- زاد إيران - المحرر
- 726 Views

نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، السبت 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تقريراً أفادت فيه بأنه عقب إعادة فرض عقوبات مجلس الأمن على طهران، وجّه ممثل المرشد الأعلى سعيد جليلي دعوة إلى خصمه الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني لإجراء مناظرة، وذلك بعد أن ردّ روحاني على تصريحاته في مقطع فيديو أعقب مناظرة جليلي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وأضافت أن الخلاف بينهما، رغم ظهوره مرتبطاً بالاتفاق النووي والتفاوض مع الغرب، أعمق من ذلك، إذ يعكس صراعاً فكرياً بين مدرستين، وهما مدرسة محمد تقي مصباح يزدي التي ينتمي إليها جليلي، ومدرسة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني التي تخرّج منها روحاني، وبرغم رحيل الرمزين، فإن المواجهة بين تلميذيهما لا تزال تُجسّد استمرار ذلك الانقسام الفكري.
التقليدية عند مصباح في مواجهة العمل الثوري عند رفسنجاني
أوضحت الصحيفة أن جذور الخلاف بين مصباح يزدي ورفسنجاني تعود إلى ما قبل الثورة الإيرانية، إذ رغم كون مصباح من تلامذة الخميني، فإنه رفض النهج الثوري المسلح وفضّل العمل الثقافي والفكري، ما وضعه في مواجهة فكرية مع رفسنجاني وبرجل الدين محمد حسين هشتي وغيرهما من الثوريين، وكان مصباح تقليدياً، بينما اتسم رفسنجاني بالبراغماتية، وهو ما عمّق الفجوة بينهما وأسهم لاحقاً في تقارب رفسنجاني مع التيار اليساري.

وتابعت أن مصباح رفض التعاون مع الجماعات المناضلة مثل مجاهدي خلق، حتى إنه اعتبر النضال ضد الشاه محرّماً، وفق ما رواه رفسنجاني في لقاء عام 2014، وأشار إلى أن الخلاف بين مصباح يزدي والمرشد الأعلى علي خامنئي وصل إلى حدّ القطيعة التي استمرت قرابة عشر سنوات قبل انتصار الثورة.
وأردفت أنه بعد تصريحات رفسنجاني عن موقف مصباح يزدي من النضال ضد الشاه، نشر الموقع الرسمي لمصباح رواية مغايرة نقلاً عن حديثه مع السياسي المحافظ عسكر أولادي، مؤكداً أن اللقاء جرى قبل الثورة، حين زاره خامنئي ورفسنجاني لتناول الإفطار، ووفق رواية مصباح، دعا رفسنجاني آنذاك إلى توحيد الجهود مع كل الجماعات المناهضة للإمبريالية، بما فيها الماركسيون ومجاهدو خلق، لكن مصباح رفض التعاون معهم ما لم يتأكد من التزامهم بالإسلام، قائلا إنه لا يعرف نواياهم.
وأظهرت أنه ذكر أن النقاش احتدّ، فغادر رفسنجاني منزل مصباح غاضباً، فيما بقي خامنئي صامتاً طوال اللقاء.
هل كان لمصباح حضور؛ من عام 1967 حتى 1977؟
أكَّدت الوكالة أنه لم تكن اتهامات غياب مصباح يزدي عن النضال ضد الشاه ترضي أنصاره، فكانوا يردون في كل مرة على تصريحات رفسنجاني التي شككت في دوره الثوري، ففي عام 2012، قال رفسنجاني إن بعض مَن لم يؤمنوا بالنضال صاروا يقودون جماعات متشددة في الوقت الراهن، فردّ عليه مصباح، معتبراً أن مثل هؤلاء كانوا يسعون للسلطة منذ زمن الشاه، وأن بعضهم لم يكن يعترف بالإمام الخميني كقائد للثورة.
وأبرزت أن الباحث رضا صنعي نقل عن رفسنجاني قوله إن نشاط مصباح بدأ فقط في أواخر السبعينيات، متسائلاً: أين كان من 1967 إلى 1977؟ أما خامنئي، فذكر في مذكراته أن مصباح لم يُعتقل لأنه كان يتحرك بهدوء وحذر شديد خلال تلك الفترة.
مذهب مصباح في مواجهة مذهب شريعتي
ذكرت الوكالة أن أحد أبرز مظاهر الخلاف بين مصباح يزدي وبقية رجال الدين كان خروجه من مدرسة حقّاني في قم، التي أسسها بهشتي وقدوسي وحقّاني قبل الثورة لتحديث التعليم الديني عبر الجمع بين العلوم الشرعية والمعارف الحديثة، ومع ظهور فكر عالم الدين علي شريعتي، انقسمت المدرسة بين مؤيدين ومعارضين له؛ فكان مصباح من أشد منتقديه واعتبر فكره منحرفاً، ما دفع أنصار شريعتي إلى مقاطعة دروسه.
وبيّنت أن مصباح، بعد رفضه توجيهات إدارة المدرسة بالابتعاد عن الجدل الشخصي، غادرها، وتُنقل عنه مواقف متشددة، أبرزها دعوته عام 1975 إلى تصفية شريعتي جسدياً، وهو ما واجه اعتراضاً حاداً من بهشتي الذي رأى في التعصب والجمود خطراً على نهج المدرسة، وفي ما بعد، ألمح بهشتي في أحد كتبه إلى أن أحد أصدقائه المقرّبين — في إشارة إلى مصباح — أنهى علاقته به بسبب الخلاف حول شريعتي.
المناظرة مع اليساريين.. الظهور الوحيد ليزدي في العقد الأول بعد الثورة
أفادت الوكالة بأن الخلاف الفكري بين مصباح يزدي وبقية العلماء دفعه إلى مغادرة مدرسة حقّاني مع عدد من طلابه وتأسيس مؤسسة راه حقّ (طريق الحق) التي ركزت على الدفاع عن الإسلام والرد على التيارات الفكرية الأخرى، بما في ذلك مواجهة انتشار المسيحية في إيران، وبعد الثورة، لم يشغل مصباح أي منصب رسمي أو ينضم إلى حزب الجمهورية الإسلامية، ويُعتقد أن ذلك يعود إلى رغبته في عدم العمل تحت إشراف بهشتي بسبب خلافاتهما السابقة.
وأشارت إلى أن مصباح قبل الثورة كان منشغلا بخطر الأفكار الغربية، لكنه بعد الثورة وجّه نقده إلى الفكر الماركسي، وبرز ذلك في مناظراته التلفزيونية عام 1981 مع المفكر الإيراني عبدالكريم سروش ضد اليساريين فَرّخ نكهدار وإحسان طبري، والتي شكّلت أبرز ظهور إعلامي له في تلك الفترة.
وأبلغت أن مصباح يزدي رغم أنه كان من مؤسسي جماعة مدرّسي الحوزة العلمية في قم، فإن نشاطه في الثمانينيات كان محدوداً ـ فقد أشار رجل الدين محمد تقي فاضل ميبدي إلى أن مصباح لم تكن له صلة مباشرة بالإمام الخميني ولم يُبد اهتماما بالحرب مع العراق، بل ورد أنه منع طلاب مؤسسة راه حق من الذهاب إلى الجبهات، كما تساءل السياسي البارز موسوي لاري عن غياب أي دفاع من مصباح عن مبدأ ولاية الفقيه بين عامي 1979 و1989، أي طوال فترة قيادة الإمام الخميني.
مساعدة هاشمي لمؤسسات مصباح
لفتت الوكالة إلى أنه منذ عام 1989، خلال رئاسة رفسنجاني، لم يظهر أي خلاف بينه وبين مصباح يزدي، وتشير مذكرات رفسنجاني إلى أن مصباح كان يطلب منه دعماً لمؤسسة الإمام الخميني، سواء بالمساعدات المالية أو بتسهيلات لترخيص جامعي خاص، بل وسعى لإرسال طلابه للدراسة في الخارج، كما أكد رجل الدين مسيح مهاجري أن رفسنجاني قدّم دعماً واسعاً لمؤسسة مصباح في تلك الفترة، موضحاً أن الخلافات بينهما لم تظهر إلا لاحقاً، شأنه شأن محمد يزدي، حين بدأت التباينات السياسية تطفو على السطح.

مصباح ضد الإسلام الرحماني
أوردت الوكالة أنه في تسعينيات القرن العشرين، ومع تصاعد الجدل حول التجديد الديني، والإسلام الرحماني، تبنى مصباح يزدي موقفاً معارضاً حاداً تجاه هذه الاتجاهات، فأسس عام 1995 معهد الإمام الخميني التعليمي لتأهيل كوادر تواجه ما وصفه بالأفكار المنحرفة، وشارك في مناظرة تلفزيونية مع عالم الدين محمد جواد حجتي كرماني انتقد خلالها سياسات حكومة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي الثقافية.
وأضافت أنه في كتابه النظرية السياسية في الإسلام (1999)، اعتبر ما سماه البروتستانتية الإسلامية مؤامرة مدعومة من الغرب تهدف لتقويض الإسلام ونشر الشك في أحكامه القطعية.
تقابل هاشمي ومصباح منذ العقد الأول من الألفية
أوضحت الوكالة أن الخلاف بين رفسنجاني ومصباح يزدي بدأ يطفو على السطح في مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً في عام 2004، حين تصاعدت التوقعات بترشح رفسنجاني للانتخابات الرئاسية التاسعة، وفي تلك الفترة، شنّت المجلة الأسبوعية برتو سخن التابع لمعهد الإمام الخميني حملة انتقادات حادة ضده، متهماً إياه بالتقارب مع الإصلاحيين وبالتساهل أمام الهجوم على المقدسات، وصولا إلى التشكيك في موقفه من الشرعية الإلهية لولاية الفقيه.
وتابعت أن مصباح يزدي كان يؤمن بأن ولاية الفقيه تستمد مشروعيتها من التعيين الإلهي العام، وأن تصويت الشعب لا يمنح الشرعية بل يقتصر على تأمين القبول والتنفيذ، أما رفسنجاني فرفض هذه الرؤية، معتبراً أن إنكار دور الناس في منح الشرعية يتعارض مع مبادئ الثورة، وقد دوّن في مذكراته عام 1998 أن التيار اليميني يستخدم خطاب الضغط والتهديد، ويضع أصوات الشعب في مواجهة ولاية الفقيه، مشيراً إلى تصريحات مصباح يزدي التي وصف فيها تصويت الناس بأنه أمر “تزئيني”، أي شكلي فقط.
مصباح يزداد بروزا، وهاشمي يتراجع، وأحمدي نجاد يصبح رئيساً
أبرزت الوكالة أن الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد كان قد عمل محافظاً لأردبيل في عهد رفسنجاني، كما قاد حملته الانتخابية لعضوية البرلمان، لكنه في انتخابات عام 2005 واجهه مباشرة، وتلقى دعماً علنياً من مصباح يزدي، وسعى مصباح إلى إضفاء طابع ديني على ترشح أحمدي نجاد، فاعتبر أن الإمام المهدي يدعو له، وبعد فوزه وصف انتخابه بأنه كرامة إلهية، وأن نفخة إلهية حلت بالمجتمع الإيراني تمهيداً لظهور الإمام المهدي.
وأردفت أنه في تلك الفترة تراجع نفوذ رفسنجاني مقابل صعود مصباح، إذ صار أحمدي نجاد يعده مرشده الروحي، وتزايد حضور تلامذته في مؤسسات الدولة، كما ارتفع تمويل معهد مصباح في ميزانية عام 2005، وخرّج المعهد خلال عقدين نحو ستين ألف متدرب التحق كثير منهم بالدوائر الحكومية.
وأكَّدت أن مصباح قد عُرف بموقفه الرافض للحرية والديمقراطية كما يطرحها الإصلاحيون، وصرّح عام 2006 بأن الرئيس الذي لا يعيّنه الولي الفقيه طاغوت، مؤكداً بعد انتخابات 2009 أن طاعة الرئيس بعد نيله حكم الولي الفقيه كطاعة الله.
وبيَّنت أن مصباح يزدي دعم أحمدي نجاد في انتخابات عام 2005 ضد رفسنجاني، واعتبر فوزه كرامة إلهية وتمهيداً لظهور الإمام المهدي، ومع صعود أحمدي نجاد، تزايد نفوذ مصباح وتراجع نفوذ رفسنجاني، إذ صار الأول يعده مرشده الروحي، وتغلغل تلامذته في مؤسسات الدولة.
ونوّهت بأن علاقة مصباح يزدي تدهورت بأحمدي نجاد لاحقاً بسبب نفوذ السياسي البارز إسفنديار رحيم مشائي، حتى قال مصباح إن مشائي سحر أحمدي نجاد، وفي انتخابات عام 2013 دعم وزير الصحة السابق كامران باقري لنكراني واعتبره الأصلح على وجه الأرض، ولكن بعد رفض أهليته من مجلس صيانة الدستور، أيّد جليلي.
أفادت الوكالة بأن عام 2014 أثار مصباح الجدل بتصريحه أن المجتمع لا يستحق قائداً بمستوى القائد المعظم، ما عُدّ دفاعاً غير موفق عن ولاية الفقيه، وبعد انتخابات 2017 أكد أن معارضة ولي أمر المسلمين نوع من الشرك، وفي انتخابات مجلس الخبراء الخامس خسر مصباح في طهران أمام قائمة رفسنجاني المدعومة من الإصلاحيين، لكنه عاد لاحقاً ليُنتخب ممثلاً لخراسان الرضوية بعد وفاة رجل الدين هاشمي شاهرودي، غير أنه توفي قبل أداء اليمين.
تفكير مصباح يزدي في نواة مشروع التطهير
أوردت الوكالة أن جذور المواجهة بين جليلي وروحاني تعود إلى انتخابات 2013، لكنها في جوهرها تعكس صراعاً بين خطين فكريين، التقليدي والمصلحي، ويجسد جليلي اليوم هذا الصراع مستنداً إلى فكر مصباح يزدي، الذي كان يرفض أي تقارب مع الغرب أو الاعتراف بتعدد المدارس الفكرية داخل إيران، إذ كان يرى السياسة بمنطق الحق والباطل فقط.
وفي الختام ذكرت الوكالة أن هذه الرؤية المطلقة جعلت أنصاره يُعرفون بالخالصين، الذين لا يترددون في معارضة حتى الحكومات القريبة منهم إذا رصدوا ميلاً نحو التسوية أو التنازل في المفاوضات.

