الخدمات الهندسية.. رهان إيران الاستراتيجي لبناء اقتصاد ما بعد النفط

ايران

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت صحيفة رسالت الإيرانية الأصولية، الاثنين 29 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه فرص إيران في تصدير الخدمات الفنية والهندسية إلى دول الجوار والمنطقة بوصفها بديلا مستداما عن العائدات النفطية، وما لذلك من مكاسب اقتصادية وسياسية، كما يتناول التحديات القائمة وضرورة دعم الدولة لتحويل هذا القطاع إلى محرك ثانٍ للاقتصاد الوطني.

ذكرت الصحيفة أن الاقتصاد الإيراني، وفي ظل سعيه لتقليل الاعتماد على العائدات النفطية وتوفير مصادر مستدامة للعملة الصعبة، يرى في تصدير الخدمات الفنية والهندسية فرصة كبرى لم تُستثمر بعد بشكل كاف، وأوضحت أن التجارب الممتدة لعقود مضت برهنت على امتلاك إيران قدرات واسعة في مجالات التشييد والبناء والطاقة وشق الطرق وبناء السدود ومحطات الكهرباء، فضلا عن الصناعات الهندسية المتقدمة. 

وأضافت أن هذه الإمكانات يمكن أن تتحول إلى رصيد وطني فاعل إقليميا ودوليا، خصوصا في وقت لم تعد فيه صادرات السلع هي السبيل الوحيد لجلب العملة الصعبة، بل أصبحت صادرات الخدمات مصدرا ثابتا للدخل في كثير من الدول.

وتابعت الصحيفة أن إيران، اعتمادا على خبراتها الداخلية وكفاءتها البشرية المتخصصة وشركاتها القادرة، مؤهلة لحيازة حصة وازنة من أسواق الخدمات الهندسية في المنطقة، وأكدت أن تنمية هذا القطاع لا تعني فقط زيادة العائدات المالية، بل تتيح أيضا توفير فرص عمل للكوادر الشابة ورفع مستوى التكنولوجيا الوطنية.

كما شددت على أن حضور المهندسين الإيرانيين في مشاريع كبرى إقليمية منذ أربعة عقود- من بناء السدود في آسيا الوسطى إلى إنشاء محطات الكهرباء في العراق، ومن مشاريع الطرق في أفريقيا إلى تطوير الحقول النفطية في أميركا اللاتينية- يشهد على قدرة إيران على المنافسة والثبات في هذه السوق.

وبينت أن شركات المقاولات الإيرانية في مجالات الكهرباء والمياه والغاز والبنى التحتية والإنشاءات تحظى بسمعة معروفة دوليا، وقد أثبتت حضورها في مشاريع بارزة مثل محطات الدورة المركبة في العراق أو السدود والمنشآت المائية في طاجيكستان وأفغانستان، إضافة إلى المشاريع النفطية والمصفاة في فنزويلا والعراق. 

واعتبرت هذه الإنجازات دليلا على أن إيران قادرة ليس فقط على مجاراة الشركات الأجنبية، بل أيضا على الاستفادة من عامل الجوار والعلاقات السياسية لتوسيع حضورها وخلق أسواق جديدة.

وأشارت الصحيفة إلى أن لتصدير الخدمات الهندسية أبعادا اقتصادية وسياسية متشابكة، فمن الناحية الاقتصادية، يؤمن ذلك دخلا مستداما ويقلص من الاعتماد على النفط ويوفر موارد متنوعة، إلى جانب خلق فرص عمل واسعة خاصة لخريجي التخصصات الهندسية والفنية، أما من الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن هذه المشاريع تعزز الثقة والتقارب الاقتصادي مع دول الجوار، وتزيد من قدرة إيران على مواجهة العقوبات عبر تنويع مصادر دخلها وربط مصالحها بمصالح شركائها.

وتابعت أن إيران محاطة بخمس عشرة دولة جارة يبلغ مجموع سكانها أكثر من 600 مليون نسمة، وتشكل جميعها أسواقا ضخمة ومفتوحة أمام القدرات الهندسية الإيرانية، وأكدت أن دولا مثل العراق وسوريا وأفغانستان وباكستان، إضافة إلى جمهوريات آسيا الوسطى، تحتاج بشدة إلى إعادة الإعمار وتطوير شبكات الطاقة والطرق والمساكن والمستشفيات. 

Image

وأشارت إلى أن العراق على سبيل المثال ما يزال بحاجة إلى مشاريع إنشائية واسعة، ما يجعل منه سوقا واعدا للشركات الإيرانية، وكذلك دول آسيا الوسطى التي تبحث عن تطوير قطاع الطاقة والنقل بكلفة أقل مقارنة بمنافسيها الغربيين، كما أوضحت أن بعض دول الخليج الصغيرة تُبدي استعدادا للتعاون مع المقاولين الإيرانيين رغم شدة المنافسة، ما يعني أن أسواق الجوار تحمل فرصا بعشرات المليارات من الدولارات يمكن أن تسهم في حل مشكلات النقد الأجنبي والبطالة في الداخل.

غير أن الصحيفة بينت أن هذه الفرص تواجه عقبات متعددة من أبرزها صعوبات التحويلات المالية بسبب القيود القائمة، الأمر الذي يعقد تحصيل الشركات لمستحقاتها، كما أن المنافسة الشرسة من قبل شركات تركية وصينية وأحيانا أوروبية، المدعومة بأدوات سياسية ومالية قوية، تحد من قدرة إيران على التوسع.

وأشارت كذلك إلى غياب آليات ضمان وتأمين كافية في مجال التصدير، إضافة إلى البيروقراطية الإدارية وتعقيدات الحصول على التراخيص، وهو ما يقلص من حضور الشركات الإيرانية في الأسواق الخارجية، لكنها أكدت أن هذه المعضلات قابلة للحل إذا توفرت الإرادة الوطنية والسياسات الحكيمة.

وأضافت الصحيفة أن دعم الدولة وتبني سياسات واضحة أمر ضروري لدفع عجلة صادرات الخدمات الفنية والهندسية. ويتطلب ذلك خطوات مثل تيسير التحويلات المالية، وإنشاء مصارف مشتركة مع الدول المجاورة، واعتماد العملات المحلية في المبادلات، فضلا عن تعزيز صندوق ضمان الصادرات لمنح تأمينات وضمانات موثوقة للشركات الإيرانية.

كما رأت أن الدبلوماسية الاقتصادية ينبغي أن تتحرك بشكل أكثر فعالية، وأن يجري تبسيط إجراءات التراخيص والعقود بما يخدم سرعة إنجاز الصفقات.

وأكدت أن صادرات الخدمات الهندسية تمثل بمثابة “المحرك الثاني” للاقتصاد الإيراني، إذ لا يمكن الاكتفاء بعد اليوم بعائدات النفط والغاز، وأوضحت أن هذا القطاع، القائم على خبرة بشرية متخصصة، قادر على خلق فرص عمل بكلفة أقل، والمساهمة في نمو اقتصادي مستدام.

وتابعت أنه مع ازدياد حاجة دول العالم إلى إعادة الإعمار وتطوير البنى التحتية، فإن على إيران أن تعتمد رؤية شاملة وطويلة الأمد تجعل من هذا الملف أولوية وطنية، عبر تقوية القطاع الخاص، وتعزيز التعاون بين الشركات، وتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية، وضمان الدعم الحكومي.

Image

وشددت الصحيفة على أن تصدير الخدمات الفنية والهندسية يشكل فرصة استثنائية لإيران في المرحلة الراهنة، ليس فقط لتوفير إيرادات مستقرة بل أيضا لخلق وظائف جديدة، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الروابط الإقليمية.

وأكدت أنه إذا ما أحسن صانع القرار إدارة هذا الملف ودعمه، فإن المهندسين الإيرانيين قادرون على إثبات حضورهم الواسع في أسواق المنطقة، وإضافة بعد جديد للقوة الاقتصادية الإيرانية، بما يرسخ دور البلاد كلاعب إقليمي بارز يعتمد على المعرفة والإنتاج الوطني، ويعزز قدرتها على مقاومة الضغوط والعقوبات.