بروتوكول هرمز 2026.. خطة طهران لإعادة رسم خارطة الملاحة تحت ضغط “المسيرات”

بينما تنهمر الصواريخ وتدق طبول الحرب بين واشنطن وطهران، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي دولي يعبره خُمس نفط العالم، بل تحول في لحظة فارقة من ربيع عام 2026 إلى “مختبر” لنظام عالمي جديد. 

خلف الدخان المتصاعد من استهداف القواعد الأمريكية وردا على الهجمات الإسرائيلية، برزت إلى العلن الخطة الإيرانية الجديدة” للمضيق، والتي تتجاوز مجرد الإغلاق العسكري إلى “السيادة القانونية والجمركية”، فارضة واقعا دفع ببعض السفن لسداد مبالغ وصلت إلى 2 مليون دولار مقابل “صك العبور”.

لغز الـ 2 مليون دولار: “ضريبة سيادة” أم فاتورة أمن؟

بدأت ملامح الخطة الجديدة نتيجة الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.، فانتقلت طهران من لغة التهديد بالإغلاق إلى لغة الإدارة والتحصيل.

ووفقا لتقارير، بدأت إيران فعليا في تطبيق نظام قانوني جديد. يبرر المسؤولون الإيرانيون، ومنهم السياسي علي مطهري، في حوار نشره موقع تابناك الإيراني، هذا الإجراء بأن إيران، التي تحملت عبء تأمين المضيق لعقود، لها الحق في تحصيل رسوم مالية كما هو الحال في مضيق البوسفور وقناة السويس. 

الفارق هنا أن مبلغ الـ 2 مليون دولار يمثل “رسوم عبور استثنائية” في ظل حالة الحرب، تفرضها طهران كتعويض عن المخاطر الأمنية وتكاليف الرصد والسيطرة الذكية التي تمارسها قواتها البحرية.

تفكيك “فخ ترامب”: المضيق كذريعة للحرب

في حوار آخر لـ “تابناك“، يضع الخبير الاستراتيجي رضا صدر الحسيني يده على الجرح الجيوسياسي. يرى صدر الحسيني أن إصرار دونالد ترامب على “فتح المضيق” ليس هدفا إنسانيا أو تجاريا بحتا، بل هو “شماعة” لخلق إجماع دولي ضد إيران.

يقول صدر الحسيني: “ترامب فشل في تحقيق أهدافه الكبرى مثل إسقاط النظام أو تقسيم إيران، لذا يحاول الآن وضع كرة الحرب في الملعب الإيراني عبر تصوير طهران كعدو للتجارة العالمية”. 

الخطة الأمريكية، بحسب التحليل، تسعى لشرعنة التدخل العسكري عبر تحالف دولي (الناتو والشركاء الآسيويين)، لكن المفاجأة كانت في “امتناع معظم الدول عن إرسال قواتها”، مما جعل ترامب يواجه “فيتنام جديدة” في مياه الخليج، وفقا لوصف صحيفة “هاآرتص الإسرائيلية”.

الخطة الثنائية”: لماذا تراهن إيران على عُمان؟

العمود الفقري للخطة الإيرانية الجديدة هو الشراكة مع سلطنة عُمان. تؤكد طهران أن البروتوكول الجديد للمضيق سيُرسم بمشاركة مسقط، وهو ما يطرح تساؤلا: لماذا قد تقبل عمان المشاركة في نظام يثير غضب الغرب؟

يوضح صدر الحسيني أن الخطة تضمن مصالح عمان الوطنية أيضا. جغرافيا، يقع الممر الأعمق والصالح للملاحة في الجانب الإيراني، لكن التنظيم القانوني المشترك سيعطي مسقط نصيباً من السيادة والعوائد. 

إيران تراهن على أن عمان، “الجار الموثوق”، ستجد في هذا النظام حماية لمصالحها من الفوضى التي تسببها الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. 

إن تحويل المضيق إلى بوابة مشتركة منظمة قانونيا، يجعل من الصعب على المجتمع الدولي اتهام إيران بـ “القرصنة”، بل سيتحول الأمر إلى “تنظيم سيادي” لممر مائي تمر مياهه الإقليمية عبر دولتين.

لماذا تدفع السفن في قناة السويس وترفض في هرمز؟

تكمن الإجابة في التكييف القانوني للممرات المائية؛ فبينما تُصنف قناة السويس كقناة اصطناعية بالكامل تقع ضمن السيادة المصرية المطلقة، مما يمنح القاهرة حقا سياديا لا يُنازع في تحصيل الرسوم، ويخضع مضيق البوسفور لاتفاقية “مونترو” التاريخية التي تمنح تركيا صلاحيات تنظيمية ومالية محددة. 

أما في مضيق هرمز، فيحتدم الصراع بين رؤيتين: رؤية تقودها واشنطن تصر على أنه “ممر دولي” يخضع لـ حق العبور الترانزيت وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وهي قاعدة تمنع فرض رسوم على مجرد المرور، وتضمن حرية الملاحة للسفن التجارية والعسكرية على حد سواء دون قيود مالية أو أمنية من الدولة الساحلية.

في المقابل، تستند “الخطة الإيرانية الجديدة” إلى ثغرة قانونية مفادها أن طهران لم تصدق رسميا على اتفاقية 1982، وبالتالي فهي تتمسك بتطبيق قاعدة “حق العبور البريء” كبديل شرعي. 

يمنح هذا التوصيف القانوني للدولة الساحلية سلطات أوسع بكثير؛ إذ يسمح لها بفرض رسوم مقابل خدمات تأمين الملاحة وحماية البيئة البحرية، بل ويتيح لها منع عبور السفن التي تُصنفها كقوى “متخاصمة” أو “مضرة” بالأمن القومي، مثل السفن الأمريكية والإسرائيلية. 

ومن هنا، تحاول طهران تحويل “العبور البريء” إلى أداة لشرعنة رسوم الـ 2 مليون دولار، معتبرة إياها “فاتورة أمنية” واجبة السداد، مما ينقل الصراع من منصات المدافع إلى أروقة القانون الدولي ومحاكم التحكيم الملاحي.

الأرض المحروقة”: الألغام والرد الردعي

بيان “مجلس الدفاع” الإيراني لم يترك مجالا للتأويل، فالخطة الجديدة ليست مجرد أوراق وقوانين، بل هي محمية بـ “غابة من الألغام”. هدد المجلس بأنه في حال تعرض السواحل أو الجزر الإيرانية لأي هجوم، سيتم تحويل الخليج بأكمله إلى منطقة ألغام بحرية.

استحضر البيان تجربة الثمانينات المريرة للأساطيل الغربية، حيث فشلت أكثر من 100 كاسحة ألغام في التعامل مع عدد قليل من الألغام الإيرانية البدائية. اليوم، مع تطور التكنولوجيا، تعلن طهران أن “كل معابر الوصول” ستُغلق بالكامل، مما يعني أن الـ 2 مليون دولار التي تُدفع الآن هي “ثمن زهيد” مقارنة بالإغلاق الشامل الذي قد يرفع سعر برميل النفط إلى مستويات جنونية، ويدمر البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

الموقف الروسي: الصراع نتيجة “العدوان”

يدعم هذا الطرح الموقف الروسي الرسمي. يرى أندري رودينكو، نائب وزير الخارجية الروسي، أن أزمة مضيق هرمز هي نتيجة مباشرة للعدوان غير القانوني الأمريكي والإسرائيلي. 

موسكو، رغم معارضتها لإغلاق المضائق، تحمل واشنطن المسؤولية وتدعو إلى حل جامع يأخذ في الاعتبار المخاوف الإيرانية. هذا الغطاء الدبلوماسي من قوة عظمى يعزز من قدرة إيران على الاستمرار في تنفيذ “خطتها الجديدة”.

 صراع بين شرعية الجغرافيا وفرض الأمر الواقع

تتجاوز “الخطة الإيرانية الجديدة” لمضيق هرمز مجرد كونها إجراء عقابيا أو وسيلة لجباية الأموال؛ إنها في الجوهر “إعادة تعريف جيوسياسي لأهم ممر مائي في العالم. 

فمن خلال فرض رسوم عبور تصل إلى 2 مليون دولار، تنتقل طهران من استراتيجية “التهديد بالإغلاق العسكري”إلى استراتيجية “الإدارة السيادية المقننة”، وهو تحول ذكي يضع المجتمع الدولي أمام خيارين أحلاهما مرّ.

تحليليا، يمكن قراءة مآلات هذه الخطة عبر ثلاث زوايا حرجة:

أولا: “مبدأ السيادة البديلة”: من خلال إشراك سلطنة عُمان في “البروتوكول الجديد”، تحاول طهران نزع صفة “التصرف المنفرد” عن تحركاتها. هذا المحور (مسقط-طهران) يهدف إلى خلق “شرعية إقليمية” تنافس الشرعية الدولية التي تقودها واشنطن. إذا نجحت هذه الخطة، فسيكون ذلك بمثابة إعلان رسمي عن نهاية حقبة “العبور الترانزيت” المجاني الذي تضمنه الأساطيل الأمريكية، وبداية عصر “العبور المشروط” الذي تديره القوى الشاطئية.

ثانيا: “فخ التكلفة” أمام ترامب: يجد الرئيس الأمريكي نفسه في مواجهة “معادلة صفرية”. فخيار “الفتح العسكري” للمضيق لم يعد نزهة، بل سيؤدي -كما تشير المعطيات- إلى حرب “أرض محروقة” تشمل تدمير البنية التحتية للطاقة في المنطقة ومحطات الكهرباء وتحويل الخليج إلى حقل ألغام لا يطاق. في المقابل، فإن الصمت على “رسوم السيادة” الإيرانية يعني اعترافاً ضمنياً بهزيمة الإرادة الأمريكية وسقوط هيبة ناتو في حماية الممرات الدولية.

ثالثا: “اقتصاديات الحرب الباردة”: إن تحويل المضيق إلى “بوابة مدفوعة” هو سلاح ذو حدين؛ فهو يمنح طهران رئات اقتصادية جديدة للتنفس في ظل العقوبات والحرب، ولكنه في الوقت نفسه يضغط على حلفاء واشنطن قبل أعدائها. الارتفاع الجنوني في أسعار النفط والتضخم العالمي قد يؤدي في النهاية إلى تآكل “الإجماع الدولي” الذي يسعى ترامب لبنائه، حيث ستفضل دول كثيرة دفع الـ 2 مليون دولار كـ “ثمن للأمان” بدلاً من الانخراط في حرب عالمية ثالثة من أجل “مبدأ قانوني” لم يعد له وجود على أرض الواقع.

الخلاصة أن مضيق هرمز في عام 2026 لم يعد مجرد جغرافيا، بل أصبح صاعق تفجير لنظام عالمي يترنح. الخطة الجديدة التي رسمتها طهران، مستفيدة من دروس العقود الأربعة الماضية ومن “تخبط” الأهداف الأمريكية، وضعت العالم أمام حقيقة قاسية:  “من يملك الشاطئ، يملك القرار”.  وسواء انتهت هذه الأزمة باتفاق قانوني جديد أو بانفجار عسكري شامل، فإن “زمن العبور المجاني” قد ولى إلى غير رجعة، وما الـ 2 مليون دولار إلا الدفعة الأولى من فاتورة طويلة سيتعين على القوى العظمى سدادها للاعتراف بالواقع الجيوسياسي الجديد.