الحكم على نجل وزير الاستخبارات الأسبق بتهمة دعم إسرائيل

تشهد الساحة السياسية الإيرانية من حين إلى آخر، قضايا مثيرة للجدل، تبرز حجم التوتر القائم بين التيارات المختلفة، وتسلط الضوء على التداخل المعقد بين القانون والسياسة والإعلام.

وفي هذا السياق، تأتي قضية الحكم على إحدى الشخصيات الإصلاحية البارزة، لتكشف عن أبعاد متعددة تمتد من الجدل القانوني حول حرية التعبير والنشاط في الفضاء الافتراضي، إلى الخلفيات السياسية والفكرية المرتبطة بتاريخ عائلي وسياسي، في انعكاس لمعادلة دقيقة يعيشها المجتمع الإيراني، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع المطالب الإصلاحية، ويبرز السؤال الجوهري حول حدود الحريات العامة في ظل القوانين السائدة.

فقد أعلن حسن يونسي، المحامي والناشط السياسي الإصلاحي ونجل وزير الاستخبارات الأسبق في عهد حكومة محمد خاتمي، بين 1997 و2005، وأحد مستشاري الرئيس في حكومة حسن روحاني، بين أعوام 2013 إلى 2018،  علي يونسي، عبر صفحاته على منصة إكس، الأربعاء 5 أغسطس/آب 2025، أن النيابة العامة في طهران أصدرت أمرا قضائيا يقضي بمنعه من النشاط في الفضاء الافتراضي لمدة ثلاثة أشهر، وقد أوضح أن هذا القرار جاء في إطار قضية مفتوحة ضده تتضمن اتهامات متعددة نشر الأكاذيب، والدعاية ضد النظام الإيراني، والمساهمة في دعم صورة النظام الصهيوني.

A screenshot of a social media post

AI-generated content may be incorrect.

هذا وقد كان يونسي قد صرح قبلها، 2 أغسطس/آب 2025، على حسابه عبر إكس أيضا، عن فتح قضية ضده في النيابة، حيث علق متهكما: “بشكوى من الأجهزة الأمنية، تم استدعائي إلى نيابة الثقافة والإعلام بتهمة نشر الأكاذيب والدعاية ضد النظام، هذا خبر جيد، إذ يُظهر أن المسؤولين الأمنيين قد نجحوا في أداء واجباتهم في كشف شبكات التجسس واختراق العدو، وانتهوا منها ليصل الدور الآن إلى النشطاء المدنيين والإعلاميين”.

A person looking to the side

AI-generated content may be incorrect.

تجدر الإشارة إلى أن يونسي أحد انشط رواد موقع التواصل إكس وصاحب أكثر التغريدات إثارة للجدل، فقد كتب في مايو/أيار 2025، وخلال موسم الحج، مدافعا عن المملكة العربية السعودية، قائلا: “فهم هذا الموضوع أمر بسيط، فكل هدف حكومة السعودية هو إقامة مراسم الحج بهدوء مع الحفاظ على أمن وراحة الحجاج، مئات الآلاف من الحجاج، بمعتقداتهم السياسية والمذهبية المختلفة، يشاركون في هذا الحدث العظيم.. ولو لم تكن هناك هذه الضوابط والقيود، لكان الحج قد توقّف منذ زمن بعيد”.

كذلك، ففي يونيو/حزيران من العام نفسه، اقتبس مقطعا من خطاب مير حسين موسوي، السياسي الإصلاحي البارز الذي طالب بتغييرات في النظام وإجراء استفتاء على الدستور، قائلا: “الوضع المرير الذي مرت به البلاد كان نتيجة سلسلة من الأخطاء الكبيرة؛ والشعب يريد أن يشهد مراجعة لتلك الأخطاء”.

وفي الشأن نفسه، كتب أيضا: “تعرض عبد الله مومني، الناشط السياسي الإصلاحي، للملاحقة القضائية بسبب دعمه لمقترح إجراء استفتاء على الدستور، في حين أن مثل هذا المقترح لا يحمل أي صفة جنائية، فالمسؤولون يمكنهم أن يقبلوه أو يرفضوه، لم يصدر أي دعوة إلى التجمع، ولم يتخذ أي إجراء ضد أمن البلاد”.

وفي الشهر نفسه، كتب منتقدا الخطاب التصعيدي لبعض التيارات في الداخل الإيراني، قائلا: “العديد من مسؤولي الدول الصديقة للجمهورية الإيرانية، وقبل أشهر من اندلاع حرب الأيام الاثني عشر، كانوا قد حذروا خلال لقاءاتهم ومحادثاتهم من أن هذا الطريق الذي تسلكونه سيؤدي إلى الحرب، لكن لم تكن هناك آذان صاغية، والآن نفس هؤلاء يعاودون التحذير مجددا، لكن مرة أخرى لا أحد يصغي، إنه لأمر عجيب”.

وحول تفعيل آلية الزناد، آلية العقوبات الأوروبية ضد إيران، كتب معلقا على صورة تجمع سعيد جليلي، السياسي الأصولي، واحمدي نجاد، الرئيس الإيراني الأسبق، قائلا: “مع تفعيل آلية الزناد، ستعود جميع قرارات العقوبات التي فرضت على إيران في عهد هذين الشخصين، وظلكما واسميكما ما زالا يخيمان على إيران بالظلام والشقاء”.

وقد أثار هذا الحكم جدلا واسعا بين أوساط الحقوقيين والنشطاء السياسيين، خاصةً أن يونسي ليس شخصية هامشية، فهو محامٍ بارز ينتمي إلى التيار الإصلاحي، وكان منخرطا في الدفاع عن قضايا سياسية واجتماعية حساسة.

جدير بالذكر أن تلك ليست المرة الأولى التي يصدر فيها حكم بحق يونسي، إذ سبق أن اعتقل على خلفية مشاركته في احتجاجات عام 2011 واتهم وقتها بكتابة مقالات اعتبرت معادية للنظام، وخلال العام نفسه، حكمت عليه المحكمة الثورية بالسجن ثلاث سنوات، إضافة إلى منعه خمس سنوات من ممارسة مهنة المحاماة.

الأب والابن.. مفارقة عجيبة

ينتمي حسن يونسي إلى عائلة سياسية بارزة، فهو نجل علي يونسي، إحدى أبرز الشخصيات التي لعبت دورا محوريا في الحكومات السابقة، فبجانب شغله لعدد من المناصب سالفة الذكر، فقد كان عضوا في السلطة القضائية، وتولى مواقع حساسة في الجهاز الأمني للدولة، ما جعله شخصية ذات ثقل كبير في المؤسسة الإيرانية.

كذلك، عرف يونسي الأب بانتمائه إلى التيار الإصلاحي، وبمواقفه التي حاول من خلالها الموازنة بين حماية النظام وتأكيد ضرورة الإصلاح السياسي، وبفضل خبرته الطويلة في أجهزة الدولة، ظل علي يونسي حاضرا في النقاشات السياسية، حتى بعد خروجه من منصب الوزارة، سواء عبر تصريحات صحفية أو مشاركته في استشارات لبعض الحكومات المتعاقبة.

من أبرز المواقف التي أثارت جدلا في مسيرة يونسي الأب، والمثير للمفارقة بالنظر إلى قضية نجله الآن، هي تصريحاته بشأن الاختراق الإسرائيلي داخل إيران، فقد تحدث بشكل صريح في عددا من المناسبات عن نشاطات استخباراتية إسرائيلية تمكنت من التغلغل في الداخل الإيراني، محذرا من خطورة هذا التهديد على الأمن القومي، كما أكد أن إسرائيل تسعى إلى استهداف البنية التحتية الأمنية والعسكرية، فضلا عن محاولاتها التأثير في الداخل عبر شبكات التجسس والعمليات السرية، الأمر الذي اتضح بالكامل بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية في 12 يونيو/حزيران 2025.

 هذه التصريحات، التي صدرت من شخصية أمنية رفيعة المستوى تولت وزارة الاستخبارات نفسها، كانت لها تداعيات واسعة، إذ اعتبرها البعض كشفا لحجم التحديات التي تواجهها أجهزة الأمن الإيرانية، فيما رأى آخرون أنها محاولة لدق ناقوس الخطر وإعادة توجيه الأنظار إلى العدو الخارجي بدلا من الصراعات السياسية الداخلية.

ما هو حظر النشاط على الفضاء المجازي في القانون الإيراني؟

من أبرز الجوانب القانونية في قضية يونسي الابن هو قرار منعه من النشاط في الفضاء الافتراضي، هذا الحكم الذي ربما نراه في إيران فقط، فوقفا للقانون الإيراني، فإن نشر أو توزيع أو المتاجرة بالمحتوى المبتذل والفاحش المخالف للآداب العامة، يعد جريمة بموجب المادة 14 من قانون الجرائم المعلوماتية والبند 2 من المادة 6 في قانون الصحافة، ويعاقَب مرتكبها بالحبس من 91 يوما حتى سنتين، أو بغرامة مالية أو بالعقوبتين معا.

إضافة إلى نشر المحتويات غير الأخلاقية، فقد حذر القانون الأشخاص الذين يقومون بالإساءة لسمعة الآخرين أو نشر الأكاذيب ضد بعضهم البعض في الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، فبموجب المادة 17 من قانون الجرائم المعلوماتية، ومع ثبوت الفعل الجرمي، فإنهم ملزمون بالمثول أمام القانون وتحمل مسؤولية أفعالهم، وفي حال ارتكاب مثل هذا العمل، فإن العقوبة وفقا للقانون تكون الحبس من 91 يوما حتى سنتين، أو الغرامة المالية أو بالعقوبتين معًا.

وبهذا الشأن، قال الدكتور علي خالقي، أستاذ القانون في جامعة طهران، إن مثل هذه القرارات القضائية تعتبر حظرا مهنيا أكثر منها تقييدا اجتماعيا.

كما يشير خالقي إلى أن بعض القضاة يفسرون القانون بشكل خاطئ حين يصدرون قرارا يمنع المتهم من استخدام منصات مثل إكس إنستغرام، في حين أن نص المادة 247 من قانون المحاكمات الجنائية الإيرانية يتحدث فقط عن منع الاشتغال بالأنشطة المرتبطة بالجريمة، أي المنع المهني.

فوفقا للائحة التنفيذية الصادرة عام 2016، فإن المقصود من المنع هو الأنشطة المهنية التي سهلت أو أدت إلى ارتكاب الجريمة، مثل وظيفة أو مهنة محددة، وليس النشاط الاجتماعي الشخصي، كما أن القانون يلزم القاضي بإبلاغ قرار الحظر إلى جهة العمل أو المدير المباشر للمتهم، وهو ما يعزز أن المنع ذو طابع وظيفي.

تكشف تلك القضية النقاب عما هو أكبر من مجرد حكم قضائي ضد محام وناشط بارز، فهي تعكس عدة حقائق أولها طبيعة العلاقة المتوترة بين السلطة والتيار الإصلاحي، والغموض القانوني في مسألة حظر النشاط في الفضاء الافتراضي، بين كونه عقوبة مهنية أو قيدا على الحريات العامة.

كذلك، فتظل هذه القضية مؤشرا على أن الصراع في إيران لا يدور فقط حول السياسة التقليدية، بل يمتد إلى المجال الحقوقي والقانوني والفضاء الافتراضي، حيث تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة مواجهة إضافية بين السلطة ومعارضيها.

كلمات مفتاحية: