- زاد إيران - المحرر
- 628 Views
كتب: الترجمان
الترجمة السياسية، كما أقول دائماً، ليست نقلاً للكلمات بقدر ما هي ترجمةٌ لعالم كامل من المفاهيم والسياقات، هي المشي على حبل مشدود بين لغتين، وتحتَك هاوية المعاني، ومن زلّت قدمه هناك، فقد يُسقط وزيراً أو يُنصِّب محافظاً من العدم!
ذات صباح في غرفة الترجمة بموقع “زاد إيران” وصلتني ترجمة عربية لخبر صادر عن صحيفة إيرانية أصولية معروفة. كان العنوان يبدو عادياً للوهلة الأولى: “محافظ إيراني ينتقد سياسات الحكومة الاقتصادية”.
لكنّ شيئاً في العبارة جعلني أرفع حاجبيّ بدهشة.
محافظ؟!
منذ متى يتحدث المحافظون الإيرانيون في قضايا السياسة العامة بهذا الشكل العلني؟ هل صار والي إحدى المدن ناطقاً باسم المعارضة؟
الفضول المهني قادني لفتح النص الفارسي الأصلي، فوجدت الجملة تقول بوضوح:
“یک سیاستمدار اصولگرا از سیاستهای اقتصادی دولت انتقاد کرد”
أي: سياسي أصولي انتقد السياسات الاقتصادية للحكومة.
هنا كان مفتاح اللغز: الكلمة الفارسية “اصولگرا” لا تعني محافظاً بالمعنى الإداري، بل تصف اتجاهاً سياسياً فكرياً هو التيار الأصولي المحافظ، وهو المعادل في السياسة الإيرانية للتيار اليميني المحافظ في الغرب، أو “المحافظين” بالمعنى الفكري لا الوظيفي.
استدعيت المترجم وسألته بلطف:
– لماذا ترجمت “اصولگرا” إلى محافظ؟
ابتسم بثقة وقال:
– لأنها الترجمة الأشهر في القواميس، و”محافظ” كلمة مألوفة للقارئ العربي.
قلت له مبتسماً:
– مألوفة نعم، لكنها مألوفة في الاتجاه الخطأ! فـ”المحافظ” عندنا منصب إداري، بينما في إيران صفة فكرية وسياسية. لقد حوّلت الرجل من مناضل أصولي إلى موظف حكومي في محافظة طهران!
ثم جلست أشرح له الخلفية التي تغيّرت معانيها بمرور الزمن.
في إيران، منذ الثورة الإسلامية وحتى اليوم، تتوزع الساحة السياسية بين تيارين رئيسيين:
الأصوليين (اصولگرایان) الذين يتمسكون بالمبادئ الثورية ويرون أنفسهم حراس النظام، والإصلاحيين (اصلاحطلبان) الذين يدعون إلى انفتاح نسبي على الغرب وتحديث البنية السياسية.
التيار الأصولي لا علاقة له بإدارة المحافظات أو بالبيروقراطية، بل هو تيار سياسي يشبه الأحزاب العقائدية في العالم العربي. أما كلمة محافظ في العربية، فهي مصطلح إداري صِرف، يرتبط بإدارة المحافظات، ويُستخدم في مصر والعراق وبلدان عربية كثيرة بمعنى “والي” أو رئيس السلطة التنفيذية في الإقليم.
وبالتالي، حين نضعها في عنوان سياسي، فإنها تُضلّل القارئ وتجعل الخبر يبدو وكأنه حديث عن مسؤول محلّي، لا سياسياً وطنياً.
وهكذا تحوّل العنوان في الترجمة إلى مشهدٍ عبثي:
القارئ العربي يقرأ أن “محافظاً إيرانياً ينتقد الحكومة”، بينما الإيرانيون أنفسهم يعرفون أن الرجل سياسي أصولي معارض لسياسات الحكومة، وربما لا علاقة له بأي منصب إداري!
هذا النوع من الأخطاء يعتبر خطأ في نقطة الاتصال بين اللغة والسياسة. فالترجمة السياسية لا تكتفي بمعرفة اللغة، بل تحتاج إلى فهم البنية الدستورية والنظام الإداري للبلد الذي نترجم عنه.
تخيل مثلاً أن يقرأ قارئ إيراني في صحيفة فارسية عنواناً يقول: “محافظ القاهرة ينتقد الحكومة المصرية”.
سيفهم مباشرة أن هناك أزمة بين الحكومة المركزية وأحد المحافظين، لا أنه تصريح من كاتب أو مفكر محافظ الاتجاه!
إذن، المسألة ليست في الكلمة بحد ذاتها، بل في المشهد الثقافي الذي تحمله، فاللغة ليست قاموساً جامداً، بل ذاكرة جماعية. والمترجم الذي يترجم دون أن يقرأ هذه الذاكرة، كمن يسير في متحف التاريخ وهو يظن نفسه في مكتبة القواعد.
ولعل ما يزيد الطرافة أن بعض المواقع العربية التي نقلت الخبر نسخته كما هو، فانتشرت العناوين على النحو نفسه:
“محافظ إيراني يهاجم سياسات الحكومة”
ولو قرأها إيراني، لابتسم متسائلاً: “أي محافظ بالضبط؟ فإيران فيها أكثر من ثلاثين محافظة!”
لهذا أقول دائماً للمترجمين الجدد: “المعنى ليس ما يقوله القاموس، بل ما يفهمه القارئ. فالقاموس يعطيك الاحتمالات، والسياق هو الذي يختار بينها”.
لا تعتبر الترجمة السياسية تسلية لغوية ولا تمريناً نحوياً، إنها مسؤولية معرفية.
إنها فنّ التوفيق بين النص والواقع، بين ما قيل وما يُفهم، بين ما تعنيه الجملة وما تُمثّله في النظام السياسي.
كلمة واحدة يمكن أن تُعيد “رئيس وزراء” إلى الوجود بعد ثلاثين عاماً من إلغاء منصبه، أو تجعل سياسياً أصولياً يبدو وكأنه مسؤول إداري!
وكما قلت لزميلي يومها وأنا أريه الخبر المصحّح: “في إيران، الأصولي لا يحكم محافظة، لكنه أحياناً يحكم البرلمان”.
وإلى اللقاء في نادرة جديدة من نوادر المترجمين.

