- زاد إيران - المحرر
- 334 Views
أثارت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال زيارته إلى محافظة أذربيجان الغربية، 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025، موجة من الانتقادات في الصحف والمواقع الإيرانية، فقد ركزت وسائل الإعلام على لهجته المتشائمة وتصويره للوضع الاقتصادي بصورة اعتبرتها محبطة، فيما طالبه محللون وخبراء بتبنّي خطاب أكثر اتزاناً يعكس الثقة بقدرات إيران بدل الإيحاء بالضعف، و بثّ صورة العجز.
زيارة بزشكيان إلى أذربيجان الغربية
زار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان محافظة أذربيجان الغربية، ضمن جولاته الميدانية، حيث التقى بمسؤولي ومثقفي المحافظة، وشارك في اجتماعات حول العدالة التعليمية والتنمية الإقليمية، وشهد توقيع مذكرات تفاهم لمشاريع تنموية وبيئية.
وأكد بزشكيان التزام حكومته بعدم إطلاق وعود غير قابلة للتنفيذ، مشدداً على الصدق في العمل الحكومي، وتحدث عن خطة إحياء بحيرة أرومية عبر التعاون بين الجامعات المحلية والمنظمات الدولية ومنها الفاو، مع التركيز على إعادة هيكلة أنماط الزراعة والري بما يتناسب مع التغير المناخي، كما أشار إلى جهود الحكومة لدعم الاستثمار والإنتاج في المحافظة، موضحاً أن فرقاً وزارية تعمل على إزالة العقبات الإدارية والقانونية، وتقدّم تقارير شهرية حول التقدّم في معالجة المشكلات الاقتصادية.
وأبرز أن حكومته تعمل على تنفيذ مشاريع كبرى في مجالات الطاقة المتجددة لضمان استقرار الكهرباء، مشيراً إلى أن ضعف الموارد المالية يستدعي الواقعية في الوعود والمشاريع، وشهدت الزيارة توقيع مذكرات تفاهم لإحياء بحيرة أرومية تشمل إدارة الموارد المائية والزراعة الذكية، فيما شدد على أن التقدم الوطني يتحقق بالاعتماد على الكفاءة والعلم والانفتاح على مختلف الآراء
.
انتقادات خطاب بزشكيان وتشجيع التركيز على القوة الوطنية
انتقدت صحيفة جوان وبعض الأوساط السياسية تكرار بزشكيان لعبارات مثل نحن ننام على الذهب لكننا جائعون، معتبرة أن هذا الخطاب يُبرز صورة الضعف بدل القدرة، ورأت أن تأكيد أعلى منصب تنفيذي على الفقر والعجز يُنتج وعياً جمعياً يرى المجتمع نفسه عاجزاً، رغم أن إيران تمتلك إنجازات معتبرة في مجالات الصحة والتعليم والبنى التحتية والأمن الغذائي والتنمية البشرية.
كما أن التركيز المستمر على الجوع يبعث برسالة سلبية عن القوة الوطنية في الخارج، خصوصاً أن مؤشرات دولية مثل مؤشر الجوع العالمي تُظهر أن إيران ضمن فئة الدول ذات الجوع المنخفض، وتتفوّق في هذا الجانب على دول الجوار، ودعت المقالات إلى أن يتمحور الخطاب الرسمي حول القدرات الفعلية والإمكانات الكامنة لا حول النواقص، مشيرة إلى أن لغة الرئيس تشكّل وعي الأمة وتوجّه الرأي العام، وأن تكرار مفردات العجز يعني التنازل عن سرد القوة في حرب الروايات العالمية.
والجدير بالذكر أن المرشد الأعلى دعا المسؤولين إلى أن يكونوا رواة القوة والشموخ لا رواة الضعف واليأس، حيث إن إبراز النقص يجذب العدو ويضعف الداخل، وختمت بأن المطلوب من الرئيس هو تحويل عرض المشكلات إلى سياسات عملية تعزز العدالة وتقلّص الفوارق، لا الاكتفاء بخطاب الشكوى، لأن الناس يريدون رئيساً يروي القوة لا العجز، ويجعل من اللغة أداة للبناء
.
وهاجم موقع جهان نيوز بزشكيان بسبب تكرار تصريحاته التي وصفتها بالمحبطة، مثل قوله: “نحن جائعون وإيران تمر بأسوأ أوضاعها المالية”، ورأت أن هذا النوع من الخطاب يسيء إلى صورة إيران ويبعث برسائل ضعف للداخل والخارج.
وأفاد بأن على الرئيس أن يفرّق بين الجلسات الخاصة، حيث يمكن طرح الحقائق بصراحة، والجلسات العلنية التي تتطلب حذراً في الخطاب، لأن الأعداء يترقبون أي إشارة ضعف، كما ينبغي على الحكومة بث الأمل لا الإحباط، وأن فقدان الأمل في بداية العهد الرئاسي ينعكس سلباً على روح المجتمع والمسؤولين.
وانتقد استخدامه لعبارات جارحة تمس كرامة الشعب، داعياً إياه إلى التدقيق في كلماته وتقليل خطبه إذا كان لا يجيد الخطابة، كما اعتبر أن الحل لا يكون بالاستسلام أو الشكوى، بل باتخاذ قرارات حاسمة واستبدال العناصر غير الكفؤة بخبراء أكفاء، وعلى الرئيس أن يتحدث بلغة القوة والعزة الوطنية، لأن إيران التي صمدت أمام الحروب والعقوبات لا يليق بها خطاب يائس، بل كلمات تُعبّر عن الثقة والكرامة.
انتقادات موازنة بزشكيان ودعوات لإصلاح الفساد والإنفاق
علق البرلماني إبراهيم رضائي، في تغريدة على تصريحات بزشكيان، الذي قال فيها، نحن ننام على الذهب، ومشكلتنا نحن أنفسنا، وكتب: نحن ننام على الذهب، لكن الشعب جائع، لأنهم منحوا أصدقاءهم ورعاتهم قروضاً بمبالغ باهظة، فهل تبقى للناس شيء؟! كونوا صادقين مع الشعب ولا تضللوه.
وكتب الخبير في الشؤون الخارجية أمير دبيري مهر، على حسابه في منصة إكس، أن بزشكيان، بعد مرور 15 شهراً، لم يحقق التعاطف اللازم مع معارضي رفع الحجب عن الإنترنت، ولم يستجب للمطلب القانوني والشرعي والأخلاقي للشعب، متجاهلاً العناد غير القانوني والسادي لمجموعة مجهولة الهوية، مطالباً بالكشف عن الأفراد والجهات التي تضغط على الشعب.
وقد أكد بزشكيان أن الحكومة تسعى لإعداد موازنة بلا عجز عبر خفض النفقات وتنفيذ انضباط مالي، لكن الخبير الاقتصادي مهدي بازوكي، شكك في إمكانية تحقيق ذلك، معتبراً أن الموازنة الحالية تعاني تضخماً غير مبرَّر في الإنفاق، خصوصاً في مؤسستي الرئاسة والبرلمان، حيث ارتفعت ميزانية البرلمان بشكل غير منطقي.
وقال بازوكي إن الحكومة يجب أن تموّل نفقاتها الجارية من الضرائب فقط، لا من عائدات النفط، داعياً بزشكيان إلى بدء الإصلاح من مؤسسته وتقليص البنود الباهظة وغير المنتجة، كما انتقد الامتيازات الخاصة للمسؤولين مثل التأمين الصحي المميز مقارنة بالمعلمين، مؤكداً أن إيران تُدار بتكاليف باهظة.
وأشار إلى تفشي الفساد والريع في مؤسسات الدولة، داعياً إلى تفعيل توليد الأصول الحكومية وإيقاف الهدر والازدواج في الأجهزة، وانتقد غياب الشفافية في الموازنة منذ عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، ووجود مؤسسات دعوية وإدارية تستهلك موارد ضخمة دون مردود حقيقي.
وختم بدعوته إلى إغلاق الساحات الخلفية للمؤسسات، ودمج المعاهد والمراكز الحكومية المتكررة، ووقف تمويل الشركات المفلسة، مشدداً على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من ترشيد الإنفاق ومواجهة المصالح الخاصة بدل إطلاق الشعارات.
تحديات الحوار السياسي والإصلاح المالي في إيران
تشير التقارير إلى وجود مؤسسات تتلقى ميزانيات ضخمة دون تحقيق أهدافها، بل تتحول أحياناً إلى عبء على الدولة، في وقت يعيش فيه ملايين المواطنين تحت خط الفقر ويواجهون صعوبات في التعليم والعلاج والمعيشة.
ويُعد الظرف الراهن فرصة لبزشكيان للانتقال من مرحلة الشعارات إلى التنفيذ الفعلي، عبر إصلاح شامل للموازنة وإلغاء ميزانيات المؤسسات غير المنتجة وتوجيه الموارد للفئات الضعيفة، ورغم أن هذا المسار سيواجه مقاومة، فإن نجاح الحكومة في خوضه بشجاعة سيكون معياراً حقيقياً لمدى قدرتها على إنقاذ الاقتصاد وتحسين معيشة الناس.
والجدير بالملاحظة أن دعوة بزشكيان إلى سهولة الحوار تتجاهل واقعاً معقداً في إيران، حيث إن الحوار لا يعتمد على النوايا الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى شروط غائبة مثل الاعتراف بالآخر، والتوازن في القوة، وحرية التعبير، والإعلام المستقل، والثقة المتبادلة، وفي ظل الانقسامات السياسية والفكرية العميقة وتراجع الثقة العامة، يصبح الحديث عن حوار سهل نوعاً من تبسيط الأزمة.
كما أن الصراعات في إيران ليست ناتجة عن سوء نية الأفراد، بل عن تضارب المصالح وغياب آليات عادلة لحل الخلافات، لذا لا يمكن حلها باللين، كما أن رفض وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الحوار مع واشنطن، والمواقف المتشددة تجاه المعارضين، تعكس غياب ثقافة الحوار على المستويين الداخلي والخارجي، وحتى الإيرانيون في الخارج، رغم عيشهم في مجتمعات ديمقراطية، يفتقر كثير منهم إلى الذهنية المتقبلة للحوار، حيث يسود خطاب العنف والإقصاء.
ومن أسباب الأزمة أيضاً انسحاب رجال الدين من ساحة النقاش العام، ما أدى إلى تراجع الفكر الديني وتكرار الخطاب، والأسوأ أن الحوار مفقود داخل مؤسسات الحكم نفسها، حيث تسود الخلافات بين البرلمان والحكومة والمجلس الأعلى للفضاء السيبراني وسائر الهيئات.
وفي الختام، يبقى الإصلاح المالي والحوار السياسي تحدياً رئيسياً أمام الحكومة الإيرانية، ويتطلب شجاعة وسياسات واضحة لإعادة الثقة وتحسين معيشة المواطنين، ونجاح بزشكيان في مواجهة هذه التحديات سيكون المعيار الحقيقي لقدرة حكومته على قيادة إيران نحو الاستقرار والتنمية.

