خبير زلازل إيراني: نقل العاصمة خيار صعب.. لكن بقاء طهران بشكلها الحالي أخطر

أجرت وكالة «خبر أونلاين»، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، حوارا مع مهدي زارع، أستاذ هندسة الزلازل، تناولت مستقبل طهران في ظل تصاعد التحديات البيئية والمخاطر الطبيعية. في هذا الحوار، يطرح زارع تساؤلات جدية حول ما إذا كان يمكن إنقاذ العاصمة، ويتحدث عن خيارات مثل نقل مقرّ الحكم أو إعادة بناء البنية التحتية، ويرسم صورة واقعية لما قد تكون عليه طهران بحلول عام 2040. وفي ما يلي نص الحوار:

هل تؤيّدون نقل العاصمة إلى مدينة أخرى؟ ولماذا؟

ستواجه طهران حتى عام 2040 تحديات كبيرة في تحقيق الاستدامة كمدينة عصرية، ويعود ذلك أساسا إلى ارتفاع درجة هشاشتها أمام الكوارث الطبيعية، والنقص الحاد في المياه، والمشكلات المستمرة في إدارة الموارد.

إن الجهود المبذولة حاليا لمواجهة هذه التحديات لا تتناسب مع حجمها، ما يشير إلى أن تحقيق مستقبل مستدام حقيقي حتى عام 2040 يتطلّب إجراءات ضخمة ومتواصلة خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.

ما المخاطر التي تهدّد طهران أكثر من غيرها؟
طهران تقع في منطقة شديدة الزلازل وقريبة من فوالق نشطة، وهي واحدة من بين سبع مدن كبرى في العالم تواجه خطرا مرتفعا من الزلازل الشديدة. 

الكثافة السكانية العالية، والتوسّع العمراني السريع وغير المخطَّط، والأبنية القديمة والحديثة الهشّة، جميعها تزيد من حجم الخسائر الفادحة والضحايا المحتملين في حال وقوع زلزال كبير.

 ورغم الجهود المبذولة لتطبيق معايير البناء المقاوم للزلازل، فإن العدد الكبير من الأبنية الضعيفة القائمة يمثل التحدي الرئيسي في ما يتعلق بمخاطر الزلزال في طهران.

تغيّر المناخ وسوء التخطيط العمراني زادا من خطر الفيضانات الحضرية في طهران، الإفراط في استخراج المياه الجوفية، المرتبط بنقص المياه، يؤدي إلى هبوط في التربة، وهو ما يُعد تهديدا خطيرا للبنية التحتية واستدامة المدينة ومحيطها. 

أزمة المياه في طهران حادة؛ فقد وصلت المخزونات في الخزانات الرئيسية إلى مستويات حرجة. 

الكثافة السكانية التي تجاوزت القدرة الاستيعابية، والحاجة إلى تخصيص مياه لكل ساكن جديد في طهران وضواحيها، إلى جانب هدر المياه في الشبكة الحالية وأساليب الزراعة غير الفعالة، كل ذلك حوّل مسألة المياه بعد خمس سنوات من الجفاف المتواصل في إيران إلى أزمة مستعصية في طهران، جزء كبير من المياه المعالجة يُفقد بسبب تسربها من أنظمة الأنابيب القديمة.

الاستخدام المفرط للمياه الجوفية أدّى إلى انخفاض كبير في منسوب الطبقات المائية، الاستهلاك غير الكفوء للطاقة في استخدام السيارات كما  أسهم البنزين والديزل في التنقل داخل المدن وفي المباني في تفاقم تلوّث الهواء. 

أغلب المباني القائمة متهالكة وتحتاج إلى تجديد طاقي واسع النطاق، التحضّر غير المخطّط أدّى إلى تدمير المناظر الطبيعية، وبناء الأبراج والشقق السكنية ترافق مع تدمير البساتين والمساحات الخضراء، ما ساهم في تكوّن وتفاقم الجزر الحرارية داخل المدن.

السياسات المنفذة حتى الآن غالبا ما ركّزت على حلول قصيرة الأمد، كما أن الترويج للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية أدّى إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي في طهران، عدم الاستقرار الاقتصادي، وتقلب أسعار السكن، وتفاوت الدخل، والبطالة، وضغوط تكاليف المعيشة كلها عوامل أسهمت في زعزعة الاستقرار الحضري ومنعت تحقيق التنمية المستدامة.

هل يمكن شراء الوقت لتحسين وضع طهران؟
طهران بحاجة ماسّة إلى الاستدامة لمواجهة تحدياتها، من غير المرجّح أن تتحوّل إلى مدينة حديثة ومستدامة بحلول عام 2040، إلا أن الجهود المستمرة وارتفاع مستوى الوعي يشيران إلى أن المدينة تسير باتجاه تعزيز مرونتها النسبية والحدّ من بعض أبرز المخاطر.

 مدى التقدّم يرتبط بشكل كبير بالإرادة السياسية، والاستثمار المستدام في البنى التحتية الخضراء وإدارة الموارد، والتخطيط العمراني، وتغيير جذري في أنماط الاستهلاك العام والوعي البيئي، من دون إجراءات جادّة وشاملة، ستبقى مخاطر الكوارث الطبيعية ونقص المياه تهديدا حقيقيا لمستقبل المدينة.

نقل العاصمة الإيرانية من طهران إلى منطقة أخرى، أو السعي إلى إعادة تنظيم البنى التحتية لطهران لجعلها مدينة أكثر قابلية للسكن حتى عام 2040، يتطلب إجراءات معقّدة ويواجه تحديات كبيرة، إلى جانب ما قد يحمله من فوائد محتملة، وفي كل الأحوال، فإن إعادة تنظيم بنى طهران التحتية لجعلها أكثر صلاحية للعيش حتى عام 2040 أمر ضروري.

ما الحلول الممكنة لإنقاذ العاصمة؟

أحد الحلول هو نقل العاصمة الإيرانية من طهران إلى منطقة أخرى، المؤيّدون لهذا الخيار يشيرون إلى مواطن الضعف الجوهرية في طهران، مثل مخاطر الزلازل الشديدة، والنقص الحاد في المياه، وتلوّث الهواء المزمن.

 من الناحية النظرية، يمكن أن يوفّر نقل العاصمة بداية جديدة في موقع أقل عرضة للمخاطر وأكثر غنى بالموارد. 

فكّ التمركز والتنمية الإقليمية من خلال نقل العاصمة قد يُسهم في تحقيق توازن في التنمية الإقليمية ويخفّف من الضغط السكاني والاقتصادي الكبير على طهران.

إيران ترى في منطقة مكران على السواحل الجنوبية خيارا مناسبا، نظرا لقدراتها الاستراتيجية والاقتصادية، ولقربها من خليج عُمان ومسارات التجارة الدولية.

 ويمكن أن تُبنى العاصمة الجديدة منذ البداية وفق مبادئ التخطيط العمراني الحديث، لتضمّ بنى تحتية مستدامة، ومساحات خضراء، وخدمات عامة فعالة.

هل هناك اعتراضات جدّية على نقل العاصمة؟
نعم، المعارضون لفكرة نقل العاصمة يشيرون إلى تكلفتها الباهظة، ويرون أن عملية النقل شديدة الكلفة، إذ تتراوح التقديرات بين عشرات المليارات إلى أكثر من 100 مليار دولار أمريكي. 

الركود الاقتصادي الذي تعانيه إيران والعقوبات المفروضة عليها يجعل من هذا الاستثمار الضخم أمرا بالغ الصعوبة.

 من جهة أخرى، فإن بناء عاصمة جديدة من الصفر، بكل ما تحتاجه من مبانٍ حكومية وبنى تحتية ومناطق سكنية، قد يستغرق عقودا، وتُقدَّر الفترة اللازمة لذلك بين 20 إلى 25 عاما.

هذا الانتقال سيسبّب اضطرابا اقتصاديا كبيرا قد يؤدي إلى خسائر مؤقتة أو طويلة الأمد في الوظائف والصناعات.

 التغيير الاجتماعي والتحوّل الثقافي الناتج عن نقل العاصمة قد يؤدّي إلى تهجير ملايين السكان، كما أنه قد يُحدث تغييرا جذريا في الهوية الثقافية لإيران، نظرا لأن طهران هي العاصمة منذ أكثر من 200 عام، ما قد يفضي إلى تحديات اجتماعية واسعة.

اللوجستيات المتعلّقة بنقل المهام الحكومية، والموظفين، والسجلات الرسمية معقّدة جدا.

 من ناحية أخرى، قد تعاني المواقع المقترحة من نقص في المياه أيضا، صحيح أن منطقة مكران تطلّ على البحر، ما يتيح تحلية المياه، لكن إنشاء مدينة كبرى في منطقة جافة يتطلب استثمارات ضخمة في معامل التحلية وشبكات توزيع المياه، وهي بدورها لا تخلو من تحديات بيئية واقتصادية.

 في هذا السياق، فشلت الخطط السابقة، كما أن المحاولات السابقة لفكّ التمركز عن طهران أو نقل الإدارات الحكومية كانت مكلفة وغير ناجحة.

هل هناك حلول أخرى؟
الخيار الآخر هو إعادة تنظيم البنى التحتية لجعل طهران مدينة أكثر قابلية للعيش، يستند هذا الطرح إلى أن طهران تملك بنى تحتية واسعة وقاعدة سكانية كبيرة، وأن تحسين الأنظمة القائمة وإعادة تنظيمها قد يكون أكثر جدوى وأقل تكلفة وتعقيدا من البدء من جديد في مكان آخر.

الإجراءات المقترحة لتطوير العاصمة وتنظيمها تشمل: حماية مصادر المياه، تحديث الأنابيب القديمة للحدّ من التسرب، الاستثمار في تقنيات ذكية لإدارة المياه، والبحث عن مصادر مياه مستدامة (مثل معالجة مياه الصرف الصحي المتقدمة للاستخدامات غير الصالحة للشرب). 

كما تشمل هذه الإجراءات إعطاء الأولوية لتقوية الأبنية الهشّة ضد الزلازل، وتطبيق قوانين بناء أكثر صرامة، وتحسين أنظمة الاستجابة للطوارئ، وتعزيز الوعي العام حول الوقاية من الزلازل.

كذلك تشمل المقترحات استثمارا جادا في النقل العام (مثل الحافلات الكهربائية، وتوسعة شبكة المترو)، وتشجيع استخدام المركبات الكهربائية، وتنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة الصناعية، وزيادة المساحات الخضراء لتكون بمثابة “رئات” المدينة، وتحسين إدارة النفايات من خلال تطبيق برامج شاملة لإعادة التدوير، ومبادرات تحويل النفايات إلى طاقة، وتقليل الاعتماد على مدافن القمامة.

ومن بين الحلول المقترحة أيضا، تطوير برنامج “طهران الذكية” لتحسين إدارة المرور، وكفاءة الطاقة، والخدمات العامة، وزيادة مشاركة المواطنين.

مع استمرار الأزمات المتراكمة، إلى أين تتّجه طهران في السنوات المقبلة؟

بطبيعة الحال، فإن إعادة تنظيم طهران تواجه تحديات كبيرة، مشكلات طهران عميقة الجذور وضخمة، والتغلّب على عقود من النمو غير المخطّط ونقص الاستثمار أمر بالغ الصعوبة، لا تزال الإرادة السياسية والسياسات المنسّقة لتحقيق تنمية حضرية مستدامة غائبة.

العقوبات النووية والاقتصادية المختلفة، إلى جانب الركود الواسع، قيّدت الموارد المتاحة للمشروعات الطموحة في البنى التحتية، تطبيق تغييرات مثل قوانين بناء أكثر صرامة، وسياسات نقل جديدة، أو تقنين المياه، يواجه مقاومة شعبية. 

قضايا أساسية مثل النمو السكاني، وسوء استخدام الموارد، والتحديات المرتبطة بالحوكمة، تجعل حتى التحسينات الكبيرة في البنية التحتية مجرد حلول مؤقتة.

بحلول عام 2040، حتى في حال تم اختيار عاصمة جديدة لإيران والشروع في تطويرها، فإن إعادة تنظيم وتحديث البنى التحتية القائمة في طهران ستبقى هدفا ضروريا وقابلا للتحقيق. 

ورغم أن فكرة إنشاء عاصمة جديدة تُعتبر جذابة وضرورية لما تحمله من إمكانيات لبناء مدينة نظيفة وحديثة، فإن إصلاح النسيج القائم لطهران، والاستفادة من تقنيات المدن الذكية، وتنفيذ مشاريع طموحة ومركّزة في مجالات إدارة المياه، ومقاومة الزلازل، والسيطرة على التلوث، يمثّل مسارا أكثر واقعية نحو جعل المدينة أكثر قابلية للعيش، وإن لم تكن بالضرورة مدينة مستدامة بالكامل.

سواء بقيت طهران العاصمة أم لا، فإنها ستظل مدينة محورية في إيران، وستبقى خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة موطنا لشريحة كبيرة من الإيرانيين.