- زاد إيران - المحرر
- 862 Views
نشرت صحيفة “اطلاعات” الإيرانية، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، تقريرا تناولت فيه أبعاد العلاقات بين إيران والصين، مشيرة إلى أن هذه العلاقات شهدت تطورات متعدّدة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع تصاعد العقوبات الغربية على إيران.
أفادت الصحيفة بأن العلاقات بين إيران والصين شهدت في السنوات الأخيرة تطورا متعدّد الأبعاد، لا سيما مع تصاعد العقوبات الغربية المفروضة على إيران.
وبيّنت أن هذه العلاقات، التي تقوم على مصالح استراتيجية واقتصادية مشتركة، تأثرت على الدوام بالديناميات الإقليمية والدولية، ودخلت مرحلة جديدة عقب الهجوم الإسرائيلي ضد إيران في شهر يونيو/حزيران 2025.
وأوضحت أن أبرز ما يشغل إيران في علاقاتها مع الصين يتمثل في تقليص الاعتماد على عائدات النفط، وتنويع صادراتها غير النفطية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية في البنى التحتية والصناعات الحيوية، إضافة إلى الالتفاف على العقوبات الغربية الأحادية.
كما تسعى طهران إلى شريك قوي يدعمها في مجالات التكنولوجيا والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية، وأشارت إلى أن الدعم السياسي الصيني في المحافل الدولية، ولا سيما في مواجهة الضغوط الغربية، يحظى بأهمية خاصة لدى إيران، إلى جانب تطلعها لتوسيع التعاون الدفاعي والأمني مع بكين.
وأضافت الصحيفة أن الصين، من جهتها، تضع في مقدّمة أولوياتها في العلاقة مع إيران ضمان الاستقرار والأمن في منطقة غرب آسيا، بهدف تأمين تدفق مستدام للطاقة والحفاظ على مسارات التجارة الدولية.
وذكرت أن الصين، لكونها أكبر مستهلك للطاقة في العالم، ترى في استيراد النفط والغاز من إيران مصدرا مستقرا لا غنى عنه، كما أن مشروع “حزام واحد – طريق واحد”، الذي تقع إيران على مساره، يُعد ذا أهمية جيوسياسية كبيرة بالنسبة لبكين.
إقامة علاقات مستقرة
ذكرت “اطلاعات” أن الصين تسعى إلى إقامة علاقات مستقرة مع جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة لضمان مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، وتتجنب أي تصعيد عسكري قد يهدد مساراتها التجارية واستثماراتها.
كما أن الحفاظ على التوازن في العلاقات مع باقي دول المنطقة، وخاصة الدول العربية بل وحتى مع الكيان الإسرائيلي، يحظى بأهمية لدى بكين، لتمكينها من أداء دور الوسيط المحايد والمؤثر.
وتابعت الصحيفة أنه بالإشارة إلى أن العلاقات الإيرانية الصينية، رغم تباين الاهتمامات، تتمتع بإمكانات كبيرة للتطوير.
ولفتت إلى أن وثيقة التعاون الشامل الممتدة لـ25 عاما بين إيران والصين قد فتحت آفاقا جديدة في مختلف المجالات. وتشمل هذه الفرص:
التعاون الاقتصادي والتجاري
ذكرت الصحيفة أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين إيران والصين يستند إلى تكامل طبيعي، حيث تُعدّ إيران من أكبر الدول امتلاكا لاحتياطيات النفط والغاز في العالم، فيما تحتل الصين موقع أكبر مستهلك للطاقة عالميا.
وأوضحت أن هناك إمكانات كبيرة تتجاوز قطاع الطاقة، إذ يمكن لإيران تصدير منتجات غير نفطية إلى السوق الصينية، في مقابل استيراد التكنولوجيا والسلع الصناعية من الصين.
وتشمل هذه المنتجات الفولاذ والمواد الحديدية، والمنتجات المعرفية مثل النانو تكنولوجيا والتكنولوجيا الحيوية، فضلا عن الصناعات اليدوية والسجاد الإيراني الشهير، التي يمكن أن تجد لها أسواقا متخصصة في الصين.

مشاريع البنية التحتية
وذكرت الصحيفة أن استثمارات الصين في مشاريع البنية التحتية داخل إيران، مثل شبكات النقل (السكك الحديدية، الطرق، الموانئ)، والطاقة (محطات الكهرباء والمصافي)، والاتصالات (توسيع نطاق الجيل الخامس)، قادرة على إعطاء دفعة قوية للتنمية الاقتصادية في إيران.
ومن بين هذه الفرص: استكمال خطوط السكك الحديدية شرق–غرب وشمال–جنوب، وتطوير سواحل مكران وميناء جاسك، ومشاريع مكافحة التصحر، والمساهمة في تطوير الزراعة المستدامة.
مجال التكنولوجيا
وأوضحت أن التعاون في مجال التكنولوجيا والمعرفة يشمل إمكانات مهمة لنقل التكنولوجيا والعمل المشترك في مجالات ناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والسيارات ذاتية القيادة، مما من شأنه أن يعزّز القدرات العلمية والصناعية لإيران.
كما ذكرت الصحيفة أن البُعد الجيوسياسي والإقليمي للعلاقة بين البلدين يتمثل في سعي كل من إيران والصين إلى إرساء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وتقليص الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة.
وأشارت إلى أن انضمام إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس وفّر فرصا جديدة للتقارب السياسي والأمني.
ورغم توفر هذه الفرص والظروف المواتية، أكدت الصحيفة أن ذلك لا يعني بالضرورة تحقق التعاون الكامل بين إيران والصين في مختلف المجالات، إذ تعترض هذا المسار تحديات عدّة.

التجارة الخارجية الصينية
وأوضحت الصحيفة أن أبرز هذه التحديات يتمثل في العقوبات الغربية، حيث تَحول العقوبات الأميركية المتواصلة والمتصاعدة دون توسع التعاون، وتدفع الشركات الصينية الكبرى إلى التردد في التعامل مع إيران، مما يحدّ من التعاون ليقتصر غالبا على شركات صغيرة غير حكومية أو عبر آليات أكثر تعقيدا.
وأشارت إلى أن حصة إيران من إجمالي التجارة الخارجية الصينية في عام 2024 لم تتجاوز 0.02% (أي اثنين من كل ألف)، ما يعكس تراجعا بنسبة 9% عن العام السابق، رغم أن الصين سجّلت في ذلك العام حجما تجاريا بلغ 1.6 تريليون دولار مع العالم، بزيادة 7% عن العام الذي سبقه.
وأضافت أن من بين التحديات الأخرى مسألة عدم التوازن التجاري، حيث إن معظم صادرات إيران إلى الصين تتركز في المواد الخام مثل النفط الخام ومشتقاته، البوليمرات، المعادن مثل خام الحديد، فضلا عن المنتجات الزراعية والمكسرات.
في المقابل، تحتكر الصين اليد العليا في الكمية والنوعية فيما تصدّره لإيران من معدات وآلات صناعية، ووسائل نقل وقطع غيار، وأجهزة إلكترونية، ومعدات اتصالات، ومنتجات بلاستيكية، وحديد وفولاذ ومصنوعاتهما، والأجهزة المنزلية، والمنسوجات والملابس.
وبحسب بيانات الجمارك الصينية، التي لا تتضمن واردات النفط الإيراني بسبب التعقيدات المرتبطة بالعقوبات، بلغ حجم التجارة بين البلدين في عام 2024 نحو 13.4 مليار دولار، منها 8.9 مليار دولار صادرات صينية إلى إيران، و4.4 مليار دولار واردات صينية من إيران.
وبيّنت الصحيفة أن هذه الأرقام تعكس اختلالا حادا في الميزان التجاري لصالح الصين.
وعلى الرغم من أن إدراج صادرات النفط الإيراني قد يُخفف من هذا الخلل نسبيا، فإن الاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام يُعدّ بدوره مشكلة مزمنة، إذ قد تؤدي هذه الفجوة الكمية والنوعية في الميزان التجاري، على المدى الطويل، إلى تبعية اقتصادية لإيران تجاه الصين، وتراجع قدرتها التفاوضية سياسيا، بل وقد تفضي إلى نفوذ صيني استراتيجي متزايد داخل إيران.
وأشارت الصحيفة أيضا إلى أن الاعتبارات الجيوسياسية الإقليمية تفرض تحديات على العلاقة، إذ تسعى الصين إلى الحفاظ على توازن في علاقاتها مع جميع دول المنطقة، وتتفادى الانحياز العلني لأي طرف في النزاعات الإقليمية. هذا النهج قد لا يلبي تطلعات إيران في اللحظات الحرجة.
كما أضافت “اطلاعات” أن هناك موانع داخلية إيرانية أيضا، مثل البيروقراطية المعقدة، والقوانين والظروف غير الملائمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن غياب الشفافية أحيانا في تنفيذ المشاريع، وهي عوامل قد تعرقل وتيرة التعاون.
كذلك، فإن تغيّر التوجهات في السياسة الخارجية مع تغيّر الحكومات، وانعدام الاستقرار الإداري، يشكّلان عائقا جديا أمام تنفيذ الاتفاقات والاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة، ما قد يهدد مستقبل هذه العلاقة بتحديات جوهرية على المدى البعيد.
وتابعت الصحيفة أنه بالإشارة إلى أن الموقف الصيني من الهجوم الإسرائيلي على إيران في شهر يونيو/حزيران 2025 كشف وجها آخر من التحديات التي تعترض مسار التوجّه شرقا وتعامل طهران مع حلفائها الشرقيين، وضمن ذلك المنظمات الأمنية مثل منظمة شنغهاي.
وأوضحت أن موقف بكين اقتصر، كما كان متوقّعا، على الدعوة إلى “التحلي بضبط النفس” والحلّ السلمي للنزاعات، معربة فقط عن “قلق عميق” إزاء تبعات هذا الهجوم، واعتبرته انتهاكا لميثاق الأمم المتحدة، مؤكدة أن “لا طرف سيستفيد من هذا التصعيد المفاجئ”!
ذكرت صحيفة “اطلاعات” أن بعض مراكز الأبحاث الصينية وصفت هذا الموقف بما يُعرف في الأدبيات الصينية بـ”الجلوس على قمة الجبل ومراقبة صراع النمور”، وهو تعبير يُستخدم للدلالة على الحياد المتعمّد في الأزمات التي تترتّب عليها كُلفة مرتفعة ولا تنطوي على مكاسب مباشرة للصين.
وأوضحت أن هذا النهج الحذر يعبّر عن تفضيل الصين للاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية الواسعة، رغم أن خطابها الرسمي يتمحور حول مقاومة “النهج الأحادي الغربي المنفلت” و”السياسات العدوانية”.
وأضافت الصحيفة أن بكين، خلال الهجوم الذي شنّه الكيان الإسرائيلي ولاحقا الولايات المتحدة على إيران، أظهرت بوضوحٍ أنها لا ترغب في لعب دور فاعل أو القيام بتحرّكات ميدانية لإدارة الأزمات العالمية أو الإقليمية، وخصوصا عندما تكون واشنطن طرفا فيها.
وأشارت إلى أن الصين تفضّل المضيّ في تعزيز تجارتها، أو في أقصى الحالات، ممارسة ضغوط محدودة خلف الكواليس للدفاع عن مصالحها.
وتابعت الصحيفة أن إيران، في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار وانتهاء الحرب، سعت إلى الحصول على معدات عسكرية متطورة من الصين لإعادة بناء قدراتها الدفاعية، غير أن بيان البعثة الدبلوماسية الصينية في الكيان الإسرائيلي، الذي أكّد أن “الصين لا تصدّر الأسلحة إلى الدول المنخرطة في الحروب، وتفرض رقابة صارمة على تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج”، يوضح أن طهران يجب أن تركز في تعاملها مع الصين على مسار الدبلوماسية والوساطة.
ومع ذلك، رجّحت الصحيفة أن المصالح الاقتصادية قد تدفع الصين إلى إقامة علاقات أمنية – عسكرية محدودة مع إيران بشكل غير علني، وهو ما يستلزم – بحسب تعبيرها – نوعا من “الدبلوماسية العسكرية”.
ترسيخ العلاقات مع الصين
وأكدت الصحيفة أن إيران تسعى في المرحلة الراهنة أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ علاقاتها مع الصين، في حين تتبنى بكين نهجا حذرا، إذ تواصل تعاونها الودي مع طهران، لكنها تشدّد في الوقت ذاته على ضرورة الحلول السياسية وإعادة إرساء السلام والاستقرار في المنطقة، مع حرصها على الحفاظ على توازن علاقاتها مع باقي الأطراف الفاعلة.
وأوضحت الصحيفة أن العلاقات بين إيران والصين، رغم ما تنطوي عليه من فرص استثنائية في المجالات الاقتصادية والبُنى التحتية والجيوسياسية، تتحرك وسط بيئة معقدة من العقوبات والاعتبارات الأمنية الإقليمية والحسابات الدبلوماسية الخاصة بالصين.
وقد اختارت بكين، في هذا المشهد المتشابك للشرق الأوسط، اعتماد مقاربة واقعية متحفظة تضع المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي في مرتبة أعلى من الانحياز الكامل لأي طرف.
وأضافت أنه في ظل واقع دولي تتوزع فيه القوى الكبرى إما ضمن المعسكر الغربي، وإما أنها تعلن عن توجهات استقلالية وتعددية دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الغرب، خصوصا الولايات المتحدة، فإن على إيران أن تولي اهتماما أكبر لنهج تنويع الشركاء في سياستها الخارجية، وألا تكتفي بالاعتماد على قوة واحدة أو اثنتين.
وأشارت “اطلاعات” إلى أنه على وجه الخصوص في ما يتعلق بالصين، يجب أن تركز الدبلوماسية الإيرانية النشطة على تفعيل وثيقة التعاون الشامل الممتدة لـ25 عاما، واستقطاب استثمارات حقيقية، وتعزيز القدرة التصديرية للمنتجات غير النفطية.
ورأت الصحيفة أنه من أنجع السبل لتوسيع التعاون مع الصين أن تعمل إيران، أسوة ببعض الدول المؤثرة في الخليج العربي، على بناء روابط اقتصادية عميقة تجعلها جزءا من سلاسل القيمة والتوريد الصينية، بما يربط المصالح الاقتصادية لبكين بدعم أكثر شمولا لطهران.
وختمت الصحيفة بالتشديد على أن مستقبل العلاقات بين إيران والصين مرهون بفهم دقيق للمقاربات والمصالح الصينية في الساحة الدولية، والاستفادة الذكية من الفرص المتاحة ضمن مسار التحولات السريعة إقليميا وعالميا.

