ودّع الإيرانيون أبطالهم في طهران.. مراسم مهيبة لتشييع شهداء الاقتدار 

شهداء الاقتدار

كتب: أمير عباس هدايت

في الساعات الأولى من صباح الجمعة، 13 يونيو/حزيران 2025، أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان رسمي، انطلاق عملية “الأسد الصاعد” ضد إيران.

ووفقا لتصريحات أحد المسؤولين الإسرائيليين، شنّ جيش الاحتلال مئات الغارات على أهداف متفرقة في أنحاء إيران، عبر خمس موجات متتالية، زاعما استهداف منشآت نووية وعسكرية. إلا أن الشواهد أكدت سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين بين شهيد وجريح، وهو ما أقرّت به وسائل الإعلام لاحقا.

ومع بدء الرد الإيراني في إطار عملية “الوعد الصادق 3″، اندلعت حرب شاملة استمرت اثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل.

كما استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية يوم الأحد 22 يونيو/حزيران 2025 مراكز فردو ونطنز وأصفهان، وهي ثلاث منشآت نووية إيرانية. وفي اليوم التالي، وصف دونالد ترامب الاشتباكات بين إيران وإسرائيل بأنها “حرب الأيام الـ12″، ودعا إلى وقف لإطلاق النار.

ومنذ صباح الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025، لم تُسجّل أي هجمات متبادلة بين الطرفين، وأعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن بلاده ستوقف عملياتها العسكرية بشرط أن تتوقف إسرائيل عن هجماتها.

ويوم السبت 28 يونيو/حزيران، وبعد مرور أربعة أيام على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، شُيِّعت في طهران جثامين نحو 60 من الشهداء، من بينهم قادة عسكريون، وعلماء في المجال النووي، ومدنيون، قضوا في الحرب التي استمرت 12 يوما بين إيران وإسرائيل.

وكانت مراسم التشييع قد بدأت منذ الخميس 26 يونيو/حزيران 2025، واستمرت حتى بعد يومين من سريان الهدنة في عدد من المدن، بينها طهران ويزد وهمدان وأصفهان. ويؤكد سائقون توجهوا يوم الخميس إلى مقبرة “بهشت زهراء” أنهم لم يروا شوارع العاصمة مكتظة بهذا الشكل في مثل هذا التوقيت من قبل.

وكان قد أُعلن مسبقا أن يوم السبت سيكون عطلة رسمية في طهران بسبب مراسم تشييع الشهداء. وقد توافد المواطنون منذ ساعات الصباح الباكر إلى المسارات المخصصة لمرور جثامين الشهداء، وشهد ميدان الثورة الإسلامية، الواقع في قلب العاصمة، حشودا غفيرة من الجماهير التي حضرت لتوديع الأبطال الوطنيين ومدافعي الوطن.

وتحت عنوان «الوداع مع الشهداء… فصل جديد من الردع والمقاومة»، تناولت قناة “الميادين” مراسم التشييع، مشيرة إلى أن عشرات الآلاف من الإيرانيين شاركوا في توديع الشهداء الذين استُهدفوا من قبل الإسرائيلي.

تقول “نكار يزدي”، طالبة جامعية تبلغ من العمر 22 عاما، حضرت مع عدد من صديقاتها: “أنا وصديقاتي جئنا منذ الصباح الباكر قبل بدء المراسم، لأنني شعرت أنه من واجبي أن أُكرم الشهداء. إنهم أولئك الذين قدّموا أرواحهم فداء للوطن. والمشاركة في هذه المراسم تُظهر أننا نحن الإيرانيين نقف دائما معا، حتى في أصعب الأيام”.

بدأت مراسم وداع جثامين شهداء الاقتدار في طهران رسميًا بتلاوة الآية 38 من سورة الحج، وتواصلت بمسيرة شعبية ضخمة انطلقت من ميدان الثورة حتى ميدان الحرية في غرب العاصمة، رُفعت خلالها شعارات تندّد بالعدوان على إيران، وأُحرقت أعلام إسرائيل والولايات المتحدة.

وكان الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، حاضرا في اللحظات الأولى لانطلاق مراسم التشييع، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين، من بينهم علي شمخاني، مستشار قائد الثورة الذي أُصيب خلال الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على طهران، وعباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، وإسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري، وأحمد وحيدي، مستشار القائد العام للحرس الثوري.

لم تقتصر المراسم على حضور الجماهير من مختلف طبقات المجتمع، بل شهدت مشاركة شخصيات بارزة من القيادات المدنية والعسكرية، ومسؤولين، وعلماء، وعائلات الشهداء من سنوات سابقة، جميعهم حضروا ليساهموا في هذا الوداع التاريخي. وقد مثّلت مشاركة رجال الدين، والطلاب، والعمال، والموظفين، والأُسر لوحة وطنية تعبّر عن وحدة غير مسبوقة، نابعة من حب الوطن ورفض الظلم.

قال أحمد وحيدي: “الشعب الإيراني العظيم، على مدار 46 عاما منذ انتصار الثورة الإسلامية، قدّم مشاهد مهيبة من الصمود والمقاومة في وجه الاستكبار والعدوان والهيمنة، وأثبت في كل مرحلة أنه المنتصر في ساحة المواجهة”.

أما أمير مرزبان، عامل بناء يبلغ من العمر 28 عاما، فقال: “أنا عامل بناء، تركت عملي هذا الصباح لأحضر هذه المراسم. هؤلاء الشهداء ضحّوا بأرواحهم من أجل أمثالي. وعندما رأيت أعلام إيران مرفوعة بأيدي الناس، شعرت أن هذا الاتحاد هو الذي يُرعب العدو”.

كان من بين القادة العسكريين الذين استشهدوا جراء هجوم الجيش الإسرائيلي: حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري، وأمير علي حاجي زادة، قائد القوة الجوفضائية بالحرس، وغلام علي رشيد، قائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، ومحمد كاظمي، رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، ومحمد باقري، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، الذي يُعد ثاني أعلى مسؤول عسكري في البلاد بعد قائد الثورة. وقد دُفن باقري إلى جانب زوجته وابنته اللتين استشهدتا معه.

كما شُيِّع عدد من العلماء النوويين الذين استهدفتهم إسرائيل، من بينهم: محمد مهدي طهرانجي، فريدون عباسي، أمير حسين فقيهي، عبد الحميد منوجهر، ومحمد رضا ذو الفقاري.

ومن بين الستين شهيدا الذين ودّعهم الإيرانيون، كان هناك أربعة أطفال أيضا. وأعلنت وزارة الصحة الإيرانية أن الهجمات الإسرائيلية على إيران أسفرت عن استشهاد ما لا يقل عن 627 مدنيا، وبلغ عدد الجرحى الإجمالي 4,870 مصابا.

كانت توابيت الأطفال الشهداء تتقدّم موكب الشهداء، في مشهد مؤلم يعكس حجم الفاجعة. وقد أظهرت جثامين النساء والأطفال الذين استشهدوا نتيجة الهجوم الإسرائيلي أن إسرائيل لم تُهزم في ساحة المعركة فقط، بل انهزمت أيضا في ميدان الإنسانية.

وقد شارك كثيرون في مراسم التشييع مع أسرهم، فكان آباء وأمهات وزوجات وأبناء الشهداء في الصفوف الأولى، ما أضفى على المراسم طابعا أكثر عمقا ووجدانا.

تقول فاطمة صدر، وهي أم تبلغ من العمر 45 عاما، جاءت مع أسرتها: «اليوم جئت مع أطفالي، لأُعلّمهم معنى الوطن. عندما رأيت توابيت الأطفال الشهداء، تذكّرت أطفالي. لقد سُفك دم هؤلاء من أجل أن نعيش نحن في أمان”.

كما تم دفن “ليلى جعفر زادة” في هذا اليوم؛ وهي أم لطفل يبلغ من العمر عاما واحدا، قُتلت خلال الهجوم على سجن إيفين، وعُثر على جثمانها بعد عدة أيام.

“زهراء  شريفي”، معلّمة تبلغ من العمر 24 عاما، حرصت على حضور مراسم التشييع، وقالت: “منذ أن علمت باختفاء صديقتي ليلى، كانت حالتي النفسية سيئة جدا. كنت أُصلّي طوال الوقت وأتمنى أن تكون مصابة فقط. لكن بعد العثور على جثمانها، لم أعد قادرة على فعل أي شيء. كانت تستحق أن تعيش حياة سعيدة، لكن كل شيء في حياتها ومستقبلها انهار”.

في 23 يونيو/حزيران 2025، وبعد الهجوم الإسرائيلي على سجن إيفين، تعرّض جزء كبير من السجن لأضرار جسيمة أو دُمر بالكامل، إلا أن عدد الضحايا الدقيق لم يُعلَن بعد.

الهجوم على إيفين أسفر أيضا عن سقوط ضحايا من عائلات السجناء والعاملين في السجن. من بينهم فتاة تُدعى “هستي”، استُشهدت أثناء مراجعتها لنيابة إيفين من أجل متابعة قضية الإفراج عن صديقتها، وعُثر على جثمانها بعد يومين من البحث تحت الأنقاض.

ومن بين شهداء الهجوم على سجن إيفين أيضا، “زهراء عبادي” وابنها، حيث كانت زهراء أخصائية اجتماعية تعمل في السجن، وقد استُشهدت مع ابنها “مهراد” البالغ من العمر خمس سنوات. وبعد ثلاثة أيام من الانفجار، أُخرجت جثتها من تحت الركام، فيما عُثر على جثمان طفلها بعد 12 ساعة من العثور عليها، وشُيّعا معا في مقبرة بهشت زهراء بطهران.

بين الحشود المنتظرة لوصول جثمان شهيدهم، كان أفراد عائلة وأصدقاء جندي آخر حاضرين أيضًا؛ إنه أمير حسين مهدي‌ بور، الذي استُشهد في الهجوم على أحد المباني الواقعة على طريق كردستان السريع.

والدته كانت تحمل صورة لأمير حسين وتُريها للجميع وهي تقول:
“أمير حسين كان يبلغ من العمر 18 عاما، وكان جنديا في قوات الشرطة. أُخرج جثمانه من تحت الأنقاض بعد ثماني ساعات من الهجوم. كان لا يزال على قيد الحياة، جريحا وفي حال حرجة، لكنه لم يصل إلى المستشفى”.

وصل أصدقاء أمير حسين تباعا إلى مكان المراسم. في اليوم نفسه، تم دفن عدد آخر من عناصر قوى الأمن الذين استُشهدوا جميعًا في الوقت والمكان ذاته، وها هم يُوارَون التراب معا، بعد أن جمعتهم الخدمة، ثم الشهادة، والآن الأرض.

يقول حسن مقدم، رجل متقاعد يبلغ من العمر 60 عاما، حضر مراسم التشييع:
“منذ أيام الثورة والحرب العراقية الإيرانية رأيت الكثير من مراسم التشييع، لكن هذا المشهد مختلف. هذا العدد الهائل من الناس، من كل طبقات المجتمع، جاءوا لتوديع الشهداء. هذا يعني أن العدو، مهما كثّف هجماته، لا يمكنه كسر روحنا”.

عائلة كيومرث كوثري مقدم كانت أيضا ضمن الحضور، لتودّعه الوداع الأخير. قال والده وهو يكاد لا يستطيع مواصلة الكلام من شدة البكاء:
“كيومرث، البالغ من العمر 39 عاما، كان من عناصر الحرس الثوري، وكان من المقرر أن يتزوج قريبا”.
استُشهد كيومرث خلال الهجوم على أحد المعسكرات في طهران.

مراسم تشييع شهداء حرب الأيام الـ12 في طهران لم تكن مجرد وداع لأبطال الوطن، بل كانت عرضا لوحدة وإرادة الشعب الإيراني في وجه العدوان والظلم. من ميدان الثورة إلى ميدان الحرية، كانت خطوات الناس الثابتة رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل؛ هذه الأمة، التي ترتكز على الإيمان والمقاومة والتلاحم، لن تستسلم أبدا.

لقد صار الشهداء، من القادة العسكريين والعلماء النوويين إلى المدنيين، رموزا للتضحية والصمود التي ستظل خالدة في تاريخ هذا الوطن. واليوم، لم تكتفِ إيران بالبكاء على شهدائها، بل جددت بحضورها العهد مع قيم الثورة والمقاومة.

وعند غروب يوم 28 يونيو/حزيران 2025، عندما استُودعت توابيت الشهداء التراب، ظلت أعلام إيران ترفرف في أيدي الناس. لقد شكلت هذه المراسم فصلا جديدا من الردع والكرامة في تاريخ إيران، فصلا أظهر أن الشعب الإيراني، مهما عصفت به العواصف، سيقف شامخا كالجبل.