تمر بها الدولة الإيرانية الناشئة. فقد أجريت أول انتخابات لهذا المجلس في ديسمبر من عام 1982، في وقت كانت فيه البلاد تخوض حرباً ضروساً مع العراق. 

ورغم ضغوط الحرب والظروف الأمنية المعقدة، سجل التاريخ مشاركة شعبية واسعة بلغت قرابة 18 مليون ناخب، وهو ما عكس الرغبة الشعبية في تثبيت أركان النظام السياسي القائم على مبدأ “ولاية الفقيه”. 

في تلك الدورة التأسيسية، تم انتخاب 75 ممثلا في الجولة الأولى، بينما استكملت بقية المقاعد في جولة ثانية، لتنطلق منذ ذلك الحين مسيرة مؤسسة مناط بها أخطر القرارات في هرم السلطة.

تطور القانون الانتخابي المنظم لهذا المجلس بناء على المادة الدستورية التي منحت مجلس صيانة الدستور صلاحية وضع شروط الخبراء وكيفية انتخابهم في الدورة الأولى، ثم منحت الصلاحية للمجلس نفسه في الدورات اللاحقة لتعديل قوانينه الخاصة. 

ويقوم النظام الانتخابي على مبدأ التمثيل النسبي المرتبط بالكثافة السكانية، حيث يتم تخصيص مقعد واحد لكل مليون نسمة في كل محافظة. هذا الربط الديموغرافي يضمن عدالة التمثيل الجغرافي ويجعل من مجلس الخبراء مرآة حقيقية للتوزيع السكاني في إيران، مع الحفاظ على صبغته التخصصية كجمعية من الفقهاء والمجتهدين الذين يتم اختيارهم عبر الاقتراع العام المباشر والسري.

Image

الفلسفة الدستورية لآليات الانتخاب والفرز

يقوم النظام الانتخابي لمجلس الخبراء على معايير دقيقة تهدف إلى ضمان وصول “الأصلح فقهيا وسياسيا” إلى سدة القرار. وتعد عملية “إحراز الأهلية” حجر الزاوية في هذا النظام، حيث يتولى فقهاء مجلس صيانة الدستور فحص ملفات المترشحين للتأكد من امتلاكهم درجة “الاجتهاد” المطلوبة. 

ولا يتوقف التدقيق عند اللحظة الأولى للترشح، بل يمتد حتى يوم التصويت، فإذا ظهرت أدلة جديدة تشكك في أهلية مرشح سبق تأييده، يحق لفقهاء مجلس صيانة الدستور سلب هذه الأهلية منه وإبلاغ لجنة الانتخابات المركزية فوراً. هذا الأمر يهدف إلى حماية المؤسسة من تسلل أي عناصر قد تفتقر للمؤهلات العلمية أو الالتزام بمبادئ النظام.

في حال عدم حصول أي من المرشحين على الأغلبية المطلقة في الجولة الأولى، ينتقل السباق إلى جولة ثانية حاسمة. وفي هذه المرحلة، يقتصر التنافس على عدد من المرشحين يعادل ضعف عدد المقاعد المطلوبة، ممن حصلوا على أعلى الأصوات في الجولة الأولى. 

ويحظر القانون إضافة أي أسماء جديدة في هذه المرحلة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك بتنظيم حالات تساوي الأصوات عبر “القرعة” التي تجرى بحضور ممثلي الهيئات التنفيذية والرقابية، مما يضفي طابعا من الشفافية والقطعية على النتائج النهائية. هذه التعقيدات الإجرائية تعكس الوزن النوعي للمقعد في هذا المجلس، والذي لا يشبه أي مقعد آخر.

شروط الترشح: ميزان “الاجتهاد” والولاء السياسي

لا يفتح باب الترشح لمجلس الخبراء أمام الجميع كما هو الحال في انتخابات البرلمان، بل يستوجب قائمة صارمة من الشروط العلمية والأخلاقية. يجب أن يتمتع المترشح بشهرة واسعة في التدين والأمانة والجدارة الأخلاقية، لكن الشرط الأكثر جوهرية هو “القدرة على الاجتهاد”. 

يُشترط في المترشح أن يكون متمكنا من مباني الاجتهاد، مع سجل حافل بالدراسة في الحوزات العلمية الكبرى، لدرجة تمكنه من تشخيص الأفراد الصالحين للمرجعية والقيادة. ولإثبات ذلك، يلتزم كل مترشح عند التسجيل بتقديم شهادات تزكية من ثلاثة أساتذة معروفين في دروس “الخارج” بالحوزة العلمية، يشهدون فيها ببلوغه هذه الرتبة العلمية الرفيعة.

إلى جانب الكفاءة العلمية، يشترط القانون توفر “البصيرة السياسية والاجتماعية”، وهي قدرة المرشح على فهم تعقيدات العصر ومواكبة الأحداث الجارية برؤية دينية معاصرة. كما يجب أن يكون المترشح مؤمناً بعمق بنظام الجمهورية الإسلامية، وخالياً من أي سوابق سياسية أو اجتماعية سيئة قد تخدش مكانته كفقيه مؤتمن. 

ومن المثير للاهتمام أن القانون يفرض نوعا من “تضارب المصالح”، فإذا رغب عضو في مجلس صيانة الدستور في الترشح لمجلس الخبراء، فإنه يُحرم من ممارسة مهامه الرقابية أو اتخاذ أي قرار يتعلق بالانتخابات في المحافظة التي ترشح فيها، وذلك لضمان حيادية العملية الانتخابية ونزاهتها.

اللوجستيات والرقابة: من التسجيل حتى إعلان النتائج

تبدأ العملية اللوجستية فور صدور الأوامر السيادية بإجراء الانتخابات، حيث تُكلف وزارة الداخلية بالإعلان عن مواعيد التسجيل خلال عشرة أيام عبر وسائل الإعلام. يتوجه الطامحون للعضوية إلى مراكز المحافظات لتعبئة استمارات الترشح وتقديم مستنداتهم، بما في ذلك صور الهوية الشخصية وتزكيات كبار أساتذة الحوزة. 

ومن هنا تنطلق رحلة الوثائق عبر سلسلة من الهيئات، من حاكم المركز إلى الهيئة التنفيذية، ثم إلى ستاد الانتخابات في البلاد، وصولا إلى المحطة النهائية والأهم وهي مجلس صيانة الدستور، الذي يمتلك مهلة سبعة أيام للبت في الأهلية وإصدار القائمة النهائية.

تتشكل في كل محافظة “هيئة تنفيذية” برئاسة المحافظ وعضوية كبار مسؤولي القضاء والتعليم والسجل المدني، بالإضافة إلى خمسة من المعتمدين المحليين بينهم رجل دين واحد على الأقل. 

هذه التشكيلة تهدف إلى دمج الخبرة الإدارية بالشرعية الاجتماعية والقانونية. بمجرد تأييد الأسماء، تتولى وزارة الداخلية نشر القوائم عبر الإذاعة والتلفزيون الرسمي، لتبدأ بعدها مرحلة الحملات الانتخابية التي تخضع بدورها لرقابة صارمة لضمان تكافؤ الفرص ومنع استغلال موارد الدولة، حيث يُحظر تماماً استخدام أي إمكانيات حكومية لصالح مرشح بعينه، وتراقب “لجنة تفتيش الدعاية” أي تجاوزات قد تحدث في هذا الصدد.

Image

دعاية الفقهاء: عدالة الفرص ومنع الانحراف الإعلامي

تنظر القوانين الإيرانية إلى الدعاية الانتخابية لمجلس الخبراء بخصوصية تامة، نظراً لمكانة المترشحين الدينية. ولضمان عدم تحول السباق إلى منافسة مالية، تُشكل في كل محافظة “لجنة تفتيش الدعاية الانتخابية” برئاسة المحافظ وعضوية المدعي العام وممثل مجلس صيانة الدستور ومدير هيئة الإذاعة والتلفزيون الإقليمي.

 تضمن هذه اللجنة توزيع الوقت المخصص للمرشحين في وسائل الإعلام الرسمية بشكل متساوٍ تماما، كما تمنع التلفزيون الرسمي من بث أي برامج أخرى للمرشحين (خارج إطار الدعاية المخصصة) طوال فترة الحملة الانتخابية لتجنب أي نوع من الترويج غير المباشر.

تفرض القوانين حظرا صارما على وضع الملصقات الإعلانية في الأماكن الحيوية مثل المستشفيات، والمدارس، وإشارات المرور، والحافلات العامة. وتكلف القوات الأمنية بإزالة أي مخالفات فوراً وإحالة المتجاوزين إلى الجهات القضائية. 

هذا التنظيم الصارم يهدف إلى الحفاظ على المظهر الحضاري للمدن وتجنب “التلوث البصري” الدعائي، مع التأكيد على أن النشاط الانتخابي يجب أن ينتهي قبل 24 ساعة من بدء التصويت. في النهاية، تظل انتخابات مجلس الخبراء عملية معقدة تدمج بين “الشرعية الفقهية” و”المقبولية الشعبية”، مما يجعلها الضمانة الأساسية لاستمرارية هيكل القيادة في النظام السياسي الإيراني.

كلمات مفتاحية: