- زاد إيران - المحرر
- 1909 Views
تشكل المؤسسة العسكرية الإيرانية حجر الزاوية في استراتيجية النظام السياسي لإيران بعد الثورة، إذ تستند إليها طهران في فرض توازنات ردع إقليمي، وتأمين الاستمرارية الداخلية في ظل ما تعتبره تهديدات خارجية وداخلية. فمنذ تأسيس الجمهورية الإيرانية بصيغتها الإسلامية عام 1979، سعت القيادة إلى بناء منظومة عسكرية متعددة الأبعاد، تضم الجيش التقليدي والحرس الثوري، إلى جانب وحدات أخرى تعمل في المجالات غير التقليدية، مثل الحرب السيبرانية، والطائرات المسيرة، والقدرات الصاروخية الباليستية. غير أن هذه المؤسسة، والتي توصف بأنها من بين الأكثر تأثيرا في الشرق الأوسط، تواجه تحديات هائلة تتعلق بالتسليح، والعقوبات الدولية، والفساد، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية المتفاقمة.
خلال هذا التقرير، سنقدم قراءة تحليلية و استقصائية شاملة عن تركيبة المؤسسة العسكرية الإيرانية، وحدتها العادية والمتخصصة، دور الحرس الثوري وأذرعه الاقتصادية والخارجية، آليات التسلح والتصنيع المحلي، بالإضافة إلى استعراض حجم الإنفاق العسكري وتأثيراته على الاقتصاد المحلي، كما سنعرض ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه هذه المنظومة، في محاولة لفهم ما إذا كانت القوة العسكرية الإيرانية تمثل عنصر ردع فعال أم عبئا اقتصاديا واستراتيجيا في ظل العقوبات المتصاعدة.
الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية الإيرانية
يتسم الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية الإيرانية بتعقيد كبير ينبع من ازدواجية بنيته، حيث تتقاسم السلطة والمهام قوات عسكرية تقليدية إلى جانب تشكيل مستقل يتمثل في الحرس الثوري، وقد كان هذا التكوين نتيجة مباشرة لظروف نشوء الجمهورية عقب ثورة عام 1979، حين رأت القيادة الجديدة في الجيش التقليدي، الذي كان مواليا لنظام الشاه، تهديدا محتملا، فعملت على تقليص صلاحياته تدريجيا، وعززت في المقابل تشكيل قوة موازية عقائدية الولاء هي الحرس الثوري.

وتتبع القوات المسلحة شكليا للقيادة العامة للقوات المسلحة التي يرأسها المرشد الأعلى، لكنها تخضع من الناحية العملية لترتيبات صارمة تحد من تحركاتها، في حين تتكون هذه القوات من أربعة فروع رئيسية هي القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، وقد شهدت هذه الأفرع منذ عقود محاولات متقطعة للتحديث، إلا أن ترسانتها لا تزال إلى حد كبير قائمة على معدات من العهد الملكي، أو مستوردة قبل الثورة، أو نُسخ محدثة منها يتم إنتاجها محليا. ويبلغ تعداد الجيش النظامي نحو 610 ألف عنصر، نصفهم تقريبا في الخدمة الدائمة، فيما يتم دعمهم سنويا عبر نظام الخدمة الإلزامية.




أما الحرس الثوري، الذي أسس كقوة عقائدية لدواعي حماية الثورة والنظام من الأخطار الداخلية والخارجية، فقد تطور بمرور السنوات ليصبح القوة الأكثر نفوذا في إيران عسكريا وسياسيا واقتصاديا. ويضم الحرس فروعا برية وجوية وبحرية، بالإضافة إلى فیلق القدس التي تمثل ذراعه الخارجي الناشط في عدد من الدول كسوريا والعراق ولبنان واليمن، فضلا عن قوات الباسيج وهي قوة شعبية شبه عسكرية تُستخدم في الداخل الإيراني لأغراض متعددة أبرزها المشاركة في المناسبات التعبوية.



تقدر أعداد أفراد الحرس الثوري بما يتراوح بين 190 و250 ألف عنصر، في حين يتمتع الباسيج بطاقة تجنيد مرنة يمكن أن تصل إلى ملايين في حال التعبئة العامة، وتُظهر هذه التقديرات الحجم الكبير لقوة الحرس التي باتت توازي الجيش النظامي وربما تتجاوزه من حيث التأثير والتمويل والدور السياسي، إذ يمتلك الحرس شبكة اقتصادية واسعة تنتشر في قطاعات النفط والغاز والبناء والتكنولوجيا، ما يتيح له تمويل مشاريعه المستقلة دون رقابة حكومية مباشرة.
وتكتمل بنية المؤسسة العسكرية الإيرانية بوجود وحدات أمنية وعسكرية رديفة تشمل الشرطة النظامية وقوات مكافحة الشغب ووحدات الدفاع المدني، إضافة إلى تشكيلات تعمل في مجالات غير تقليدية كالحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية، وهذه الأخيرة غالبا ما تدار بتنسيق وثيق مع الحرس الثوري الذي يمتلك وحدات متقدمة في مجال الاختراق المعلوماتي والتشويش على أنظمة العدو. وتعد هذه القوى أحد مصادر قوة النظام في الداخل، حيث يتم توظيفها في فرض الأمن الداخلي ومراقبة المجتمع، خاصة في فترات التوتر السياسي والاحتجاجات الشعبية.

الصناعات الدفاعية المحلية
تُعد الصناعات الدفاعية المحلية في إيران واحدة من أكثر القطاعات الاستراتيجية التي استثمرت فيها إيران منذ العقود الأولى للثورة، ليس فقط لحاجتها إلى سد الفجوة التي خلفتها العقوبات الغربية الطويلة الأمد، بل أيضا لتثبيت استقلالها العسكري في محيط إقليمي ودولي معاد، فمنذ اندلاع الحرب الإيرانية العراقية عام 1980 وما تلاها من حظر تسليحي دولي على طهران، أدرك صناع القرار الإيرانيون أن بقاء المؤسسة العسكرية الإيرانية واستمرارها يعتمد بشكل رئيسي على قدرتها على إنتاج السلاح داخليا دون الاعتماد على الخارج، وهو ما أطلق سباقا واسعا نحو بناء بنية تحتية عسكرية صناعية متكاملة.
وقد لعبت العقوبات الدولية، خاصة الأميركية منها، دورا مزدوجا في دفع هذا التحول. فمن جهة، حرمت طهران من الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة والأسلحة المتطورة، ومن جهة أخرى، أضفت طابعا شرعيا داخليا على فكرة الاكتفاء الذاتي في الدفاع، فمع تصنيف الولايات المتحدة إيران كدولة راعية للإرهاب وفرض قيود على بيع السلاح إليها بموجب قرارات مجلس الأمن وأطر قانونية مثل قانون كاتسا، أصبح تطوير الصناعات الدفاعية خيارا استراتيجيا لا ترفا سياسيا أو اقتصاديا.
ضمن هذا السياق، ظهرت مؤسسات إنتاجية متخصصة، أبرزها منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية، التي تعتبر اليوم العمود الفقري لقطاع الصناعات العسكرية في إيران، حيث تشرف هذه المنظمة على العديد من المجمعات والمصانع، وتنتج مجموعة واسعة من المعدات التي تشمل الأسلحة الفردية، والدروع، والدبابات، والمدفعية، ومنصات إطلاق الصواريخ، والمركبات المدرعة، وأجهزة الحرب الإلكترونية، بل وحتى بعض أنواع الطائرات.

إلى جانبها، برزت منظمة الصناعات الجوية والفضائية التي أُنيط بها تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار، وكذلك الصناعات المتعلقة بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية المدنية والعسكرية.


وقد استطاعت هذه المؤسسات مجتمعة أن تخلق نسيجا صناعيا دفاعيا مترابطا، يضم آلاف المهندسين والباحثين، ويعمل ضمن شبكات مغلقة على تقنيات تم الحصول عليها بوسائل متعددة، بعضها قانوني عبر استيراد مكونات مدنية مزدوجة الاستخدام، وبعضها غير قانوني عبر شبكات تهريب وتفكيك معدات غربية أو آسيوية الصنع.
ومن بين أبرز إنجازات هذه الصناعات تصنيع الدبابة كرار، كما أنتجت إيران عربات مدرعة خفيفة ومتوسطة، بعضها مزود بأنظمة إطلاق صواريخ أو مدافع صغيرة، وتستخدم هذه العربات في مكافحة الشغب والعمليات البرية غير النظامية.

وفي مجال الدفاع الجوي، طورت إيران منظومات مثل خرداد 3وطبس وباور 373، وهي أنظمة تقول طهران إنها قادرة على تتبع ورصد واعتراض أهداف جوية معادية، بما فيها الطائرات الشبحية، على مدى يتراوح بين 50 إلى 200 كيلومتر، وهي بذلك تحاول ملء الفراغ الذي خلفه غياب منظومات مثلS-300 الروسية التي حصلت عليها طهران بعد تأخر طويل.



أما في المجال الجوي، فقد أعلنت إيران في السنوات الأخيرة عن تصنيع مقاتلات مثل كوثر ویاسین المقاتلة كوثر وصفت بأنها طائرة تدريب وقتال خفيف، وتمتاز برادار رقمي محلي الصنع، وشاشة قيادة رقمية، وبعض تقنيات إلكترونيات الطيران المصنّعة داخليا. غير أن محللين غربيين رأوا أنها في الأساس نسخة مطورة من المقاتلة الأميركية القديمة F-5، مع تعديلات طفيفة لا تؤهلها لتكون طائرة قتال متطورة. أما یاسین فقد كُشف عنها في عام 2023 كطائرة تدريب متقدمة، ويُقال إنها تجمع بين قدرات التدريب القتالي وإمكانية تطوير نسخ منها لأغراض هجومية، مما يعكس توجهًا في الصناعات الإيرانية لإنتاج معدات مرنة الاستخدام، نظرًا لمحدودية الموارد.


وفيما يخص قطاع الطائرات بدون طيار، فقد حققت إيران تقدما نوعيا وكمّيا ملحوظا، حيث تنتج طهران عدة أنواع من المسيرات، مثل شاهد 129 ذات المدى المتوسط، ومهاجر 6 المستخدمة في الاستطلاع والهجوم الخفيف، وشاهد 136 الانتحارية التي شهد استخدامها في عدة جبهات إقليمية، وتمتاز هذه الطائرات بمواصفات متعددة تشمل القدرة على حمل رؤوس حربية، والقيام بمهام استطلاعية، والطيران على ارتفاعات متوسطة إلى عالية لمدد طويلة. وقد أسهمت هذه القدرة في تعزيز النفوذ الإيراني في ميادين القتال غير المباشر، من اليمن إلى أوكرانيا، إذ تم اتهام طهران بتزويد موسكو بمسيرات هجومية خلال حربها ضد كييف، وهو ما فتح بابا جديدا من المواجهة السياسية مع الغرب.



كما أولت الصناعات الدفاعية الإيرانية اهتماما بقطاع الغواصات الصغيرة والمتوسطة، فأعلنت طهران تصنيع غواصات خفيفة مثل غديرو فاتح وهي مصممة للعمل في المياه الضحلة للخليج، وتتمتع بقدرات على إطلاق الطوربيدات، وزرع الألغام، والتخفي. ورغم أن هذه الغواصات لا تضاهي من حيث الحجم والتقنية نظيراتها الغربية أو الروسية، فإنها تُعد مناسبة جدًا لطبيعة البيئة البحرية في مضيق هرمز، ما يمنح إيران قدرة على خلق تحديات بحرية غير متكافئة أمام الأساطيل الغربية.


من جانب آخر، عملت إيران على تطوير أنظمة الحرب الإلكترونية، وأجهزة التشويش، والرادارات بعيدة المدى، بهدف تأمين منظومتها الدفاعية وتوفير مظلة رصد مبكر لأي هجمات جوية أو صاروخية. وقد استثمرت الحكومة الإيرانية في السنوات الأخيرة في البحوث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا التحكم عن بعد، وبدأت مؤسسات بحثية تابعة لوزارة الدفاع بالتعاون مع الجامعات المحلية لإنتاج معالجات رقمية، وأنظمة توجيه ذكية للمقذوفات، وحتى برمجيات ملاحة تعتمد على الأقمار الاصطناعية.


ومع ذلك، لا تخلو هذه الإنجازات من تحديات، فالعقوبات لا تزال تؤثر بشدة على قدرة إيران في الحصول على المكونات الدقيقة ذات الاستخدام العسكري، مثل الدوائر المتكاملة، والمعالجات المتطورة، والمواد المركبة، ما يحد من فاعلية بعض الأسلحة المصنعة محليا، كما أن عدم وجود سوق تصدير رسمية لمعظم هذه المنتجات، بسبب القيود الدولية، يضعف جدواها الاقتصادية. يضاف إلى ذلك الانتقادات الداخلية التي تُوجه إلى تكاليف هذه الصناعات، في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعاني منها المواطن العادي.
التسلح ومسارات شراء الأسلحة في ظل العقوبات
رغم العقوبات الصارمة التي فرضت على إيران منذ الثورة، والتي اشتدت حدتها خلال العقود التالية خاصة بعد البرنامج النووي المثير للجدل، ورغم القيود التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة تحديدا على تصدير الأسلحة أو بيع التكنولوجيا العسكرية لطهران، لم تتوقف طهران عن تطوير ترسانتها العسكرية. بل إن هذه القيود نفسها دفعت إيران إلى ابتكار أساليب معقدة ومتشابكة للحصول على المعدات الحربية والتكنولوجيات الدقيقة، سواء عن طريق السوق السوداء أو من خلال إنشاء شبكات تهريب وتحايل اقتصادية وتجارية منتشرة في مختلف أنحاء العالم.
أظهرت تقارير أن إيران طورت، على مدار العقود الأربعة الماضية، منظومة غير رسمية لشراء الأسلحة تقوم على ثلاث ركائز أساسية وهي التعاون مع دول حليفة أو رمادية الموقف تجاه العقوبات، وإنشاء شركات وهمية وواجهات تجارية في الخارج، والاستفادة من مافيات السوق السوداء التي تتاجر في المعدات ذات الاستخدام المزدوج. وقد لعبت دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية دورا مهما في هذا السياق، إذ وفر بعضها معدات عسكرية كاملة، فيما اكتفى الآخر بتقديم مكونات أو منصات يمكن تطويرها داخل إيران.
على سبيل المثال، تشير وثائق عديدة إلى أن الصين ساعدت في تصدير مكونات إلكترونية وأنظمة ملاحة دقيقة يمكن استخدامها في الصواريخ والطائرات المسيرة، كما قامت كوريا الشمالية بنقل تكنولوجيا تصنيع الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى في مرحلة مبكرة، وساعدت مهندسين إيرانيين على تطوير منظومات مثل شهاب وقيام.


إضافة إلى التعاون مع الدول، أنشأت إيران شبكات من الشركات الوهمية في بلدان آسيوية مثل هونغ كونغ، وماليزيا، وسنغافورة، فضلا عن تركيا والإمارات وأحيانا دول أوروبية شرقية، واستخدمت هذه الشركات كواجهات لاستيراد قطع غيار، وبرمجيات، ومعدات صناعية يمكن استخدامها في تصنيع السلاح أو تطويره.

ومن بين الأسماء التي ذُكرت في تقارير أميركية، شركة Rah Roshd Afzar التي استخدمت لشراء أنظمة تحكم إلكتروني، وشركة Unico Network التي عملت على توريد دوائر كهربائية حساسة تُستخدم في أجهزة التوجيه الدقيقة للطائرات بدون طيار. بعض هذه الشركات كانت تسجل ككيانات مدنية تعمل في مجال الاتصالات أو الأبحاث العلمية، لكنها في الحقيقة كانت تغذّي الصناعات العسكرية الإيرانية بمكونات حيوية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى فرض عقوبات عليها لاحقا من قبل وزارة الخزانة الأميركية.


وإلى جانب هذه الشركات، تلعب أجهزة الاستخبارات الإيرانية، خاصة وحدة العمليات الخارجية في وزارة الاستخبارات وفيلق القدس التابعة للحرس الثوري، دورا حاسما في إدارة شبكة التهريب العسكري. وتستعين طهران بمواطنين مزدوجي الجنسية أو مقيمين في أوروبا وآسيا لإبرام صفقات شراء تكنولوجيا أو عقد اتفاقات مع وسطاء. وفي أكثر من حالة، تم الكشف عن شبكات لشراء معدات حساسة في ألمانيا، وهولندا، وسلوفاكيا، وبلجيكا، كانت مرتبطة بإيران بطريقة أو بأخرى. وغالبا ما تُستخدم شركات واجهة أو وسطاء أجانب لإخفاء الهوية الإيرانية، حيث يتم شحن البضائع إلى دولة ثالثة ثم تعاد تصديرها إلى إيران ضمن حاويات تحمل وثائق مزورة.
أما فيما يتعلق بالتعاون المباشر مع دول خارج محور العقوبات، فقد برزت روسيا كشريك مهم، خصوصا بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015 الذي خفف بعض القيود الدولية على إيران لفترة قصيرة. واستغلت طهران هذه الفرصة لشراء منظومات دفاع جوي متقدمة مثل S-300، وهي الصفقة التي تأخرت طويلا بسبب الخلافات السياسية بين البلدين، لكنها أُنجزت في نهاية المطاف، كما تفاوضت إيران مع موسكو لشراء طائرات Su-35، إلا أن هذه الصفقة لم تكتمل حتى الآن لأسباب تتعلق بالحرب الروسية في أوكرانيا، والضغوط الغربية.

ولا يمكن تجاهل دور كوريا الشمالية في بناء البنية الصاروخية الإيرانية، فمنذ التسعينيات، نشأت علاقة تعاون عسكري بين بيونغ يانغ وطهران، تضمنت تبادلا في الخبرات التكنولوجية والمعدات، ويُعتقد أن العديد من طرازات الصواريخ الإيرانية، خاصة شهاب1 وشهاب2، مأخوذة من نماذج كورية مطورة من الصواريخ السوفييتية القديمة. ومع مرور الوقت، تمكن المهندسون الإيرانيون من تطوير هذه النماذج وإنتاج طرازات جديدة أكثر دقة ومدى، لكن الدعم الأولي الكوري الشمالي كان أساسيا في نقل المعرفة التكنولوجية في مجال الدفع الصاروخي.

ومع دخول إيران في مواجهة تكنولوجية أوسع مع الولايات المتحدة خلال العقدين الأخيرين، بدأت في تعزيز قدراتها في التكنولوجيات ذات الاستخدام المزدوج، خاصة البرمجيات، وأجهزة الملاحة، والحساسات، التي يمكن أن تُستخدم في الطائرات المسيرة أو الصواريخ الموجهة أو الأنظمة الدفاعية، وتُظهر الدراسات أن طهران استوردت عبر قنوات ملتوية مكونات إلكترونية دقيقة من شركات أوروبية وأمريكية الصنع، بعضها يدخل في تصنيع الطائرات التجارية، لكنها تُستخدم فعليا في الطائرات بدون طيار العسكرية، كما هو الحال في نموذج شاهد-136. وقد أعلنت الاستخبارات الأميركية أكثر من مرة ضبط شحنات كانت في طريقها إلى إيران، تشمل رقائق إلكترونية معقدة، ومعالجات إشارة رقمية، وأجهزة اتصالات مشفرة.


ومن المثير أن إيران باتت في السنوات الأخيرة، خاصة بعد تصاعد الحرب في أوكرانيا، مصدّرا لبعض أنواع الأسلحة، وعلى رأسها الطائرات الانتحارية المسيرة، والتي يُعتقد أنها استُخدمت من قبل روسيا ضد أهداف في كييف ومدن أخرى. وقد كشفت هذه التطورات عن مستوى متقدم نسبيا في قدرة طهران على الإنتاج والتصدير، رغم القيود والعقوبات، بل وأعادت إيران إلى دائرة الجدل العالمي حول تجارة السلاح المحظورة. كما استغلت طهران تجربتها في التهريب لتصدير السلاح إلى حلفائها في المنطقة، من الحوثيين في اليمن إلى حزب الله في لبنان، مرورا بالفصائل المسلحة في العراق وسوريا، وغالبا ما يتم نقل هذه الأسلحة عبر طرق برية وجوية معقدة تخضع لإشراف الحرس الثوري.

لكن، ورغم هذه القدرة على المناورة، فإن تكلفة هذا النمط من التسلح باهظة، سواء اقتصاديا أو سياسيا، فإيران تنفق سنويا نحو 7.9 مليار دولار على منظومة عسكرية تشمل الشراء والتطوير والمكونات الدقيقة وذلك رغم القيود المالية والعقوبات الدولية يعني أنها تضطر لشراء القطعة الواحدة بسعر مضاعف مع هامش مخاطرة أعلى، دون ضمانات للجودة أو للصيانة.

بالإضافة إلى العبء الاقتصادي، يظل الوضع السياسي هشا، إذ إن استمرار هذه السياسات يبقي طهران عرضة لعقوبات دولية جديدة وتصعيد سياسي ودبلوماسي في المحافل العالمية، صحيح أن إيران نجحت في بناء منظومة شبه مكتفية ذاتيا في قطاعات مثل المسيرات والصواريخ، لكن حاجتها للمكونات الدقيقة عالية التقنية والتي يصعب إنتاجها داخليًا تحت وطأة العقوبات تظل قائمة، ما يضاعف التكلفة ويزيد المخاطر على المدى الطويل.
ردود الفعل الدولية والإقليمية
أثار تعاظم القوة العسكرية الإيرانية موجة واسعة من القلق لدى العديد من القوى الإقليمية والدولية، وبات ينظر إلى طهران على أنها فاعل عسكري متنام يسعى لتغيير موازين القوة في الشرق الأوسط، بما يتجاوز حدود الدفاع التقليدي إلى تبني نهج هجومي غير متكافئ يعتمد على الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، بالإضافة إلى شبكة من الوكلاء المسلحين في عدة دول عربية.
وفي هذا السياق، تمثل برامج التسلح الإيرانية، خاصة في مجالي الصواريخ والطائرات بدون طيار، التحدي الأكبر بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربي، إذ يرون فيها أدوات تمكين إيرانية للنفوذ الإقليمي وتهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة.
فمن وجهة النظر الأميركية، فإن امتلاك إيران ترسانة صاروخية قادرة على ضرب القواعد الأميركية في الخليج ومراكز حيوية في إسرائيل، إلى جانب قدرتها على تزويد الجماعات الحليفة لها بتقنيات متقدمة، يخل بتوازن الردع التقليدي في المنطقة، وقد عبر مسؤولون أميركيون مرارا عن خشيتهم من أن تستخدم إيران هذه القدرات لشن عمليات انتقامية أو لفرض شروط سياسية على دول الجوار، الأمر الذي دفع بواشنطن إلى تكثيف جهودها لفرض عقوبات إضافية على الشركات الأجنبية، خصوصا الصينية والروسية كما ذكرنا، المتهمة بتزويد إيران بتقنيات أو مكونات تُستخدم في تصنيع الصواريخ أو المسيرات.

أما إسرائيل، التي تعتبر نفسها في طليعة التهديد الإيراني، فقد اتبعت سياسة هجومية استباقية تستهدف ضرب البنية التحتية العسكرية الإيرانية خارج الأراضي الإيرانية، خاصة في سوريا والعراق، ومؤخرا في قلب العاصمة الإيرانية نفسها، حيث تقول تل أبيب إن إيران أقامت مصانع لتجميع أو تطوير الطائرات بدون طيار والصواريخ الدقيقة، وتستخدمها كقواعد أمامية لنقل التكنولوجيا إلى حزب الله والفصائل الموالية لها في المنطقة. وقد شنت إسرائيل خلال الأعوام الأخيرة عشرات الغارات الجوية على منشآت تقول إنها مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية، كما كثفت أنشطتها الاستخباراتية لتعقب شحنات الأسلحة التي تُرسل إلى لبنان عبر سوريا أو العراق.

في أوروبا، ورغم أن بعض العواصم تتبنى نهجا أقل تشددا تجاه إيران مقارنة بواشنطن وتل أبيب، إلا أن هناك إدراكا متزايدا بأن الأنشطة العسكرية الإيرانية تُمثل تهديدا للأمن الإقليمي، وتُعيق جهود الاستقرار. ولهذا تعمل دول الاتحاد الأوروبي، لا سيما فرنسا وألمانيا وبريطانيا، على تطوير نظام رقابة صارم على صادرات المواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن أن تستفيد منها الصناعات العسكرية الإيرانية. كما شاركت هذه الدول في نقاشات دبلوماسية حول إمكانية إعادة فرض بعض العقوبات الأممية، أو على الأقل توسيع قائمة الكيانات الإيرانية المدرجة ضمن العقوبات الأوروبية.

على الصعيد الإقليمي، تعيش دول الخليج العربي، خاصة السعودية والإمارات والبحرين، في حالة تأهب دائم بسبب التنامي المستمر للقدرات العسكرية الإيرانية. وتخشى هذه الدول من أن تستخدم إيران أدواتها العسكرية، بشكل مباشر أو عبر أذرعها المحلية، لتقويض استقرارها الداخلي أو للتأثير على سياساتها الخارجية. وقد دفعت هذه التهديدات دول الخليج إلى تسريع برامج التسلح والتحديث العسكري، بما يشمل شراء منظومات دفاع جوي متقدمة مثل ثاد وباتريوت، وتعزيز الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة وبريطانيا. كما كثفت السعودية والإمارات استثماراتها في الصناعات الدفاعية المحلية، ضمن استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى بناء ردع ذاتي يقلل من الاعتماد الكلي على الحلفاء الغربيين.


وبشكل عام فإن ردود الفعل الدولية والإقليمية على تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية تكشف عن قلق بنيوي من تحول طهران إلى قوة هجينة تجمع بين الوسائل التقليدية وغير التقليدية، وتُحسن استخدام أدواتها في حرب الظل الممتدة عبر الإقليم. وفي ظل غياب آفاق حقيقية لتسوية سياسية شاملة بين إيران وجوارها العربي أو القوى الغربية، يبدو أن سباق التسلح، وردود الفعل الوقائية، ستظل العنوان الأبرز للمشهد الأمني في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
المؤسسة العسكرية بين الردع والعبء
في ضوء ما استعرضه هذا التقرير من معطيات وتفاصيل موسعة حول الهيكل العسكري الإيراني، يتضح أن المؤسسة العسكرية في إيران لم تعد مجرد أداة تقليدية للدفاع عن حدود الدولة، بل تحولت إلى منظومة متشابكة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية، وتُسهم بفعالية في صياغة توجهات السياسة الإقليمية لطهران. فالتعدد في الأجهزة، واستقلالية الحرس الثوري، والنمو المتسارع للصناعات الدفاعية المحلية، مقابل التحديات البنيوية والاقتصادية والعقوبات، يعكس نموذجًا فريدًا في بيئة معقدة ومليئة بالتناقضات.
وإذ تواصل إيران المراهنة على قدراتها المحلية وتكتيكات الحرب غير المتكافئة لتعويض تفوق خصومها التكنولوجي، فإن السؤال المطروح يظل قائما، هل تمكنها هذه المنظومة من فرض توازن ردع فعال ومستدام، أم أنها ستثقل كاهل الاقتصاد وتعمق عزلتها الدولية في نهاية المطاف؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقتصر على الحسابات العسكرية فقط، بل تمتد لتشمل الديناميات الداخلية ومستقبل النظام الإيراني ذاته في التعامل مع ضغوط الخارج وتحديات الداخل معا.

