- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 132 Views
كتب: الترجمان
دخلت إيران مرحلة حرجة وغير مسبوقة في تاریخ اتصالاتها الحديث، مع تجاوز قطاع الإنترنت حاجز الـ 30 يوما من الانقطاع شبه الكامل. ومع دخول الحرب “المفروضة” من قبل إسرائيل والولايات المتحدة شهرها الثاني، لم يعد المشهد يقتصر برصاصه ودخانه على الجبهات العسكرية، بل امتد ليشمل شللاً تاماً في العصب الحيوي للحياة المعاصرة.
هذا الانقطاع، الذي تجاوز 744 ساعة من العزلة عن العالم الخارجي، يعكس نمطا تکرر ثلاث مرات خلال عام واحد، لكنه هذه المرة يأتي بآثار تدميرية تتجاوز مجرد حجب المعلومات، لتضرب في عمق الهيكل الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وسط صمت رسمي مطبق يثير تساؤلات ملحة حول مستقبل الرقمنة في ظل الأزمات الوجودية.
سقوط في الهاوية الرقمية: قراءة في بيانات نت بلاكس
تشير التقارير التقنية الصادرة عن منظمة “نت بلاكس” (NetBlocks) المعنية بمراقبة أمن الشبکات، إلى أن مستوى الاتصال بالإنترنت العالمي في إيران سقط إلى مستويات غير مسبوقة منذ فبراير/شباط 2026 ، حيث هبطت الحركة بنسبة تصل إلى أقل من 1% من المستويات العادية في بعض المقاطعات.
هذا التدهور لم يكن مجرد بطء في الخدمة، بل هو “انقطاع کامل” أو تعتيم رقمي مطبق، حيث يجد ملايين المستخدمين أنفسهم محبوسين داخل “شبكة وطنية” محدودة القدرات لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات العصر.
إن بقاء البلاد لأكثر از 700 ساعة بلا ارتباط خارجي يعني انقطاع التحديثات الأمنية للسيرفرات، وانتهاء صلاحية نطاقات المواقع الدولية وفقدان الوصول إلى الخدمات السحابية والبريد الإلكتروني العالمي، مما يجعل البنية التحتية الرقمية في مواجهة خطر التآكل الذاتي والضعف الأمني المتزايد.

اقتصاد تحت المقصلة: 113 مليون دولار في مهب الريح
الأرقام التي كشف عنها وزير الاتصالات، ستار هاشمي، في وقت سابق ترسم صورة قاتمة لما يواجهه الاقتصاد الكلي،، فإن الحصيلة الإجمالية لهذا الشهر من الانقطاع وصلت إلى رقم فلكي 113 مليون دولار.
هذا النزيف المالي لا يمس فقط الميزانية العامة المنهكة أصلا بفعل ظروف الحرب وكسر الميزانية، بل يضرب “النواة الصلبة” للاقتصاد الرقمي الذي يمثل قوت يوم ملايين الأسر.
الشركات الناشئة، ومنصات التجارة الإلكترونية، وقطاع الخدمات اللوجستية، جميعها باتت في حالة موت سريري، حيث تشير التقديرات إلى أن استمرار هذا الوضع سيعجل بتوقف وظائف 10 ملايين إيراني يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على الفضاء المجازي في كسب عيشهم، وهو ما يمثل قنبلة موقوتة في وجه الاستقرار الاجتماعي.
الحياة في “الشبكة الوطنية”: جدران رقمية وخدمات عاجزة
في ظل غياب الإنترنت العالمي، تحول الإيرانيون قسرا إلى “الإنترنت الوطني” أو ما يعرف بالشبكة الداخلية، وهي بيئة رقمية مغلقة تفتقر إلى التفاعل العالمي. ورغم ادعاءات الجاهزية الفنية، إلا أن الواقع كشف عن قصور حاد؛ فمنصات الذكاء الاصطناعي المحلية تعجز عن تقديم إجابات دقيقة لافتقارها إلى قواعد البيانات العالمية المحدثة، بل وتطالب المستخدمين بالاشتراك المالي للوصول إلى معلومات هي في الأصل مشلولة.
حتى الخدمات المصرفية والرسائل المحلية التي كان من المفترض أن تكون بمنأى عن الانقطاع، شهدت اضطرابات حادة وتوقفا في ساعات الذروة، مما جعل المواطن يشعر بأنه يعيش في نسخة “مشوهة” ومصغرة من التكنولوجيا، عاجزة عن سد الفجوة التي خلفها الانقطاع العالمي، خصوصاً في مجالات التعليم والبحث الأمني التي توقفت بشكل شبه كامل.

الذهب الرقمي: ملاذ آمن في مهب العواصف
في خضم هذا الشلل، برزت منصات تداول الذهب عبر الإنترنت كأداة وحيدة تقريبا لإدارة الأصول وحفظ قيمة المدخرات الصغيرة أمام موجات التضخم الناتجة عن الحرب. أظهرت منصات مثل “وال جولد” (WallGold) و”میلی” (Milli) مرونة لافتة، حيث استمرت في تقديم خدماتها رغم القيود الأمنية والتقنية.
والگلد، على سبيل المثال، استمرت في تقديم تسهيلات ائتمانية وقروض بالتعاون مع بنوك محلية لتخفيف الضغوط المعيشية، بل ووفرت خدمة “تأمين سعر الذهب” لحماية المستخدمين من تقلبات السوق.
ومع ذلك، لم تنجُ هذه المنصات من آثار الحرب؛ فقد فُرضت قيود مشددة على سقف الإيداع والسحب اليومي، وتعثرت عمليات التسليم الفيزيائي للذهب في العديد من المنصات مثل “طلاسی” بسبب إغلاق المراكز التجارية والمخاوف الأمنية، مما يعكس تداخل الأزمة التقنية مع الأزمة اللوجستية العامة في البلاد.

عندما تصبح الشائعات هي الخبر
إن أخطر تداعيات الانقطاع الطويل للإنترنت تتمثل في خلق “ثقب أسود” معلوماتي، فعندما يُحرم المواطنون من مصادر الأخبار المتنوعة وأدوات التحقق، يصبح المجتمع تربة خصبة للشائعات والمعلومات المضللة. الخبراء يحذرون من أن سياسة “التعتيم” في الأزمات قد تأتي بنتائج عكسية، حيث تؤدي إلى زيادة القلق والاضطراب الاجتماعي بدلاً من السيطرة عليه.
وفي الوقت الذي يفتقر فيه المواطن العادي إلى أبسط سبل الاتصال، يبرز تفاوت صارخ وجدلي، حيث يمتلك بعض المسؤولين والمديرين الحكوميين وصولا إلى “الإنترنت الأبيض” أو غير المفلتر، مما يعزز الشعور بالتمييز الرقمي في لحظة وطنية حرجة تتطلب التكاتف والشفافية بدلاً من حجب الرؤية عن الجمهور.
بنية تحتية متهالكة: حادثة “پونك” كنموذج
لم يتوقف الأمر عند القرارات السياسية بالقطع، بل امتد ليشمل هشاشة البنية التحتية التقنية تحت ضغط العوامل الطبيعية والحرب. فقد أدى هطول الأمطار في 30 مارس/آذار 2026 إلى انقطاع الكهرباء في مركز بيانات “پونك” الضخم التابع لشركة “هاي وب” في غرب طهران، مما تسبب في شلل واسع لخدمات استضافة المواقع والخدمات السحابية مثل “آروان كلاد” و”هم روش”.
هذه الحادثة كشفت أن “السيادة الرقمية” التي يتم الترويج لها عبر الشبكة الوطنية لا تزال تفتقر إلى أبسط مقومات الصمود أمام الأعطال الفنية أو الحوادث العرضية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويضاعف من خسائر الشركات التي تعتمد على هذه المراكز لضمان استمرارية أعمالها في ظل انقطاع الإنترنت العالمي.

تحركات الغرف التجارية: محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
أمام هذا الوضع المتأزم، بدأت غرفة التجارة الإيرانية تحركات مكثفة لمحاولة تأمین “إنترنت محدود” للنشطاء الاقتصاديين. أعلن علي مسعودي، رئيس لجنة تكنولوجيا المعلومات، عن مشاورات مع وزارة الاتصالات والمركز الوطني للفضاء السيبراني للحصول على تراخيص خاصة تتيح للتجار والشركات المسجلة الوصول إلى الشبكة العالمية.
ورغم أن هذه الخطوة تهدف إلى منع الانهيار التام للتجارة الخارجية وتأمین احتياجات المجتمع، إلا أن الغرفة نفسها أقرت بأن فعالية هذه الحلول ستبقى محدودة ما لم يتم إعادة الاتصال للعموم، لأن الاقتصاد الرقمي بطبيعته يعتمد على التفاعل بين التاجر والمستهلك، وكلاهما الآن عالق في عزلة رقمية خانقة.
عام العزلة: 2025-2026 ومستقبل “زر الإغلاق”
بالنظر إلى مسار الأحداث في العام الأخير، نجد أن إيران قضت ما يقرب من ثلث العام بدون إنترنت عادي. هذا النمط المتكرر، الذي بدأ من حرب الـ 12 يوما مرورا باحتجاجات دي ماه وصولاً إلى الحرب الحالية، يشير إلى أن الإنترنت بات “الرهينة الأول” في كل أزمة.
إن تحول الشبكة العالمية من حق إنساني وأداة تنموية إلى “مفتاح أمني” يتم إطفاؤه بضغطة زر يضع مستقبل التنمية في إيران على المحك. ففي بلد تداخلت فيه لقمة عيش ملايين الناس مع الفضاء الرقمي، يظل السؤال المعلق في أذهان الجميع: إلى متى يمكن الاستمرار في دفع هذه الأثمان الباهظة من جيوب المواطنين وأعصابهم، وهل ستكون هذا الانقطاع هو الأخير أم أنه مجرد فصل في كتاب العزلة الطويل؟
ما وراء الصمت الرقمي
إن ما يحدث اليوم في إيران ليس مجرد قطاع تقني متعثر، بل هو زلزال اقتصادي واجتماعي بصمت. فبينما تشتعل الجبهات العسكرية، تنطفئ ملايين الشاشات التي كانت تمثل نافذة للأمل، والعمل، والتعلم.
الخسائر التي تجاوزت ملايين الدولارات في فترات سابقة وتتضاعف الآن، لا يمكن تعويضها ببساطة. إن إنهاء “الخسوف الرقمي” بات مطلبا لا يحتمل التأجيل، ليس فقط من أجل الترفيه أو التواصل الاجتماعي، بل من أجل إنقاذ ما تبقى من هيكل الاقتصاد الوطني وحماية كرامة ملايين البشر الذين وجدوا أنفسهم فجأة خارج التاريخ الرقمي للعالم، في انتظار لحظة يعود فيها “الضوء” إلى كابلات الألياف الضوئية التي أصبحت أوردة الحياة التي توقف فيها النبض.

